أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جعفر حيدر - هيَّ














المزيد.....

هيَّ


جعفر حيدر
كاتب في الشأنين الإجتماعي والسياسي، وكاتب قصصي وأدبي.

(Jafar Haidar)


الحوار المتمدن-العدد: 8870 - 2026 / 10 / 26 - 09:09
المحور: الادب والفن
    


هي أول زهرةٍ يفيض منها العشق بقواعد روحانية، وهي التي أُعجبت بعينيها اللتين لا مهرب منهما، حتى لو أفناني الإله بقدرته الخارقة وأحالني إلى الزوال. وهي التي تفرش بساط الغزل على سطح منزلها بعد الظهيرة، لتشرب الشاي وتتأمل الغيم المتوهج، الذي لطالما عجزت عن التفريق بينه وبين وجنتيها اللامعتين، وسط انهيار عقلي كلما ألقيت النظر عليها. لم أستطع التفريق بين جمالها وبساتين الورد الأحمر والأسود والأبيض، المرسومة كأنها لوحة فنية يتوسطها العشب الأخضر الذي خلقه الله ليرينا عظمة خلقه وقدرته. ولم يكن ذلك الغزل كافيًا لوصفها؛ فهي أروع من ذلك بكثير، وقد أدركت هذا منذ أن رأيتها. كانت ترتدي فستانًا أبيض قصيرًا تتوّجه الزهور الصفراء، لم أرَ مثله حتى في أحلامي. وكانت تجلس تحت شجرة الصفصاف العملاقة على كرسيها، تقرأ كتابها المطلي بالحب، «قواعد العشق الأربعون». كنت أراقبها من شرفة النافذة الخارجية، وأتوق إلى معرفة الصفحة التي وصلت إليها، وما إذا كانت قد بلغت موضعًا يتحدث عن الغزل والحب. ظللت أتأمل ذلك المشهد طويلًا، حتى استنزفت الكثير من طاقتي في التأمل، بينما كانت هي تواصل القراءة. وبعد مدة، أغلقت الكتاب برفق، ثم مدت يدها نحو حمّالة صدرها. كان ظني أنها ستُخرج تلك العجينة البيضاء، لكنها أخرجت علبة سجائر سوداء كالفحم، وانتشلت منها سيجارة وضعتها بين شفتيها الحمراوين، اللتين كنت أظنهما مطليتين بدم العشاق، ذلك الدم الذي لا يتلاشى لونه ولا يضيع أثره. أشعلت السيجارة برفق، وأخذت تتأمل جمال الطبيعة الخضراء، بينما أخذت أنا أتأمل جمال خديها المتوهجين. وبعد قليل، لمحت في عينيها أنها أدركت وجود عشيق يراقبها بصمت، كأبله سكير، فبادلتني النظرات، وأخرجتني من الغيبوبة التي استولت على عقلي وفؤادي. لم تكن على دراية بمشاعري تجاهها، لكنها كانت تعلم أنني من أكثر شباب القرية تواضعًا. ولم تكن تعلم أنها استطاعت أن تخترق فؤادي الناصع بالحب والسلام من دون أن تقصد، حتى أصبحت صورتها تسكن عينيّ، فأراها أينما ذهبت، وكأنها استقرت في ذاكرتي إلى الأبد. لم تكن لديّ ولا لديها خطط للحب أو للعلاقة، لكن التسلل كان أفضل خطة للطرفين. فقد تسللت إلى قلبي بهدوء، كما يتسلل الضوء من شق نافذة في فجر خجول. وحين ابتسمت لي، شعرت أن النهاية قد حانت، لكنها لم تكن نهاية حياتي، بل نهاية ذلك التأمل الصامت الذي طالما احتميت خلفه. شعرت أن قلبي لم يعد ملكي، وكأنها أخذته معها دون أن تمد يدها إليه. كان في عينيها شيء غامض يجعل القلب يميل نحوها كما تميل الأغصان نحو الريح. اقتحمت قلبي بلا استئذان، كما تفعل الأغاني القديمة حين تعود فجأة إلى الذاكرة، فتوقظ مشاعر ظن صاحبها أنها ماتت منذ زمن. وأخذت من قلبي قطعة بمجرد النظر، دون أن تنطق بكلمة واحدة. لم أكن أنظر إليها بتلك النظرة الجنسية التي تسقط الحب فورًا عندما يتلامسون، بل كان بيننا شيء آخر؛ كنا نتضاجع في عقولنا كتضاجع النساء مع ذكورهن بعد العودة من الحرب. حدثت الصدفة بعدما تبادلنا النظرات طويلًا، حتى نزلت إليها في الفناء الأمامي، ومشيت نحوها بخطوات هادئة، رغم التوتر الذي كان يتصاعد في داخلي. اقتربت منها كثيرًا، ووضعت يدي على كتفها، فأمالت رأسها قليلًا، وانسدل شعرها على كتفها كليل قصير. انحنيت نحوها وهمست في أذنها الصغيرة، قائلًا: «هل لجمالك مبرر يا إلهي؟ وهل لنظراتك ذلك الجذب الخفي الذي يشدني نحوك؟ أأنتِ ملاك أم بشر؟ هل أنتِ نبي أرسله الله ليدخل قلوب الشباب دون استئذان؟ أيمكنكِ أن تكوني لي، ولو ليوم واحد، لأتأمل تلك الصورة الربانية التي أراها فيكِ؟ كم أتعبتِ الله في خلقكِ!». سكتُّ قليلًا، وكأنني أدركت أن الكلمات، مهما بلغت فصاحتها، لا تستطيع أن تحمل كل ما يضطرب في القلب. أما هي، فظلت تنظر إليّ بعينيها اللامعتين، وعلى شفتيها ابتسامة صغيرة لم أعرف إن كانت جوابًا أم بداية سؤال جديد. في تلك اللحظة، أدركت أن العشق لا يحتاج دائمًا إلى اعتراف طويل أو وعود تُكتب على الورق؛ فقد تبدأ حكاية كاملة بنظرة، وتكبر بابتسامة، ثم تستقر في القلب كأنها كانت تسكنه منذ الأزل. لم أكن أعلم إن كانت ستبادلني الشعور نفسه، أم أن القدر سيتركني وحيدًا مع صورتها التي رسمتها في خيالي، لكنني كنت متيقنًا من أمر واحد: منذ أن رأيتها، لم تعد الأشياء كما كانت. صار للغيم وجه، وللورد صوت، وللصمت معنى، وأصبحت شجرة الصفصاف شاهدة على سر صغير لم يعرفه أحد سوانا. وهكذا، لم تعد تلك الفتاة زهرة أراها من بعيد، بل أصبحت فصلًا جديدًا في كتاب حياتي، فصلًا لم أعرف عنوانه بعد، ولم أجرؤ على تقليب صفحاته قبل الأوان. وربما كان أجمل ما في العشق أنه لا يمنحنا دائمًا ما نريد، لكنه يمنح أرواحنا سببًا جديدًا للشعور بالحياة.



#جعفر_حيدر_علي_الفتلاوي (هاشتاغ)       Jafar_Haidar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بغداد
- الرأي العام: تمركز الجماعات الإرهابية في حزام بغداد
- دللول
- آخر بقايا العالم
- آخر معارك الأوباش
- سياسي أمني: ضربات داعش للقوات العراقية يفتح ملف عودة النفوذ ...
- سَتُحذف فلسطين دبلوماسياً _سياسياً
- معركة الأطفال
- في حضرة المجهول: رحلتي إلى الله
- تحقيق صحفي: خيوط متشابكة... قراءة في قضايا بان وسارة وريهام
- الاقتتال الداخلي بين أفراد المجتمع العراقي بسبب العولمة السي ...
- حين تتفتح الورود من دماء الشهداء
- الحملة السياسية الأمنية للزيدي: قيادة ذاتية أم تخطيط ومسرحية ...
- تشييع خامنئي في العراق: بين الموقف السياسي والتفسير الخاطئ
- عاشوراء.. حين تتكلم المدينة
- عاشوراء في مدينة التراب
- حين تتكاتف الأيادي: طريق الشعوب نحو السلام والتنمية
- رقية التي ترى الحياة في الأشياء الصغيرة
- الدوغمائية: حين يتحول الإنسان إلى سجين لفكرة
- أسباب الكراهية بين السنة والشيعة: دراسة تاريخية وفكرية


المزيد.....




- عاصم الشاعر.. فنان فلسطيني يستنطق حجارة البيوت القديمة في نا ...
- هكذا يحيي عاصم الشاعر بيوت فلسطين القديمة
- دعوى بـ41 مليون دولار ضد -أنثروبيك- بسبب أغاني إلفيس بريسلي ...
- مسرح مالي في موسكو.. قرنان من تاريخ الدراما الروسية
- -فرحة العمر-.. سميرة سعيد تزفّ ابنها الوحيد شادي على الطريقة ...
- تركي آل الشيخ يرد على بيان لفناني مصر: كلام غير مستغرب!
- -أمالي فراتية-.. نبش في ذاكرة الهامش وتوثيق لمعاناة السوريين ...
- بعد جدل الاعتذار.. علي الحجار يعود إلى مهرجان الموسيقى العرب ...
- في الحاجة إلى صوت جيل جيلالة
- شخصية الميرزا في رواية -سلسلة النار-.. من بلاط الصفويين إلى ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جعفر حيدر - هيَّ