انتصار كامل جفلان الخشت
مستشارة تربوية دولية، باحثة ومؤلفة مستقلة متخصصة في التربية الخاصة والتطوير .
(Dr. Entsar El-khash)
الحوار المتمدن-العدد: 8860 - 2026 / 10 / 16 - 04:48
المحور:
الادب والفن
ثمة مدن لا نغادرها حين نبتعد عنها، بل نحملها في مكان خفي من أرواحنا، ونمضي بها عبر السنوات كما يمضي المسافر بحقيبة لا يراها أحد. تتغير ملامحنا، وتتبدل الطرق التي نسلكها، وتتعاقب الوجوه في حياتنا، لكن شيئًا في الداخل يظل واقفًا عند عتبة بيت قديم، يصغي إلى أصوات غابت، وينتظر وقع خطوات لن تعود كما كانت.
من هذه المسافة بين المكان والذاكرة، أقرأ كتاب «رأيت رام الله» للشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي، الصادر عام 1997، بعد عودته إلى مسقط رأسه إثر نحو ثلاثين عامًا من الغياب. وهو كتاب نال جائزة نجيب محفوظ للإبداع الأدبي، وكتب إدوارد سعيد مقدمة لترجمته الإنجليزية، في شهادة على قيمته الأدبية والإنسانية.
لكن ما يستوقفني في هذا العمل ليس العودة وحدها، بل ذلك السؤال الذي يختبئ خلفها: هل يعود الإنسان إلى المكان نفسه، أم يعود إلى صورته القديمة عنه، ثم يكتشف أن الزمن قد أعاد ترتيب كل شيء، باستثنائه هو، الذي ظل يحمل في داخله نسخة لا تعرف ما الذي حدث في غيابه؟
حين لا تكفي العودة
يبدو عنوان الكتاب، «رأيت رام الله»، أكثر اتساعًا من فعل الوصول. فالرؤية هنا ليست مجرد وقوع العين على مدينة، وإنما محاولة لاستعادة علاقة انقطعت طويلًا، واختبار المسافة بين ما احتفظت به الذاكرة وما تكشفه اللحظة الراهنة.
كأن الكاتب لا يدخل المكان وحده، بل يصطحب معه سنواته كلها؛ طفولته، ووجوه الذين عرفهم، وأحلامه الأولى، وما تراكم في الغياب من صور وتوقعات. يصل الإنسان بجسده، لكن ذاكرته تكون قد سبقته إلى هناك مرات لا تُحصى.
ومع ذلك، لا تمنحه الذاكرة حق امتلاك المكان كما كان. فالزمن لا ينتظر الغائبين، ولا يجمّد الحياة عند النقطة التي تركوها فيها. البيوت تتبدل، والناس يكبرون أو يرحلون، والطرق التي كانت مألوفة قد تستقبل العائد بوجه آخر.
وهكذا تصبح العودة لقاءً مزدوجًا: لقاءً بالمكان، ولقاءً بالإنسان الذي كنّاه ذات يوم، ذلك الذي نظن أننا ما زلنا نعرفه، حتى نفاجأ بأن سنوات الغياب قد صنعت بيننا وبينه مسافة أخرى.
الوطن الذي يسكن التفاصيل
لا يحتاج الوطن دائمًا إلى خريطة كي يحضر. قد يختبئ في هيئة نافذة، أو في رائحة خبز، أو في طريق اعتدنا عبوره صغارًا، أو في صوت ينادينا باسمنا القديم. وربما لهذا تملك التفاصيل الصغيرة قدرة على إيقاظ ما تعجز الأحداث الكبرى عن استعادته.
إن المكان، في التجربة الإنسانية، ليس مساحة محايدة؛ إنه مستودع للأصوات والانفعالات، ودفتر مفتوح كتبت عليه الحياة بعض أجمل لحظاتها وأكثرها وجعًا. وكلما ابتعدنا عنه، ازدادت قدرتنا على تحميله ما نحتاج إليه من معنى، حتى يصبح في الذاكرة أكثر صفاءً مما كان عليه في الواقع.
لكن مريد البرغوثي لا يكتفي باستعادة صورة مثالية لوطن ينتظر صاحبه كما تركه. إنه يضع الذاكرة أمام اختبار الحقيقة، ويترك للقارئ أن يرى التفاوت بين الحنين وما يستطيع المكان أن يمنحه فعلًا.
فالحنين لا يعيد الزمن، وإنما يكشف مقدار حاجتنا إليه. وقد نعود إلى الأماكن التي أحببناها، فنكتشف أننا لم نكن نشتاق إلى جدرانها وحدها، بل إلى أنفسنا حين كانت الحياة أوسع، وإلى وجوه كانت تمنح أيامنا معناها، وإلى زمن لم نكن نعرف، ونحن نعيشه، أنه سيصبح يومًا بعيدًا إلى هذا الحد.
الغياب الذي يعيد تشكيل الإنسان
ليس الغياب فراغًا في الحياة، بل حياة أخرى تتشكل بعيدًا عن المكان الأول. إنه سنوات كاملة من التجارب والعلاقات والخسارات، ومن محاولات التكيف مع عالم يطلب من الإنسان أن يستمر، حتى عندما يظل جزء منه معلقًا خلف مسافة لا يستطيع عبورها.
والمنفى، في أعمق معانيه الإنسانية، ليس انتقالًا من أرض إلى أرض فحسب؛ إنه اضطرار إلى إعادة بناء الحياة في أماكن لا تحمل تاريخنا الأول، وإلى صنع ألفة جديدة من أشياء لم تشهد بداياتنا.
قد ينجح الإنسان في التكيف، وقد يصنع لنفسه بيتًا، ويؤسس علاقات، ويحقق إنجازات، لكنه يظل أحيانًا عاجزًا عن شرح ذلك النقص الغامض الذي لا تملؤه الحياة الجديدة، ولا يمحوه مرور السنوات.
ليس لأنه لم يعد قادرًا على الانتماء إلى مكان آخر، بل لأن الانتماء الأول لا يُمحى بالضرورة حين تنشأ انتماءات جديدة.
وهنا تتجاوز تجربة البرغوثي حدود سيرته الخاصة، لتصبح نافذة على مشاعر بشرية يعرفها كل من اضطرته الحياة إلى الابتعاد عن جذوره، أو أعادته إلى مكانه بعد أن تغيّر كل شيء، أو اكتشف أن بعض المسافات لا تقاس بالكيلومترات، وإنما بما تراكم في القلب من غياب.
لماذا لا نعود كما ذهبنا؟
لعل أكثر ما يؤلم في العودة أن الإنسان يحمل معه توقعًا صامتًا بأن يجد شيئًا ينتظره في مكانه القديم، ثم يكتشف أن الانتظار نفسه كان جزءًا من خياله.
نعود أحيانًا لنبحث عن بيت، فنجد أننا نبحث عن زمن. ونفتش عن وجه، فنجد أننا نفتش عن لحظة لم يعد ممكنًا استعادتها. ونتطلع إلى الطريق الذي عرفناه، كأننا نرجو منه أن يدلنا على النسخة التي فقدناها من أنفسنا.
لكن الحياة لا تعيد إلينا الأشياء بالصورة التي غادرت بها ذاكرتنا. حتى لو بقي البيت قائمًا، فإن الذين صنعوا دفأه ربما غابوا، وحتى لو ظلت الشجرة في مكانها، فإن الطفل الذي جلس تحتها لم يعد الطفل نفسه.
والنضج، في جانب منه، أن نفهم أن العودة ليست إلغاءً للغياب، وأن اللقاء لا يمحو كل ما صنعته السنوات. قد يمنحنا فرصة للمصالحة مع ما مضى، لكنه لا يعيد الماضي إلى الحياة.
من هنا تنبع رهافة هذا الكتاب: من إدراكه أن الفرح بالوصول يمكن أن يسير جنبًا إلى جنب مع الحزن، وأن رؤية المكان المحبوب لا تعني بالضرورة استعادة الشعور القديم بالانتماء إليه.
من رام الله إلى ذاكرة الإنسان
على الرغم من خصوصية التجربة الفلسطينية في الكتاب، فإن قيمته الأدبية لا تتوقف عند حدودها الجغرافية. فالنص يتيح لنا أن نقترب من تجربة إنسانية أوسع، تتصل بفقد المكان، ومرور الزمن، وتبدل الهوية، وصعوبة استعادة ما تركناه وراءنا.
إننا جميعًا نحمل في داخلنا أماكن لا تظهر على الخرائط؛ بيوتًا سكنّاها، وشوارع عبرناها، وأصواتًا انقطعت، ووجوهًا لا تزال ذاكرتنا تحتفظ بها في عمرها الأول. وقد لا يكون لنا من تلك الأمكنة سوى ما تبقى في الوجدان، لكن هذا الباقي قادر على أن يعيد تشكيل حاضرنا، وأن يمنح بعض تجاربنا القديمة حياة جديدة.
وهنا تتجلى قوة الأدب؛ فهو لا يكتفي بأن يخبرنا بما حدث للآخرين، بل يمنحنا فرصة لرؤية أنفسنا في تجاربهم، واكتشاف المشاعر التي نظنها شخصية تمامًا، فإذا بها جزء من الحكاية الإنسانية المشتركة.
إن مريد البرغوثي لا يجعلنا نرى رام الله وحدها، بل يدعونا إلى تأمل علاقتنا نحن بالأماكن التي صنعتنا. يسألنا، من خلال تجربته، عما يبقى في الإنسان بعد الغياب، وعما إذا كان المكان يحتفظ بنا كما نحتفظ به، وعن تلك المسافة التي قد تنشأ بين الذاكرة والحقيقة حتى عندما نكون على أرض نعرفها.
خاتمة: المدن التي لا تغادرنا
ربما لا تكون العودة الحقيقية أن نصل إلى المكان الذي غادرناه، بل أن نتصالح مع الزمن الذي مرّ بعيدًا عنا. أن نقبل بأن الماضي، مهما اشتد حنيننا إليه، لن يعود بالصورة نفسها، وأن نمنح ذكرياتنا حق البقاء من دون أن نطالبها بإعادة الحياة إلى الوراء.
في «رأيت رام الله»، تبدو المدينة أكثر من مكان يعود إليه شاعر؛ إنها سؤال مفتوح عن معنى أن يكون للإنسان جذر، وعن قدرة الذاكرة على حفظ ما تعجز الحياة عن الاحتفاظ به، وعن ذلك الحنين الذي لا يهدأ لمجرد أن الطريق أصبح متاحًا.
ولعلنا لا نحتاج إلى أن نغادر أوطاننا كي نفهم هذا الشعور. يكفي أن نعود يومًا إلى شارع طفولتنا، أو إلى بيت قديم، أو إلى مقعد جمعنا بمن أحببنا، ثم نكتشف أن المكان الذي أمامنا ليس المكان الذي نحمله في داخلنا.
عندها نفهم أن بعض المدن لا تغادرنا، لكنها لا تعود إلينا كاملة أيضًا؛ تظل معلقة بين صورتين: صورة نراها بأعيننا، وأخرى لا يستطيع الزمن أن يمسحها من الذاكرة.
وربما لهذا لم يكن عنوان الكتاب «عدت إلى رام الله»، بل «رأيت رام الله»؛ فالرؤية اعتراف بأن ما نلقاه أمامنا ليس كل ما نبحث عنه، وأن وراء المكان الظاهر مكانًا آخر، لا سبيل إلى دخوله إلا عبر الذاكرة.
هناك، في تلك المسافة التي لا يقطعها الطريق، تظل المدن التي أحببناها حية، لا لأنها بقيت كما كانت، بل لأن شيئًا منا ما زال يعيش فيها
#انتصار_كامل_جفلان_الخشت (هاشتاغ)
Dr._Entsar_El-khash#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟