أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - انتصار كامل جفلان الخشت - وُلِدتُ هناك، وُلِدتُ هنا… حين تتوزع الروح بين مكانين قراءة أدبية في كتاب مريد البرغوثي بقلم: انتصار الخشت














المزيد.....

وُلِدتُ هناك، وُلِدتُ هنا… حين تتوزع الروح بين مكانين قراءة أدبية في كتاب مريد البرغوثي بقلم: انتصار الخشت


انتصار كامل جفلان الخشت
مستشارة تربوية دولية، باحثة ومؤلفة مستقلة متخصصة في التربية الخاصة والتطوير .

(Dr. Entsar El-khash)


الحوار المتمدن-العدد: 8863 - 2026 / 10 / 19 - 04:58
المحور: الادب والفن
    


ليست كلُّ الرحلات انتقالًا من مكان إلى آخر؛ فبعضها عودةٌ إلى أسئلة قديمة، ومحاولةٌ لاسترداد ما تركته السنوات خلف الأبواب المغلقة. وفي كتابه «وُلِدتُ هناك، وُلِدتُ هنا»، يفتح مريد البرغوثي نافذةً على علاقة الإنسان بأرضه، وعلى المسافة التي يصنعها المنفى بين المرء ومكانه، ثم يتركها مفتوحةً أمام جيلٍ جديد يريد أن يعرف من أين بدأت الحكاية.
حين يصبح الأب دليلًا إلى طفولته
في هذا الكتاب، لا تبدو رحلة مريد البرغوثي مع ابنه تميم مجرد زيارة إلى أرضٍ يعرفها الأب ويجهلها الابن، بل محاولة لاستعادة زمنٍ لم يعشه الابن، ولم يفقده الأب من ذاكرته قط. يمضي الأب في الطريق، غير أن خطاه تحمل آثار أعوامٍ طويلة من الغياب، بينما ينظر الابن إلى المكان بعينين تبحثان عن بدايةٍ تخصانه.
هنا تتجاوز العلاقة بين الأب والابن حدود القرابة؛ فالأب لا يمنح ابنه أسماء الأماكن وأخبار العائلة فحسب، بل يحاول أن ينقل إليه شيئًا من تجربته، وأن يقرّب المسافة بين ذاكرةٍ عاشت الأحداث وذاكرةٍ لم تعرفها إلا عبر الحكايات.
لكن الذاكرة لا تنتقل كاملةً من إنسان إلى آخر؛ إنها تصل محمّلةً بما بقي في القلب، وبما استطاعت الكلمات أن تنقله، وبما عجزت عن قوله. ولهذا لا يصبح الابن نسخةً من أبيه، بل يبدأ رحلته الخاصة في فهم ما ورثه، وما عليه أن يكتشفه بنفسه.
المكان والمنفى: حين لا تكفي العودة
في تجربة مريد البرغوثي، لا يكون المكان مجرد بقعةٍ على الخريطة، بل طبقاتٍ من الزمن والوجوه والتفاصيل الصغيرة. قد يعرف الإنسان اسم القرية أو الشارع، لكنه يحتاج إلى أكثر من المعرفة كي يشعر بأنه عاد حقًّا؛ يحتاج إلى أن يلتقي بما بقي من ذاكرته، وأن يتعرّف إلى ما غيّرته السنوات.
فالمنفى لا يبعد الإنسان عن أرضه وحدها، بل يعيد تشكيل علاقته بها. ومع طول الغياب، يصبح المكان حاضرًا في الوجدان بقدر ما هو غائب عن الحياة اليومية؛ يكبر في الذاكرة، وتحيط به الصور القديمة، ثم تأتي العودة لتضع هذه الصور أمام واقعٍ لم ينتظر أحدًا حتى يعود.
وهنا تكمن إحدى مفارقات الغياب: أن يعود المرء إلى المكان الذي ظلّ يسكنه في داخله، فيكتشف أن العودة لا تعيد الزمن إلى الوراء، ولا تمحو ما صنعته الأعوام. إنها تمنحه فرصةً أخرى للمواجهة، وتضعه أمام سؤالٍ صعب: كيف يستعيد الإنسان صلته بمكانه من دون أن يتوهّم أن كل شيء ظلّ كما تركه؟
من يروي الحكاية لمن؟
يمنح الكتاب القارئ فرصةً للتأمل في طبيعة السيرة الذاتية؛ فهي ليست استدعاءً للماضي فحسب، بل إعادة نظرٍ فيه من موقع الحاضر. وحين يروي مريد تجربته، فإنه لا يستعيد حياته وحده، بل يقترب من تاريخٍ تتداخل فيه التجربة الفردية مع ذاكرة العائلة، ومن مصيرٍ يتجاوز حدود الشخص إلى أسئلة الانتماء والغياب.
واللافت أن الحكاية هنا تسير في اتجاهين: أبٌ يحاول أن يعرّف ابنه إلى جذوره، وابنٌ يمنح أباه فرصةً لرؤية تلك الجذور بعينٍ جديدة. فأسئلة الجيل التالي قد تكشف في ذاكرة الجيل السابق مناطق لم يتوقف عندها من قبل، وقد تجعل ما اعتاده الإنسان جزءًا من حياته يبدو فجأةً جديرًا بالتأمل والشرح.
بهذا المعنى، لا يكتب الأب ليغلق حكايته، بل ليتركها مفتوحةً أمام ابنه. فالحكايات التي تنتقل بين الأجيال لا تبقى على صورتها الأولى؛ إنها تتجدد كلما وجدت من يصغي إليها، ويعيد فهمها، ويمنحها معنى يتصل بحياته.
ما الذي يبقى من الوطن؟
لا يقدّم «وُلِدتُ هناك، وُلِدتُ هنا» الوطن بوصفه حنينًا عاطفيًّا خالصًا، ولا يجعل العودة نهايةً مضمونةً للاغتراب. إنما يضعنا أمام علاقة أكثر تعقيدًا بين الإنسان والمكان: علاقةٍ تصنعها الذاكرة، وتختبرها المسافة، وتعيد السنوات صياغتها من دون أن تمحو أثرها.
وقد يكون ما يحمله الأب إلى ابنه أكبر من تفاصيل الماضي؛ إنه إحساسٌ بأن الإنسان لا يبدأ من الصفر، وأن وراء حكايته حكاياتٍ أخرى أسهمت في تشكيله. ومع ذلك، لا تكفي الجذور وحدها لتفسير الحاضر؛ فلا بد لكل جيلٍ أن يقرأ ما ورثه، وأن يختار كيف يحمله إلى المستقبل.
إن قيمة الكتاب لا تكمن في استعادة مكانٍ غائب فحسب، بل في تأمل ما يفعله الغياب بالإنسان، وكيف تتحول الذاكرة إلى جسرٍ بين من عاشوا الحكاية ومن وصلتهم أصداؤها. فالأب يروي، والابن يصغي، وبين الرواية والإصغاء تتشكل مساحةٌ جديدة للفهم.
وفي النهاية، ربما لا نستطيع أن نمنح أبناءنا الماضي كما عشناه، ولا أن نحميهم من أسئلته، لكننا نستطيع أن نترك لهم حكايةً صادقة، لا تفرض عليهم إجاباتها، بل تمنحهم فرصة البحث عن إجاباتهم.
فثمة أوطانٌ نولد فيها، وأخرى تولد فينا، وبين الميلادين تمتد رحلة الإنسان في البحث عن ذاته؛ رحلةٌ لا تنتهي بالوصول، بل تبدأ كلما اكتشف أن للمكان ذاكرةً، وللذاكرة أبوابًا، وللحكاية عمرًا أطول من أعمار أصحابها.



#انتصار_كامل_جفلان_الخشت (هاشتاغ)       Dr._Entsar_El-khash#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صوت الليل بقلم: انتصار الخشت
- رأيت رام الله.. الذاكرة والمنفى واستحالة العودة الكاملة.
- قصيدةٌ تبحث عن شاعر بقلم: انتصار الخشت
- حين يصبح الأمان حقًّا لا مِنّة بقلم: انتصار الخشت
- اليوم العالمي للطفلة: نَسِيجُ الأَمَلِ بَيْنَ الشِّعَارَاتِ ...
- على هامش «أقولك إيه عن الشوق» بقلم: انتصار الخشت
- حين يُتْعِبُ ما لا يُرى بقلم: انتصار الخشت
- نربي إنسانًا أم نصنع متفوقًا؟ بقلم: انتصار الخشت
- أولاد اللعنة _بقلم :انتصار الخشت
- ليلةٌ مقمرة حين عبر الوطن من العتمة إلى الضوء بقلم: انتصار ا ...
- زيارة إلى وجوه السنين
- الدمج… حين يصبح الاختلاف طريقًا إلى الإنسان بقلم: انتصار الخ ...
- جرحٌ اسمه وطن بقلم: انتصار الخشت
- ما لا يراه العابرون بقلم: انتصار الخشت
- حين يصبح الإنسان هو القضية بقلم: انتصار الخشت
- طيف التوحد… حين نرى الإنسان قبل التشخيص قراءة في كتاب «طيف ا ...
- مرحبًا، حقيبة سفر :بقلم -انتصار الخشت
- في الجهة الأخرى من الحلم -بقلم: انتصار الخشت
- فرحين بما آتاهم :بقلم -انتصار الخشت
- النوم في الخريف :بقلم-انتصار الخشت


المزيد.....




- قصيدة لبوشكين تصل إلى القطب الشمالي بصوت فرقة بشكيرية تنافس ...
- فرقة الدراما والمسرح ببستان سلوان تصل فرنسا
- صلابة الخيزران وتجذر الزيتون: كيف تسند الدبلوماسية الثقافية ...
- ايزابيل هوبير في (كل شيء عن كورين) وعروض سينمائية مجانية
- مئوية تشاك بيري.. كيف صاغ -أبو الروك أند رول- لغة الموسيقى ا ...
- -ذاكرة القدس-.. أرشيف بصري يقود معركة الرواية وحفظ التاريخ ا ...
- الدكتور زهير توفيق للجزيرة نت.. نعيش حالة -هروب إلى الماضي-. ...
- «بين شطين» يحصد المركز الأول في مسابقة «عيش» للأفلام بمهرجان ...
- وفاة الممثلة جورجينا كيتس عن 51 عاماً بعد مسيرة سينمائية متن ...
- انتهى زمن التزييف.. كيف صنعت السينما الإسرائيلية سردية الاحت ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - انتصار كامل جفلان الخشت - وُلِدتُ هناك، وُلِدتُ هنا… حين تتوزع الروح بين مكانين قراءة أدبية في كتاب مريد البرغوثي بقلم: انتصار الخشت