أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - انتصار كامل جفلان الخشت - قصيدةٌ تبحث عن شاعر بقلم: انتصار الخشت















المزيد.....

قصيدةٌ تبحث عن شاعر بقلم: انتصار الخشت


انتصار كامل جفلان الخشت
مستشارة تربوية دولية، باحثة ومؤلفة مستقلة متخصصة في التربية الخاصة والتطوير .

(Dr. Entsar El-khash)


الحوار المتمدن-العدد: 8859 - 2026 / 10 / 15 - 06:10
المحور: الادب والفن
    


لم تكن تبحث عن قلمٍ يخطّ حروفها، بل عن قلبٍ يتّسع لمداراتها، وعن روحٍ إذا مرّت بها أشرعت نوافذها، وألقت مفاتيح أسرارها في يد الريح.
خرجت ذات مساء من رحم ورقةٍ بيضاء، ومضت في الطرقات، تتهادى كأنّها ملكة المجرّة. كان الضوء ينساب من أطراف ثوبها، وتتساقط النجوم تحت خطاها. سار القمر خلفها حافيَ الدهشة، يمدّ ذراعيه ليمسك طرف ردائها كلّما أوشكت الغيوم أن تختطفه، وكانت الشمس تسكب على كتفيها ذهبًا مذابًا، كأنّها تخشى أن تعبر النهار دون أن تترك على جبينها تاجًا من اللهب.
وفي أعالي السماء، كانت الريح تسابق خطاها، تحمل إليها رسائل الضوء، وتنثر اللؤلؤ في طريقها، فيما كان الليل العربي يجرّ وراءه عباءةً من الدخان، ويحمل في جيوبه أسماء المدن التي أضناها النزيف. سهر مثقلًا بأفكارٍ لا تجد سماءً تتّسع لها، بينما خفتت النجوم كأنّها تخشى أن تفضح ما تخبّئه العتمة. وكانت المدن تبحث عن قمرٍ لا تخترق ضوءه أصوات المدافع، وعن نافذةٍ تُطلّ منها الحياة دون أن ترتجف ستائرها على وقع الفقد.
كانت القصيدة تمشي، وفي ضفائرها تتسلسل أشطارٌ لم تكتمل، وتتوارى بين خصلاتها قوافٍ أفلتت من أقفاص اللغة، وعلى شفتيها جملةٌ تبحث عن فمٍ لا يخون ارتجافها حين تُقال.
كانت جميلةً بما يكفي لتفتن الشعراء، وعصيّةً بما يكفي لتفلت منهم جميعًا.
طرقت باب شاعرٍ ذائع الصيت، فخرج إليها محاطًا بظلال قصائده، تتدلّى من كتفيه أوسمةٌ كأنّها أقمارٌ صغيرة، وتلمع في عينيه مرايا التصفيق.
قالت له:
ألك أن تكتبني؟
فتح خزائن البلاغة، وأخرج من أدراجه استعاراتٍ مصقولة، وقلائد من التشبيهات، وألبسها من الكلمات ما يليق بواجهة كتابٍ فاخر. جعل من عينيها بحرين، ومن صوتها نايًا، ومن خطاها ربيعًا، ثم وقف يتأمّل صنعته، منتظرًا أن تصفّق له المجرّات.
لكنّ القصيدة انحنت قليلًا، ونفضت عن كتفيها غبار الزينة.
قالت:
لقد وصفتَ ما تراه العيون، فهل تستطيع أن تكتب ما ترتجف له الأرواح؟
لم يُجب؛ فقد كان يبحث عن قافيةٍ تنقذه من السؤال.
فغادرت.
ومضت إلى شاعرٍ آخر، وجدته يسهر في غرفةٍ تضيق بجدرانها وتتّسع لغروره. كان يكتب عن الفقراء بمدادٍ لا يعرف الجوع، وعن الأوطان من شرفةٍ لا تطلّ على أبواب المغتربين، وعن الحبّ بقلبٍ لم يتركه الفراق يومًا واقفًا على عتبة الانتظار.
سألته:
هل عرفتَ يومًا كيف ينام الحزن في صدر إنسان؟
قال:
أستطيع أن أجعله قصيدةً تبكي لها العيون.
قالت:
لا أريد دموعًا تستعير وجوه الآخرين، بل كلمةً تعرف لماذا ترتجف اليد حين تكتب اسمًا غائبًا، ولماذا يصبح الكرسيّ الفارغ جبلًا، والباب المغلق آخر حدود العالم.
تركته يتعثّر في قافيته، ومضت.
كانت تبحث عن شاعرٍ لا يطارد النجوم ليعلّقها على جدار مجده، بل يمدّ يده إلى العتمة، فيلتقط منها مصباحًا لإنسانٍ تاه في الطريق.
عبرت شوارع كثيرة، تسابق الريح حينًا، وتبطئ خطاها حينًا آخر، كأنّها تمنح الحزانى فرصةً ليلحقوا بطرف حكايتها. كانت تنثر اللؤلؤ في الطرقات، فلا يلتفت إليه العابرون؛ فقد ازدحمت أيديهم بأشياء لا تلمع، وامتلأت عيونهم بغبار السرعة.
رأت رجلًا يضحك، وفي صدره مقبرةٌ لأحلامٍ لم تُدفن جيدًا. ورأت امرأةً تمشّط شعر طفلتها، بينما تعدّ أصابعها خسارات العمر في صمت. ورأت شيخًا يسند ذاكرته إلى عصاه، ويجرّ خلفه مواسم كاملةً من الوجوه التي رحلت.
كانت القصائد تمشي بين الناس بأقدامٍ حافية، لكنّ أحدًا لم يسمع حفيفها.
وفي كلّ مساء، كان الليل العربي يفرش سواده على المدن، ويجلس إلى جوارها، يحمل أثقال أفكاره كما تحمل الجبال صخورها. كان يحدّث القصيدة عن قلوبٍ نامت على الأسئلة، وأحلامٍ أكل الصدأ مفاتيحها، وبشرٍ يخبّئون خلف الأبواب الموصدة حدائقَ لم يجرؤوا على فتحها.
أصغت القصيدة، ثم تابعت رحلتها، وقد ازدادت ضفائرها بالأشطار المبتورة؛ فكلّ إنسانٍ صادفته ترك في شعرها بيتًا، وكلّ وجعٍ مرّ بها علّق في جدائلها فاصلةً من دمعة.
حتى أرهقها الترحال.
جلست ذات مساء على عتبة بيتٍ قديم، تتدلّى من شرفته أصص الريحان، وتفوح عند بابه رائحة خبزٍ خرج لتوّه من الفرن. كان البيت متواضعًا، لا تحرسه أعمدة الرخام، ولا تزيّن شرفاته نجومٌ من البلّور، لكنّ نافذته كانت تشعّ بدفءٍ يشبه يدًا تربّت على كتف غريب.
في الداخل، كانت امرأةٌ مسنّة تضمّ صورة ابنها الراحل، وتمسح بإبهامها وجهه الذي بهتت ملامحه من كثرة ما لامسته الدموع.
قالت للصورة:
تأخّرتَ يا ولدي، وقد برد الطعام.
توقّفت القصيدة.
لم يكن في الجملة بحرٌ ولا قافية، ولم تتدلَّ من حروفها عناقيد الاستعارات، لكنّها سمعت فيها عمرًا كاملًا يطرق باب المستحيل. رأت في الطعام البارد شمسًا غابت عن مائدتها، وفي اليد المرتجفة قنديلًا يرفض أن ينطفئ، وفي الصورة نافذةً يطلّ منها القلب على غائبٍ لا يعرف طريق العودة.
كان الحزن يجلس إلى جوار المرأة، واضعًا رأسه على كتفها كطفلٍ أضاع أمّه، فلم يجد غيرها ليبكي عندها.
اقتربت القصيدة وجلست عند قدميها.
للمرّة الأولى، لم تبحث عن شاعر.
وجدت إنسانًا لا يعرف كيف يصوغ استعارةً واحدة، لكنه يترك للغياب مقعدًا، وللذكرى طبقًا، وللراحلين مكانًا في دعائه كلّ ليلة.
عندها انكسر في داخلها شيءٌ يشبه الغرور، وانفتح شيءٌ يشبه البصيرة.
أدركت أنّ الشعر لا يسكن دائمًا القصور التي تشيّدها اللغة، وأنّ بعض المعاني تعيش في البيوت الصغيرة، خلف أبوابٍ لا يعرف المارّة أنّ وراءها سماءً كاملة.
عادت القصيدة إلى ورقتها البيضاء.
كان القمر قد لحق بها، فوقف عند حافّة النافذة، يلمّ أطراف ضوئه عن الأرض، فيما تركت الشمس على جبينها قبلةً من ذهب، وجمعت الريح حبات اللؤلؤ التي أهملها العابرون.
أمّا الليل، فظلّ ساهرًا، يمدّ إلى الورقة ظلالًا طويلةً كأذرع الحالمين.
جلست القصيدة وفكّت ضفائرها.
تساقطت منها الأشطار التي جمعتها في رحلتها؛ شطرٌ من أمٍّ تنتظر، وآخر من عاشقٍ لم يودّع، وثالث من فقيرٍ يقتسم رغيفه، ورابع من إنسانٍ أتقن الابتسام حتى صدّق العالم أنّه لا يتألّم.
رسمتها على الورقة، ثم راحت تنسج من وجع الناس ثوبًا لا يخفي الحقيقة، ومن صبرهم جناحين، ومن أحلامهم قناديل صغيرةً تقاوم اتّساع العتمة.
وحين انتهت، لم تكتب اسم شاعرٍ تحت القصيدة.
تركت مكان التوقيع فارغًا.
ثم كتبت في أسفل الصفحة:
«أبحث عمّن يشعر بي قبل أن يُعجب بي، ويفهم صمتي قبل أن يمدح كلامي، ويرى في انكساري نافذةً لا عيبًا، وفي ضعفي بابًا لا جدارًا».
ومنذ ذلك المساء، لم تعد القصيدة تجوب المجرّات بحثًا عن شاعرٍ يطوّقها بالنجوم، ولا تنتظر قمرًا يمسك طرف ثوبها، ولا شمسًا تذيب ذهبها فوق كتفيها.
أدركت أنّ كلّ تلك المجرّات لا تساوي قلبًا واحدًا يفتح أبوابه للمعنى.
لكنّها، كلّما مرّت بإنسانٍ يتألّم في صمت، توقّفت قليلًا، وأنصتت إلى ما لم يقله، ثم تركت على عتبة روحه شطرًا صغيرًا، لعلّه يتعرّف فيه على نفسه.



#انتصار_كامل_جفلان_الخشت (هاشتاغ)       Dr._Entsar_El-khash#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يصبح الأمان حقًّا لا مِنّة بقلم: انتصار الخشت
- اليوم العالمي للطفلة: نَسِيجُ الأَمَلِ بَيْنَ الشِّعَارَاتِ ...
- على هامش «أقولك إيه عن الشوق» بقلم: انتصار الخشت
- حين يُتْعِبُ ما لا يُرى بقلم: انتصار الخشت
- نربي إنسانًا أم نصنع متفوقًا؟ بقلم: انتصار الخشت
- أولاد اللعنة _بقلم :انتصار الخشت
- ليلةٌ مقمرة حين عبر الوطن من العتمة إلى الضوء بقلم: انتصار ا ...
- زيارة إلى وجوه السنين
- الدمج… حين يصبح الاختلاف طريقًا إلى الإنسان بقلم: انتصار الخ ...
- جرحٌ اسمه وطن بقلم: انتصار الخشت
- ما لا يراه العابرون بقلم: انتصار الخشت
- حين يصبح الإنسان هو القضية بقلم: انتصار الخشت
- طيف التوحد… حين نرى الإنسان قبل التشخيص قراءة في كتاب «طيف ا ...
- مرحبًا، حقيبة سفر :بقلم -انتصار الخشت
- في الجهة الأخرى من الحلم -بقلم: انتصار الخشت
- فرحين بما آتاهم :بقلم -انتصار الخشت
- النوم في الخريف :بقلم-انتصار الخشت
- هم يشعرون بك فاشعر بهم :بقلم -انتصار الخشت
- اسماء القمر
- قفل ومفتاح :بقلم انتصار الخشت


المزيد.....




- أبل تكشف ملامح iOS 27.2 بتعديلات جوهرية في الرسائل والمنزل و ...
- باراماونت تبدأ إنتاج فيلم «ريد رايزينغ» بإخراج فرانسيس لورنس ...
- فاز بكأس العالم 1998.. صدفة تقود أسطورة أرسنال إلى عالم السي ...
- تضارب الروايات بشأن توقيف متهم بمجازر في سوريا.. هل -اختُطف- ...
- فيلم -قتل آنا-.. كواليس تحقيق صحفي وراء إسقاط سفاح مجزرة الت ...
- تضميد جراح الحرب والذكريات.. أب وابنته يرممان سجادا عمره قرو ...
- فرقة -آي يولا- البشكيرية تدخل الجولة الأولى من التصويت لجوائ ...
- الذكاء الاصطناعي يعيد بانديراس شابا في فيلم عن غزو المكسيك
- بمشاركات قياسية.. -كتارا- تتوج الفائزين بجائزتها للرواية الع ...
- رواية -صفر فاصل خمسة-.. كيف يهرب الإنسان من واقعه إلى سجون ا ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - انتصار كامل جفلان الخشت - قصيدةٌ تبحث عن شاعر بقلم: انتصار الخشت