أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - جعفر حيدر - الدوغمائية: حين يتحول الإنسان إلى سجين لفكرة














المزيد.....

الدوغمائية: حين يتحول الإنسان إلى سجين لفكرة


جعفر حيدر

الحوار المتمدن-العدد: 8717 - 2026 / 5 / 26 - 16:59
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


بقلم جعفر حيدر

تُعدّ الدوغمائية من أشدّ الأمراض الفكرية التي قد تُهلك كرامة الإنسان وعقله وتدفعه تدريجيًا إلى فقدان قدرته على التفكير الطبيعي، وهي من أخطر وآخر مراحل التعصب الفكري المتشدد، لأن الإنسان حين يصل إلى هذه المرحلة لا يعود يرى الحقيقة كما هي، بل يراها فقط من خلال مذهبه أو جماعته أو الحزب الذي ينتمي إليه، فيتحول العقل من أداة للتفكير إلى أداة للدفاع الأعمى، ويتحوّل الإنسان من كائن يمتلك رأيًا إلى نسخة مكررة من خطيب أو سياسي أو رجل دين أو قائد ميليشيا، يردد نفس الكلمات والشعارات والهتافات دون أن يسأل نفسه للحظة واحدة: هل ما أقوله منطقي أصلًا؟ وهل يعقل أن العالم كله يتحرك فقط من أجل مذهبي أو طائفتي؟ ومن يُصاب بهذا المرض إمّا أن يصبح عدوانيًا مع أبناء شعبه من بقية الطوائف بحجة أن مذهبه هو الصحيح المطلق وأن الجميع ضالون أو خونة أو عملاء، أو يصل به الأمر إلى الاستعداد للتضحية بخمسة وأربعين مليون إنسان فقط بحجة “إنقاذ المذهب” من أمريكا وإسرائيل، وكأن أمريكا في إحدى الصباحات الباكرة تستيقظ وتقول: هيا لنترك اقتصادنا ومصالحنا وشعوبنا وأزماتنا وحروبنا الداخلية ونذهب لندمر المذهب الشيعي أو السني أو المسيحي في العراق أو الشرق الأوسط، رغم أن هذه المذاهب لا تشكل لها أي تهديد حقيقي مباشر، لكن الدوغمائي يعيش داخل عالم متخيل صُنع له بعناية، عالم قائم على الخوف الدائم ونظرية المؤامرة والشعور المستمر بأن الجميع يريد القضاء عليه، وهذا النوع من الغباء الفكري لم يولد صدفة، بل صُنعته الأحزاب وكبار تجار الطائفية الذين يتحدثون باسم الدين والمذهب بينما يعيش بعضهم حياة مليئة بالتناقضات والفساد والانغماس في الملذات، ثم يخرجون للناس بخطابات البكاء والحماسة والشعارات التي تُشعل العواطف وتُعطل التفكير، وتم بناء هذه الحالة من خلال القصائد والهتافات والخطب والشعارات الطائفية ذات التأثير العاطفي القوي، حتى أصبحت بعض الجماهير تتفاعل مع القصيدة أكثر مما تتفاعل مع الواقع الذي تعيشه، وصار التصفيق أهم من التفكير، والانفعال أهم من المنطق، بينما الحقيقة البسيطة التي يرفض المتعصب الاعتراف بها هي أن المذاهب ليست هشة إلى هذه الدرجة، فالمذهب الشيعي مثلًا ليس مطبخًا أو حمامًا شعبيًا حتى ينهار بين ليلة وضحاها، بل هو مذهب عريق يمتلك تاريخًا طويلًا وأساسًا فكريًا وعقائديًا متينًا بناه الإمام علي ورسول الإسلام محمد عليهم أفضل الصلاة والسلام، ومن السذاجة أن يعتقد الإنسان أن هذا البناء العظيم يمكن أن يسقط بسبب تصريح سياسي أو حرب إعلامية أو خلاف عابر، فالمذاهب التي صمدت مئات السنين أمام الحروب والقتل والانقسامات لا يمكن أن تهتز بهذه السهولة التي يتخيلها أصحاب العقول المعبأة بالخوف، وحاشا لأولئك العظماء أن يكون أساس ما بنوه هشًا أو ناقصًا، أما إذا كانت المشكلة الحقيقية ليست في المذهب نفسه بل في واقع المسلمين وسلوكهم وتخلفهم وصراعاتهم الداخلية، فهنا يصبح الحديث مختلفًا تمامًا، لأن أزمة المسلمين اليوم ليست أزمة عقيدة بقدر ما هي أزمة وعي وعقل وإدارة وإنسان، فالكثيرون يدافعون عن الدين وهم في الحقيقة يدمرون صورة الدين بأفعالهم، ويتحدثون عن حماية المذهب بينما يساهمون في تمزيق المجتمع ونشر الكراهية وإدامة الجهل، ولهذا فإن أخطر ما تفعله الدوغمائية ليس فقط أنها تجعل الإنسان متعصبًا، بل تجعل من الكراهية فضيلة ومن الجهل بطولة ومن إلغاء الآخر نوعًا من الإيمان، وعندما تصل الشعوب إلى هذه المرحلة فإنها لا تحتاج إلى عدو خارجي ليسقطها، لأنها تكون قد بدأت بتدمير نفسها بنفسها.



#جعفر_حيدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أسباب الكراهية بين السنة والشيعة: دراسة تاريخية وفكرية
- أسباب الكراهية بين السنة والشيعة: دراسة تاريخية واجتماعية
- نحنُ ما نكتبه: كيف تتحول القضايا إلى حضارات خالدة
- النظريات الأممية : الأمة العربية الأسلامية _ الأمة العراقية ...
- دخول العاطفة المذهبية في التحليل السياسي
- المحاصصة الطائفية وتوزيع الفساد بالتساوي
- النفوذ الأيراني في العراق
- نزيف السيادة: كيف تحوّل العراق إلى ساحة نفوذ اقتصادي وسياسي ...
- أبطال من مدينتي؛ مدينة التراب – الحمزة الشرقي
- خفايا تحت الطاولة: بين إيران والعراق ووجود قآني
- ورقة نقدية: بين القصائد الغزلية والقصائد السياسية لا تنتهي ا ...
- الاحتلال الفكري والعسكري الايراني؛ للشعب والحكومة العراقية
- اسائات قدمتها الحكومة الايرانية للدولة العراقية والشعب
- حين يُقتل الشرف باسم المرأة
- المخابرات في العراق: عين الدولة أم ساحة استهداف؟
- بين ضجيج الإعلام وقلق الواقع: قراءة في أزمة الغاز وصعود الأس ...
- حين نرتقي بالإنسان نُقيم أمة: نحو بناء مجتمع عراقي صالح يتجا ...
- ثورةُ وطن
- المعلم والأساليب النفسية
- الاحزاب والسلطة


المزيد.....




- إطلاق صادم.. فيراري تكشف عن أول سيارة كهربائية وأسهم الشركة ...
- قائد جماعة مسلحة مناهضة لحماس في غزة لصحيفة إسرائيلية: بدأنا ...
- معظمهم في خريف العمر.. أكثر من 20 % من سكان ألمانيا يعيشون ب ...
- عاجل| بيان مشترك لنتنياهو وكاتس: الجيش هاجم في غزة محمد عودة ...
- مذيعة CNN لأحمديان: أين أحمدي نجاد وما حقيقة -خطته-؟ شاهد كي ...
- مسؤول عسكري إسرائيلي لـCNN: عمليات برية شمال -الخط الأصفر- ف ...
- مرسوم ملكي لإدارة الأوقاف يشعل مواقع التواصل في البحرين
- في مواجهة الازدحام والحر الشديد.. السعودية تستخدم الطائرات ا ...
- إسرائيل توسع عمليتها البرية إلى ما بعد -الخط الأصفر- بجنوب ل ...
- مكة المكرمة: أكثر من 1,5 مليون شخص يؤدون الركن الأعظم للحج و ...


المزيد.....

- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - جعفر حيدر - الدوغمائية: حين يتحول الإنسان إلى سجين لفكرة