أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جعفر حيدر - بغداد














المزيد.....

بغداد


جعفر حيدر
كاتب في الشأنين الإجتماعي والسياسي، وكاتب قصصي وأدبي.

(Jafar Haidar)


الحوار المتمدن-العدد: 8867 - 2026 / 10 / 23 - 08:58
المحور: الادب والفن
    


أحببتُ بغداد كثيرًا، لكنني لم أزرها إلا عدة مرات، لكن ما جدوى ذلك؟ فهي ستبقى بغداد! هل سأحبها كما أحب الفرات ودجلة؟ بغداد لها عينان، ولها قلبٌ ينبض من تحت الأرض ومن فوق السماء، حتى ضجيجها هو ألحان مبعثرة، حتى هواؤها هو خليط بين الماء والتراب وبين رائحة الكتب وعطر العود الذي يصارع الموت كي يعزف بهِ أحد التائهين في الممرات. هل بغداد تحب ثائريها وشهداءها؟ أقبّل أقدامكِ، بغداد، لو كنتِ كما خلقنا الله. هل تلك الأزقة القديمة كافية لتجعل قلبي ينبض بالحب من جديد؟ أريد أن أنام على رصيفها كما الشحاذين وكما العاشقين. سأعيد إحياء كلماتي الأدبية من جديد لأجلكِ يا بغداد! أحببتُ الرشيد كثيرًا، فهو يشبهني؛ كلانا يحمل في داخله شيئًا من الحزن، وشيئًا من الكبرياء، وكثيرًا من الحكايات التي لم تجد من يرويها. بغداد، يا مدينةً لا أعرف كيف أصفها دون أن أظلمها، كلما حاولت أن أضعكِ في جملةٍ هربتِ من بين الكلمات، وكلما ظننت أنني أمسكتُ صورتكِ، جاءت دجلة لتغسلها من يدي وتعيدها إليّ أكثر جمالًا. أنتِ لستِ مدينةً أسكنها، بل فكرةٌ تسكنني، وذاكرةٌ لا أعرف متى بدأت، ولا كيف أصبحت بهذا الثقل في قلبي. ربما لم أعرف شوارعكِ كلها، ولم أحفظ أسماء أزقتكِ، ولم أجلس طويلًا في مقاهيكِ القديمة، لكنني أعرف شيئًا واحدًا: أن للمدن أرواحًا، وأن روحكِ لا تشبه سواكِ. روحكِ مزيجٌ غريب من ضحكات الأطفال، وخطوات العابرين، وباعة الكتب، وصوت المآذن، ورائحة الخبز، وصوت بائعٍ ينادي في آخر النهار، وعاشقٍ ينتظر رسالةً لن تأتي. وفي بغداد، حتى الحزن يبدو عراقيًا. يمرُّ رجلٌ منكسرٌ بجانب رجلٍ آخر يضحك، ولا يسأل أحدهما الآخر عن حكايته؛ فهذه المدينة تعلّمت منذ زمن بعيد أن تخفي جراحها تحت ثوب الحياة. تضحك وهي تعرف كم من أبنائها رحلوا، وتضيء شوارعها، كما تعرف كم من البيوت أُطفئت مصابيحها إلى الأبد. هل تحبين شهداءكِ يا بغداد؟ هل تعرفين أسماء الذين عبروا من شوارعكِ ولم يعودوا؟ هل ما زالت خطواتهم عالقةً على أرصفتكِ؟ هل حين يمر الليل على جدرانكِ تسمعين أصواتهم؟ أم أنكِ، مثلنا تمامًا، تعلّمتِ أن تواصلي السير رغم كل شيء؟ بغداد، لستُ أريد منكِ شيئًا سوى أن تسمحي لي بأن أكون عابرًا فيكِ، عابرًا لا يبحث عن شيء، ولا يريد من شوارعكِ سوى أن تترك أثرًا في قلبه. دعيني أمشي من الرشيد إلى أبي نواس، ومن دجلة إلى الأزقة القديمة، بلا موعدٍ ولا وجهة، كأنني أبحث عن نفسي بين حجارةٍ تعرفني أكثر مما أعرف نفسي. ولستُ أدري لماذا أحببتُ شارع الرشيد تحديدًا؛ ربما لأنه يشبه قصيدةً قديمة لم يكتمل آخر بيتٍ فيها، وربما لأنه يشبهني. فيه شيءٌ من العراقة التي لا تستجدي إعجاب أحد، وشيءٌ من التعب الذي لا يطلب الشفقة. أريد أن أجلس هناك ذات مساء، أضع كلماتي أمامي، وأكتب: «يا الله.. أحبكِ بغداد». ثم أتوقف قليلًا، وأنظر إلى بغداد، وأقول لها: «يا روح الله، يا جنة عدن». فإن لم تجب، سأعتبر صمتها جوابًا. سأكتب عنكِ يا بغداد لا لأنني أعرفكِ، بل لأنني أشعر أنني أعرفكِ منذ زمن بعيد. سأكتب عنكِ كما يكتب الإنسان عن أمه حين يعجز عن وصفها، وكما يكتب العاشق عن امرأةٍ يعرف أنها لن تكون له، لكنه لا يستطيع أن يمنع قلبه من التعلق بها. بغداد، إن كان للوطن قلب، فأنتِ نبضه. وإن كان للعراق وجه، فأنتِ جماله. فدعيني أحبكِ كما أنتِ؛ لا كما يرسمكِ الآخرون، ولا كما تظهرين في الصور، ولا كما تتحدث عنكِ الكتب. دعيني أحب شوارعكِ المتعبة، وجدرانكِ القديمة، ومقاهيها، وأصواتها، وغبارها، ومطرها، وازدحامها، وحتى ذلك الضجيج الذي قلتُ عنه ذات مرة إنه ألحانٌ مبعثرة. فربما، يا بغداد، ليست المشكلة في أنني لم أزركِ كثيرًا؛ ربما المشكلة أنني كلما زرتكِ، عدتُ إلى مدينتي وأنا أشعر أن شيئًا مني بقي هناك. شيءٌ صغيرٌ لا أعرف اسمه،



#جعفر_حيدر_علي_الفتلاوي (هاشتاغ)       Jafar_Haidar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الرأي العام: تمركز الجماعات الإرهابية في حزام بغداد
- دللول
- آخر بقايا العالم
- آخر معارك الأوباش
- سياسي أمني: ضربات داعش للقوات العراقية يفتح ملف عودة النفوذ ...
- سَتُحذف فلسطين دبلوماسياً _سياسياً
- معركة الأطفال
- في حضرة المجهول: رحلتي إلى الله
- تحقيق صحفي: خيوط متشابكة... قراءة في قضايا بان وسارة وريهام
- الاقتتال الداخلي بين أفراد المجتمع العراقي بسبب العولمة السي ...
- حين تتفتح الورود من دماء الشهداء
- الحملة السياسية الأمنية للزيدي: قيادة ذاتية أم تخطيط ومسرحية ...
- تشييع خامنئي في العراق: بين الموقف السياسي والتفسير الخاطئ
- عاشوراء.. حين تتكلم المدينة
- عاشوراء في مدينة التراب
- حين تتكاتف الأيادي: طريق الشعوب نحو السلام والتنمية
- رقية التي ترى الحياة في الأشياء الصغيرة
- الدوغمائية: حين يتحول الإنسان إلى سجين لفكرة
- أسباب الكراهية بين السنة والشيعة: دراسة تاريخية وفكرية
- أسباب الكراهية بين السنة والشيعة: دراسة تاريخية واجتماعية


المزيد.....




- -أمالي فراتية-.. نبش في ذاكرة الهامش وتوثيق لمعاناة السوريين ...
- بعد جدل الاعتذار.. علي الحجار يعود إلى مهرجان الموسيقى العرب ...
- في الحاجة إلى صوت جيل جيلالة
- شخصية الميرزا في رواية -سلسلة النار-.. من بلاط الصفويين إلى ...
- -قطع اليد عقابا على التقصير- أو نشر ثقافة العمل على الطريقة ...
- تركي آل الشيخ يرد على بيان لنقابة المهن التمثيلية في مصر
- الأحزاب العربية وحسابات المنافسة بين نتنياهو وآيزنكوت مع تق ...
- يحيى الفخراني يختتم عروض «الملك لير» على خشبة المسرح القومي ...
- بين الوحدة والتشرذم.. كيف تطور التمثيل العربي في الكنيست؟
- ركين سعد تنوه لدور الهيئة الملكية الأردنية للأفلام في دعم -ب ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جعفر حيدر - بغداد