أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - انتصار كامل جفلان الخشت - المرأة التي لا يراها أحد














المزيد.....

المرأة التي لا يراها أحد


انتصار كامل جفلان الخشت
مستشارة تربوية دولية، باحثة ومؤلفة مستقلة متخصصة في التربية الخاصة والتطوير .

(Dr. Entsar El-khash)


الحوار المتمدن-العدد: 8869 - 2026 / 10 / 25 - 01:05
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
    


في حياة كل امرأةٍ حكايةٌ لا يعرفها أحد؛ فصلٌ مطويٌّ بين ضلوعها، ورسائل لم تجرؤ على كتابتها، وأحلامٌ خبّأتها في أدراج الروح خشية أن تمتد إليها يدٌ فتسخر منها أو تنتزعها. قد تراها عابرةً في الطريق، تبتسم، وتلقي السلام، وتؤدي ما عليها من واجبات، لكنك لا تعرف كم مرةً أعادت ترتيب قلبها بعد أن بعثرته الحياة، وكم مرةً جمعت شتات نفسها كي لا يشعر أحدٌ بأن شيئًا قد انكسر.
المرأة ليست وجهًا تراه العين، ولا صوتًا تألفه الأذن، ولا دورًا اجتماعيًّا تؤديه ثم تعود منه إلى بيتها؛ إنها عوالم متراكبة، كمدينةٍ قديمةٍ تتجاور فيها القصور المهجورة والنوافذ المضاءة، وتحتفظ كلُّ نافذةٍ بسرٍّ لا يعرفه المارّة. وفي أعماقها بحرٌ قد يبدو ساكنًا، بينما تتنازع قاعه عواصف لا تصل أمواجها إلى الشاطئ.
كم من امرأةٍ أجادَت إنقاذ الآخرين، ولم تجد يدًا تنتشلها من تعبها! وكم منهن أصبحن ملاذًا لمن ضاقت بهم الأرض، ثم وقفن أمام أحزانهن بلا بابٍ يُطرَق، ولا كتفٍ يُستند إليه! كأنما أُوكل إليهن أن يكنَّ ضوءًا للجميع، دون أن يسأل أحدٌ إن كانت مصابيحهن لا تزال تحتمل الزيت الأخير.
ولعل أكثر ما يُرهق المرأة ليس الألم ذاته، بل اضطرارها إلى إخفائه: أن تتوجع وتبتسم، وأن تخسر وتواسي، وأن تُخذل ثم تبحث للآخرين عن أعذارٍ تُبقي صورتهم جميلةً في عينيها. وقد تبلغ بها الحكمة مبلغًا يجعلها تصمت حيث ينبغي أن تصرخ، وتتجاوز حيث ينبغي أن تتوقف، وتغفر حتى تكاد تنسى أن للغفران حدودًا، وأن القلب الذي يسامح ليس مطالبًا بأن يظل مفتوحًا لكل عابر.
غير أن للروح لحظةً تسترد فيها مفاتيحها؛ لحظةً تنظر فيها المرأة إلى عمرها، فتدرك أنها أنفقت أعوامًا طويلةً في ترميم ما يهدمه الآخرون، وأنها نسيت، وسط انشغالها بإنقاذ البيوت، أن تتفقد البيت الذي يسكنها. عندها لا تصبح قاسيةً، بل أكثر معرفةً بقيمة قلبها؛ لا تتخلى عن العطاء، لكنها تكفُّ عن تقديم نفسها قربانًا لكل من لم يتعلم كيف يصون النعمة.
إن نضج المرأة لا يُقاس بقدرتها على الاحتمال إلى ما لا نهاية، بل بقدرتها على التمييز بين ما يستحق الصبر وما يستنزف العمر، وبين محبةٍ تُزهر بها الروح وتعلُّقٍ تذبل فيه الكرامة، وبين تضحيةٍ تنبع من الاختيار وتنازلٍ يُنتزع منها باسم الواجب.
وليس كلُّ صمتٍ رضا، ولا كلُّ ابتعادٍ كبرياء، ولا كلُّ ابتسامةٍ دليل عافية. فبعض النساء يغادرن الأماكن قبل أن تغادرها أجسادهن، ويطفئن في داخلهن مصابيح كثيرةً قبل أن يلاحظ أحدٌ أن النور قد تغيّر. وحين يقررن الرحيل، قد لا يرفعن أصواتهن، ولا يتركن وراءهن ضجيجًا؛ إنما يكتفين باسترداد ما تبقّى من أنفسهن، ويمضين كأنهن لم يكنَّ يومًا أكثر الناس حرصًا على البقاء.
ومع ذلك، ليست المرأة مشروع حزنٍ دائم، ولا كائنًا خُلق ليحمل الأعباء في صمت؛ ففيها من الدهشة ما يكفي لتبدأ من جديد، ومن الخيال ما يجعلها ترى في الجدار بابًا، وفي الرماد احتمالًا لولادةٍ أخرى. تستطيع أن تتعلم بعد فوات الأوان، وأن تحلم بعد الخيبة، وأن تفتح نافذتها للشمس ولو طال مقام الليل.
إنها لا تحتاج دائمًا إلى من ينقذها؛ فأحيانًا تحتاج إلى من يراها كما هي، لا كما اعتادها، ويُصغي إلى كلماتها دون أن يصادر معناها، ويحترم ضعفها دون أن يستغله، ويقدّر قوتها دون أن يجعلها ذريعةً لإلقاء المزيد من الأعباء على كتفيها.
فالمرأة التي لا يراها أحد قد تكون هي التي تحفظ للجميع وجوههم من الانكسار، وتمنح أيامهم معنى، وتزرع في عتمتهم ما يكفي من الضوء كي يعبروا. لكن من حقها، هي الأخرى، أن تجد من يضيء لها الطريق.
فليس أعظم ما في المرأة أنها تستطيع أن تتحمل العالم فوق كتفيها، بل أنها، رغم كل ما حملت، لا تزال قادرةً على أن تحلم بعالمٍ لا يُطلب منها فيه أن تنكسر كي يطمئن الآخرون إلى قوتها.



#انتصار_كامل_جفلان_الخشت (هاشتاغ)       Dr._Entsar_El-khash#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ولي بين الحشا وطن بقلم: انتصار الخشت
- المرأة… حين تصير الحياة أكثر اتساعًا بقلم: انتصار الخشت
- حين يدنو الحنين بقلم: إنتصار الخشت
- المرأة… حين تكون الحكاية أكبر من العالم بقلم: انتصار الخشت
- وُلِدتُ هناك، وُلِدتُ هنا… حين تتوزع الروح بين مكانين قراءة ...
- صوت الليل بقلم: انتصار الخشت
- رأيت رام الله.. الذاكرة والمنفى واستحالة العودة الكاملة.
- قصيدةٌ تبحث عن شاعر بقلم: انتصار الخشت
- حين يصبح الأمان حقًّا لا مِنّة بقلم: انتصار الخشت
- اليوم العالمي للطفلة: نَسِيجُ الأَمَلِ بَيْنَ الشِّعَارَاتِ ...
- على هامش «أقولك إيه عن الشوق» بقلم: انتصار الخشت
- حين يُتْعِبُ ما لا يُرى بقلم: انتصار الخشت
- نربي إنسانًا أم نصنع متفوقًا؟ بقلم: انتصار الخشت
- أولاد اللعنة _بقلم :انتصار الخشت
- ليلةٌ مقمرة حين عبر الوطن من العتمة إلى الضوء بقلم: انتصار ا ...
- زيارة إلى وجوه السنين
- الدمج… حين يصبح الاختلاف طريقًا إلى الإنسان بقلم: انتصار الخ ...
- جرحٌ اسمه وطن بقلم: انتصار الخشت
- ما لا يراه العابرون بقلم: انتصار الخشت
- حين يصبح الإنسان هو القضية بقلم: انتصار الخشت


المزيد.....




- بـ-حذاء حواء-.. هنري يحدث ثورة في كرة القدم النسائية
- عودة ناشطات إيطاليات إلى بلادهن بعد احتجازهن من قبل قوات الا ...
- المرأة اليمنية في مرمى سجالات الأطراف المتحاربة
- الولايات المتحدة.. إدانة رجل باغتصاب وقتل طالبة جامعية بعد 1 ...
- الجيش: سقوط صاروخ حوثي على منزل في نهم ومقتل جميع أفراد الأس ...
- إيطاليا تطالب بالإفراج الفوري عن 5 ناشطات محتجزات في الضفة ا ...
- إيطاليا تطالب سلطات الاحتلال بالإفراج الفوري عن 5 ناشطات محت ...
- صانع المحتوى المعروف بلقب -كلافيكولار- يدفع ببراءته من تهمة ...
- -الفياغرا- تظهر فعالية في تخفيف أعراض حالة صحية شائعة لدى ال ...
- ولي عهد ليختنشتاين يستخدم حق النقض ضد قانون إلغاء تجريم الإج ...


المزيد.....

- بمناسبة 8مارس اليوم العالمى للمرأة ننشر:مقتطف من كتاب (النسا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- تصاعد حضور المرأة في مراكز صنع القرار، تجربة الدنمارك أنموذج ... / بيان صالح
- الحقو ق و المساواة و تمكين النساء و الفتيات في العرا ق / نادية محمود
- المرأة والفلسفة.. هل منعت المجتمعات الذكورية عبر تاريخها الن ... / رسلان جادالله عامر
- كتاب تطور المرأة السودانية وخصوصيتها / تاج السر عثمان
- كراهية النساء من الجذور إلى المواجهة: استكشاف شامل للسياقات، ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الطابع الطبقي لمسألة المرأة وتطورها. مسؤولية الاحزاب الشيوعي ... / الحزب الشيوعي اليوناني
- الحركة النسوية الإسلامية: المناهج والتحديات / ريتا فرج
- واقع المرأة في إفريقيا جنوب الصحراء / ابراهيم محمد جبريل
- الساحرات، القابلات والممرضات: تاريخ المعالِجات / بربارة أيرينريش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - انتصار كامل جفلان الخشت - المرأة التي لا يراها أحد