أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - انتصار كامل جفلان الخشت - حين يدنو الحنين بقلم: إنتصار الخشت














المزيد.....

حين يدنو الحنين بقلم: إنتصار الخشت


انتصار كامل جفلان الخشت
مستشارة تربوية دولية، باحثة ومؤلفة مستقلة متخصصة في التربية الخاصة والتطوير .

(Dr. Entsar El-khash)


الحوار المتمدن-العدد: 8865 - 2026 / 10 / 21 - 09:41
المحور: الادب والفن
    


ثمة اقترابٌ لا تُدركه المسافات، ولا تراه العيون؛ يحدث حين يمرّ صوتٌ قديم على الروح، فتنهض في أعماقها امرأةٌ ظنّت أنها أودعت قلبها خزائن النسيان، وأوصدت دونه الأبواب.
ربما كانت ليلةً عادية، لولا أن صوتًا من زمن الطرب أخذ يتسلّل إلى عزلتها، كعطرٍ أفلت من منديلٍ احتفظ بسرّ صاحبه أعوامًا.
وفجأةً، لم تعد الغرفة غرفتها، ولا الليل ليلها؛ صار للستائر همسُ الذكريات، وللصمت شفتان، وللقلب موعدٌ لم يحدّد أحدٌ ساعته.
يا لهذا الحنين!
كيف يعرف الطريق إلى الأبواب التي أقسمنا ألّا نفتحها؟ وكيف يوقظ فينا لهفةً دفنّاها تحت ركام الحكمة، وأحكمنا فوقها أقفال الكبرياء؟
كانت تظنّ أنها تجاوزت الحكاية، حتى باغتها لحنٌ قديم، فعرفت أن بعض الحكايات لا تنتهي، وإنما تتوارى خلف غيمة، كنجمةٍ خبّأت ضوءها لتراقبنا من وراء الغياب.
وفي لحظةٍ غامضة، تخيّلت أن الغائب يدنو منها؛ لا يحمل باقة ورد، ولا اعتذارًا، بل يحمل تلك الطمأنينة التي افتقدتها طويلًا، كأنما جاء ليلمّ شتات روحها من دروب الانتظار.
لم تمدّ يدها إليه، ولم تنادِه.
فبعض الشوق أكرم من أن يُقال، وبعض الحنان يظلّ واقفًا على عتبة القلب، لا يطلب الدخول، ولا يقوى على الرحيل.
وهكذا أدركت أن الإنسان لا يشتاق دائمًا إلى مَن أحبّ؛ أحيانًا يشتاق إلى نفسه حين كانت تحبّ، إلى تلك النسخة التي كانت تمنح الدفء دون حساب، وتصدّق الوعود كما تصدّق الأرض المطر.
أغمضت عينيها، وتركت اللحن يمضي بها حيث شاء، فإذا بالخيال يمدّ يده إليها، ويقودها إلى ما وراء حدود الليل، حيث لا تُقاس المسافات بخطوات العابرين، بل بما تحتمله الروح من دهشة.
أخذها إلى بحرٍ لا شاطئ له ولا قرار، فغاصت في لجّته، وانتشلت من أعماقه أعوامًا من اللحظات، وذكرياتٍ نامت في أصداف الزمن، حتى خُيِّل إليها أن العمر لم يكن إلا حلمًا أضاع طريقه إلى اليقظة.
هناك، حيث لا يبلغ الماء منتهاه، رأت الشمس تميل إلى البحر، وتغسل جدائلها الذهبية بمائه، كعروسٍ أرهقها السهر، جاءت تستعير من الموج مرآةً، ومن الغروب مشطًا من لهب. وعلى كتف الأفق، تدلّى قمرٌ ورديُّ الوجنتين، كأن الحياء أعار الفجر خدّيه، وكأن السماء خبّأت في محيّاه سرًّا لا يُقال.
ظلّت مسحورةً بين الأمواج، لا تدري أهي التي تعبر البحر، أم أن البحر هو الذي يعبرها. وأخذ الماء يغسل عن روحها غبار السنين، فيما بدأ الصمت الذي رافقها طويلًا يبوح بأسراره.
ثم مضى بها الخيال إلى باديةٍ لا تعرف للحدود اسمًا؛ صحراء تفرش رمالها كالسجاد تحت أقدام الليل، وكثبانٌ نائمةٌ كجمالٍ أضناها السفر، ونجومٌ تنثر فضّتها على جبين الفلاة، كأن السماء نثرت عقدها، ثم نسيت أن تجمع حبّاته.
وفي البعيد، همست الريح في أذن الرمل، وتوارت ألحان العصافير بين شوك البراري، فلم تسمع إلا وشوشة الغيب، ولم ترَ إلا خيالًا يركض وراء خيال، حتى خُيِّل إليها أن للصحراء قلبًا يخفق، وللنجوم أسرارًا لا يجرؤ الفجر على كشفها.
وفجأةً، نهض المرسى من غفوة الأفق، ولاحت الفُلْكُ في انتظارها، كأنها خيولٌ مجنّحة أُعِدَّت لرحلةٍ لم يكتبها البحّارة. صعدت إليها، لا لتقطع بحرًا، بل لتجوب سماءً لا تعرف أين تنتهي زرقتها، ولا أين تبدأ أحلامها.
ولبست السماء ثوب عرسها؛ تدلّت الغيوم على كتفيها كطرحةٍ من حرير، وزفّتها النجوم إلى المجهول، بينما ابتسم القمر في خفرٍ، وصفّقت أجنحة العصافير لعرسٍ لا موسيقى فيه سوى نبض القلب، ولا شهود عليه سوى الليل.
مضت بفُلْكها بين مجرّاتٍ تتفتّح كأزهار اللوز، وعبرت أنهارًا من ضوءٍ لا تجفّ، حتى بدت الأرض وراءها صغيرةً، كحكايةٍ نامت في كفّ طفل.
وعند آخر حدود المستحيل، اكتشفت أن الخيال لم يكن يأخذها بعيدًا عن العالم، بل يعيدها إلى ذلك الجزء من روحها الذي لم تفسده الحقائق، ولم تطفئه الخيبات، ولم تعلّمه الأيام كيف يشيخ.
هناك، حيث يلتقي البحر بالصحراء، ويصافح الموج الرمل، وتنام الشمس في حضن الليل، أدركت أن بعض الرحلات لا تحتاج إلى أقدام، وأن بعض العوالم لا تُفتح أبوابها إلا لمن احتفظ في قلبه بطفلٍ يعرف كيف يصدّق المستحيل.
ثم عادت إلى غرفتها، واللحن لا يزال ينساب في العتمة، كأن شيئًا لم يحدث؛ غير أن قلبها صار أوسع من وحدتها، وأقدر على الإصغاء إلى ما لم تقله الحياة.
فليس كل اقترابٍ لقاءً، وليس كل غيابٍ فراقًا؛ ثمة أرواحٌ تظلّ متجاورةً، حتى حين تفصل بينها أعمارٌ كاملة.
وربما كان أحنّ ما في الحكاية أن القلب، على الرغم مما تعلّمه من الفقد، لا يزال قادرًا على فتح نافذته للحنين.
كأنما خُلق الحنان ليبقى، حتى حين لا يبقى أحد.
فسلامٌ على الخيال، وسلامٌ على الحنين؛ كلما أطبق المساءُ أبوابه، دعاهما إلى مملكته، ليفتحا في جدار الروح نافذةً على المستحيل.



#انتصار_كامل_جفلان_الخشت (هاشتاغ)       Dr._Entsar_El-khash#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المرأة… حين تكون الحكاية أكبر من العالم بقلم: انتصار الخشت
- وُلِدتُ هناك، وُلِدتُ هنا… حين تتوزع الروح بين مكانين قراءة ...
- صوت الليل بقلم: انتصار الخشت
- رأيت رام الله.. الذاكرة والمنفى واستحالة العودة الكاملة.
- قصيدةٌ تبحث عن شاعر بقلم: انتصار الخشت
- حين يصبح الأمان حقًّا لا مِنّة بقلم: انتصار الخشت
- اليوم العالمي للطفلة: نَسِيجُ الأَمَلِ بَيْنَ الشِّعَارَاتِ ...
- على هامش «أقولك إيه عن الشوق» بقلم: انتصار الخشت
- حين يُتْعِبُ ما لا يُرى بقلم: انتصار الخشت
- نربي إنسانًا أم نصنع متفوقًا؟ بقلم: انتصار الخشت
- أولاد اللعنة _بقلم :انتصار الخشت
- ليلةٌ مقمرة حين عبر الوطن من العتمة إلى الضوء بقلم: انتصار ا ...
- زيارة إلى وجوه السنين
- الدمج… حين يصبح الاختلاف طريقًا إلى الإنسان بقلم: انتصار الخ ...
- جرحٌ اسمه وطن بقلم: انتصار الخشت
- ما لا يراه العابرون بقلم: انتصار الخشت
- حين يصبح الإنسان هو القضية بقلم: انتصار الخشت
- طيف التوحد… حين نرى الإنسان قبل التشخيص قراءة في كتاب «طيف ا ...
- مرحبًا، حقيبة سفر :بقلم -انتصار الخشت
- في الجهة الأخرى من الحلم -بقلم: انتصار الخشت


المزيد.....




- برنامج ثقافي يمتد ثلاثة أعوام للاحتفاء ببوشكين ومتحفه في روس ...
- نجوم «10 أشياء أكرهها فيك» يجتمعون لتكريم هيث ليديجر على الم ...
- الأوبرا المصرية تفتتح مهرجان الموسيقى العربية بليلة وفاء للف ...
- -العم تيتو-.. فنان فلسطيني يداوي جراح أطفال غزة بعروض السيرك ...
- مهرجان الموسيقى العربية الـ34 يفتتح فعالياته بليلة هاني شاكر ...
- فنان هندي يسجل رقماً قياسياً بأكبر لوحة فنية مصنوعة من التوا ...
- دراسة: شكسبير شارك مارلو في كتابة مسرحية «إدوارد الثالث»
- جلسة عن الإنتاج العربي .. وفيلم هندي ينال رضا النقاد
- من -باب الشمس- إلى -مرسيدس-.. يسري نصر الله يكشف كواليس رسم ...
- وفاة الفنانة الكويتية المعتزلة رجاء محمد


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - انتصار كامل جفلان الخشت - حين يدنو الحنين بقلم: إنتصار الخشت