أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - انتصار كامل جفلان الخشت - ولي بين الحشا وطن بقلم: انتصار الخشت














المزيد.....

ولي بين الحشا وطن بقلم: انتصار الخشت


انتصار كامل جفلان الخشت
مستشارة تربوية دولية، باحثة ومؤلفة مستقلة متخصصة في التربية الخاصة والتطوير .

(Dr. Entsar El-khash)


الحوار المتمدن-العدد: 8868 - 2026 / 10 / 24 - 09:21
المحور: الادب والفن
    


في أعماقنا وطنٌ صغيرٌ ينام في الجهة اليسرى من صدورنا، لا تعرفه الخرائط، ولا تعثر عليه الطائرات، ولا تستطيع الجوازات أن تمنح العابرين إليه تأشيرة دخول. وطنٌ من لحم الحنين، سقوفه من الذكريات، وشوارعه مرصوفةٌ بخطوات الذين أحببناهم، ثم تركناهم للزمن، فمضوا وبقيت آثارهم تتعثر بها أرواحنا كلما حاولنا السير بعيدًا.
ولي بين الحشا وطنٌ، كلما أغلقت الدنيا نوافذها، أضاء مصابيحه في داخلي، وفتح أبوابه للريح التي تحمل رائحة الأمس. أدخله متعبةً من ضجيج العالم، فأخلع عن كتفيّ غبار الطريق، وأجلس إلى جوار أشياء ظننت أنني نسيتها؛ ضحكةٌ أفلتت من فمٍ غائب، ويدٌ كانت تربّت على خوفي، وصوتٌ قديمٌ ما زال يعرف كيف يناديني باسمي، كأن السنوات لم تمرّ، وكأن العمر لم يسرق منّا سوى قدرتنا على العودة.
في ذلك الوطن، لا تسقط أوراق الأشجار؛ كلما هزّتها الريح، أنبتت ذكرى. ولا تشيخ الوجوه؛ فالأمهات يبقين هناك في ربيعهن الأول، والآباء يستندون إلى أبواب البيوت بطمأنينة الملوك، والأطفال الذين كبروا في الخارج يركضون حفاةً في ممرات الحكايات، لا يعرفون أن الزمن سرق من أقدامهم خفة الركض، ومن أعينهم دهشة البدايات.
هناك، لا يملك الغياب سلطته كاملة، ولا يستطيع الموت أن يغلق آخر النوافذ. أمدّ يدي إلى مقعدٍ فارغ، فيجلس عليه الحنين، وأفتح حديثًا مع الذين رحلوا. لا أسمع إجاباتهم، لكن الصمت يكتسي ملامحهم، وتتحول العتمة إلى وجهٍ مألوف، ويصبح الليل رسولًا يتقن حمل الرسائل التي لم نكتبها؛ لأننا كنا نظن أن العمر طويل، وأن الذين نحبهم سيبقون إلى جوارنا حتى نشبع من وجودهم.
ما أغرب القلب! يخبئ في تجاويفه ما تعجز البيوت عن الاحتفاظ به، ويصون من الأصوات نبرتها الأخيرة، ومن الوجوه التفاتتها العابرة، ومن اللقاءات تفاصيل لم ننتبه إليها حين كانت تحدث. ثم، حين يفرغ المكان من أصحابه، يخرج لنا كنوزه دفعةً واحدة، كأنه كان يدّخرها ليومٍ لا نجد فيه سوى الذاكرة رفيقًا.
وأحيانًا، أظن أن قلبي حارسٌ عجوزٌ يقف عند بوابة العمر، يرفض أن يسلّم مفاتيحه للسنين. كلما جاءه الزمن بوجهٍ جديد، سأله عن الوجوه القديمة، وكلما حاول النسيان أن يسدل ستائره على النوافذ، مزّقها الحنين وأدخل الشمس من ثقبٍ صغير. يتخاصمان طويلًا؛ هذا يريدني أن أمضي، وذاك يشدّني من طرف ثوبي إلى الوراء، حتى صرت أمشي بقدمٍ في الغد، وأخرى في الأمس، وأحمل بين ضلوعي أرضًا لا تعرف أين تنتهي حدودها.
ولعلّ أكثر ما يوجعنا في الحنين أننا لا نشتاق إلى الأمكنة كما كانت فحسب، بل إلى أنفسنا حين كانت تسكنها. نشتاق إلى قلوبٍ لم تتعلم الحذر، وإلى أحلامٍ كانت تنام مطمئنةً تحت وسائدنا، وإلى أيامٍ حسبناها عادية، فإذا بها، بعد أن غادرتنا، تتوّج نفسها ملكةً على مملكة العمر كله.
كم من شارعٍ ضيقٍ يتسع في الذاكرة حتى يصبح كونًا، وكم من نافذةٍ صغيرةٍ تطلّ على بيتٍ قديم تتحول في الغياب إلى شرفةٍ تطلّ على الجنة! وكم من كلمةٍ قيلت على عجل، ثم عادت بعد سنواتٍ تحمل في جوفها ما يكفي لإيقاظ مدينةٍ كاملةٍ من المشاعر!
لكن وطني الذي في الحشا ليس حديقةً لا تعرف الذبول؛ فيه أيضًا مقاعد للخذلان، وغرفٌ مغلقةٌ نترك خلف أبوابها أوجاعًا لم نملك شجاعة تسميتها، ومرايا نتجنب النظر إليها لأنها تحفظ وجوهنا حين انكسرنا. ففي القلب أحياءٌ لا تمرّ بها الشمس، وطرقاتٌ كلما سلكناها عادت إلينا الخطوات مثقلةً بما حاولنا نسيانه.
ومع ذلك، لا أطرد العتمة من وطني؛ فقد تعلمت أن الروح لا تُشفى باقتلاع فصولها، وأن الجرح، مهما طال مقامه، قد يصبح نافذةً نرى منها الأشياء على حقيقتها. حتى الخيبات تركت لي شيئًا من الحكمة، وحتى الراحلون تركوا في يدي ما يشبه المصباح؛ علّموني أن الحب لا يُقاس بطول الإقامة، وأن بعض الذين يغادرون حياتنا يتركون فيها من الأثر ما لا تقدر عليه أعمارٌ كاملة.
وحين يشتدّ بي الحنين، أُصغي إلى قلبي، فأسمعه يفتح نوافذه واحدةً بعد أخرى. تدخل الوجوه في موكبٍ من الضوء، وتجلس الذكريات حول مائدةٍ لا تنفد أرغفتها، ويقف الزمن عند الباب حائرًا، لا يعرف كيف يستردّ الأعمار التي أودعناها هذا المكان.
أمدّ يدي إلى فنجانٍ لا يبرد، وأترك للروح أن تتجول في شوارعها السرية. هناك، أكون أنا دون أقنعة، ولا أضطر إلى شرح دمعةٍ باغتتني، أو تبرير صمتٍ طال أكثر مما ينبغي. لا يسألني أحدٌ لماذا أحنّ إلى ما مضى، ولا لماذا أحمل في عينيّ بحرًا كلما ظننت أنه هدأ، عادت أمواجه لتطرق شواطئ الذاكرة.
هناك أيضًا، لا أحتاج إلى أن أكون قويةً طوال الوقت، ولا إلى أن أخفي ارتجاف روحي خلف ابتسامةٍ مهذبة. أخلع عند عتبته تعب السنين، وأترك قلبي يتكلم بلغته الأولى، قبل أن تعلّمه الحياة كيف يصمت، وقبل أن تقنعه الخيبات بأن النجاة في ألّا يشعر.
ثم، حين يوشك الفجر أن يزيح ستائر الليل، أعود إلى العالم، أرتّب وجهي أمام المرآة، وأحمل أيامي كأن شيئًا لم يحدث. غير أن في روحي سرًّا لا يعرفه العابرون؛ فقد عدتُ من رحلةٍ لا تقيسها المسافات، ومن لقاءٍ لم تلتقطه العيون، ومن وطنٍ لا يستطيع أحدٌ أن ينتزعه مني.
أمضي في الطريق، وفي صدري دفءٌ غامض، كأن يدًا حانيةً مرّت على قلبي، وكأن الذين أحببتهم تركوا على عتبته زهورًا لا تذبل. يظلّ شيءٌ مني هناك، يجلس عند نافذةٍ قديمة، يراقب الغروب، ويصغي إلى خطى الغائبين، ويؤمن بأن للمحبة أبوابًا لا يغلقها الرحيل.
ولي بين الحشا وطنٌ؛ إذا ضاقت بي الأرض، اتّسعت له السماء، وإذا نام العالم في غفلة النسيان، ظلّ يقظًا يحرس ما تبقّى من أحلامي.
وطنٌ لا أودّعه حين أرحل، ولا أستقبله حين أعود؛ لأنني، ببساطة، لم أغادره يومًا.
إنما كنتُ أبتعد قليلًا، لأعرف كم يسكنني.



#انتصار_كامل_جفلان_الخشت (هاشتاغ)       Dr._Entsar_El-khash#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المرأة… حين تصير الحياة أكثر اتساعًا بقلم: انتصار الخشت
- حين يدنو الحنين بقلم: إنتصار الخشت
- المرأة… حين تكون الحكاية أكبر من العالم بقلم: انتصار الخشت
- وُلِدتُ هناك، وُلِدتُ هنا… حين تتوزع الروح بين مكانين قراءة ...
- صوت الليل بقلم: انتصار الخشت
- رأيت رام الله.. الذاكرة والمنفى واستحالة العودة الكاملة.
- قصيدةٌ تبحث عن شاعر بقلم: انتصار الخشت
- حين يصبح الأمان حقًّا لا مِنّة بقلم: انتصار الخشت
- اليوم العالمي للطفلة: نَسِيجُ الأَمَلِ بَيْنَ الشِّعَارَاتِ ...
- على هامش «أقولك إيه عن الشوق» بقلم: انتصار الخشت
- حين يُتْعِبُ ما لا يُرى بقلم: انتصار الخشت
- نربي إنسانًا أم نصنع متفوقًا؟ بقلم: انتصار الخشت
- أولاد اللعنة _بقلم :انتصار الخشت
- ليلةٌ مقمرة حين عبر الوطن من العتمة إلى الضوء بقلم: انتصار ا ...
- زيارة إلى وجوه السنين
- الدمج… حين يصبح الاختلاف طريقًا إلى الإنسان بقلم: انتصار الخ ...
- جرحٌ اسمه وطن بقلم: انتصار الخشت
- ما لا يراه العابرون بقلم: انتصار الخشت
- حين يصبح الإنسان هو القضية بقلم: انتصار الخشت
- طيف التوحد… حين نرى الإنسان قبل التشخيص قراءة في كتاب «طيف ا ...


المزيد.....




- ” الرى”:  افتتاح أعمال الاجتماع الرابع والعشرين للجنة الفنية ...
- شهد معارك فتحها عام 1453.. باب في إسطنبول يروي أسرار حصار ال ...
- المخضرم فولكانوفسكي يحتفظ بلقب بطل العالم للفنون القتالية (ف ...
- بعد 200 عام.. متحف اسكتلندي يحجب مومياء مصرية عن الجمهور 
- -خروج أمن- افضل فيلم روائي، و-الطبيب الأمريكي- بجائزة سينما ...
- فيلم -ماستر بلان-.. حين تصبح سرقة الموناليزا أسهل من بناء عا ...
- موسكو تستضيف ملتقى سينمائيا دوليا بمشاركة شباب من 8 دول
- فيلم -أرض الخرسانة- الوثائقي الأردني يفوز بجائزة مهرجان لندن ...
- الوطن الذي نحمله معنا.. الهجرة والمنفى في أفلام الأنيميشن
- بشار المصري يبحث مع اتحاد الكتاب والأدباء تعزيز الهوية الثقا ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - انتصار كامل جفلان الخشت - ولي بين الحشا وطن بقلم: انتصار الخشت