أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - جعفر حيدر - حين نرتقي بالإنسان نُقيم أمة: نحو بناء مجتمع عراقي صالح يتجاوز الانقسام ويصنع المعنى















المزيد.....

حين نرتقي بالإنسان نُقيم أمة: نحو بناء مجتمع عراقي صالح يتجاوز الانقسام ويصنع المعنى


جعفر حيدر

الحوار المتمدن-العدد: 8678 - 2026 / 4 / 15 - 08:35
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


إن الحديث عن تكوين أمة صالحة ليس ترفاً فكرياً ولا شعاراً إنشائياً يُرفع في المناسبات، بل هو مشروع عميق يتصل بجوهر الإنسان قبل أي شيء آخر، لأن الأمة في حقيقتها ليست حدوداً مرسومة على الخريطة ولا مجرد تجمع بشري يعيش تحت اسم واحد، بل هي منظومة من القيم والسلوكيات والعلاقات التي تصنعها عقول الأفراد وضمائرهم، وحين نريد أن نبني أمة عراقية صالحة فعلينا أن نبدأ من الإنسان العراقي ذاته، من طريقة تفكيره، من أخلاقه في التعامل مع الآخر، من إدراكه أن كل تصرف فردي مهما بدا بسيطاً فإنه ينعكس على صورة الأمة بأكملها، فالرجل الذي يظن أنه قادر على ضرب زوجته دون حساب إنما يهدم جزءاً من بناء الأمة لأنه يعتدي على كرامة إنسانة هي جزء من هذا الكيان، وهو بذلك يرسّخ ثقافة العنف داخل الأسرة التي هي النواة الأولى للمجتمع، فإذا فسدت الأسرة كيف يمكن أن نرجو صلاح الأمة؟ وكذلك الشاب الذي يتشاجر في الشارع من أجل طير أو مبلغ مالي تافه لا يدرك أنه لا يمثل نفسه فقط، بل يمثل صورة الفرد العراقي في عيون الآخرين، وأنه حين يختار العنف بدل الحوار فإنه يضع لبنة في جدار الفوضى لا في بناء النظام، ومن هنا نفهم أن الأمة الصالحة لا تُبنى بالقوانين وحدها، بل تُبنى بتغيير القناعات والسلوكيات اليومية التي قد يستهين بها الناس لكنها في الحقيقة تشكل روح المجتمع.
إن أول خطوة في تكوين أمة صالحة هي ترسيخ مبدأ الكرامة الإنسانية بوصفه قيمة عليا لا تقبل التجزئة، فلا يمكن أن ندعو إلى العدالة ونحن نبرر الظلم داخل بيوتنا، ولا يمكن أن نتحدث عن الحرية ونحن نصادر رأي من يخالفنا، فالأمة التي تسعى للنهوض يجب أن تعترف بتعددها، لا أن تخاف منه، فالتعددية ليست تهديداً بل ثراء، وهي التي تمنح المجتمع القدرة على التكيف والتطور، والعراق تحديداً بلد غني بتنوعه الثقافي والديني والقومي، وهذا التنوع يمكن أن يكون مصدر قوة إذا أُحسن التعامل معه، لكنه قد يتحول إلى مصدر صراع إذا استُخدم لإقصاء الآخر أو التقليل من شأنه، وهنا يأتي دور الوعي الجمعي الذي يجب أن يُبنى على فكرة أن اختلافنا لا يعني عداءنا، وأن الانتماء للأمة العراقية يتجاوز كل الانتماءات الفرعية دون أن يلغيها، بل ينظمها ضمن إطار جامع يحفظ الحقوق ويمنع التعدي.
ولا يمكن الحديث عن أمة صالحة دون التطرق إلى العدالة بوصفها العمود الفقري لأي مجتمع مستقر، فالعدالة ليست مجرد شعارات سياسية بل هي ممارسة يومية تبدأ من أبسط التفاصيل، من احترام الدور في الطابور، من عدم استغلال النفوذ، من رفض الرشوة، من معاملة الناس على أساس إنسانيتهم لا على أساس مكانتهم الاجتماعية، لأن غياب العدالة يخلق شعوراً بالظلم، وهذا الشعور يتحول مع الزمن إلى احتقان قد ينفجر في أي لحظة، وحينها لا يمكن السيطرة على نتائجه، لذلك فإن بناء أمة صالحة يتطلب نظاماً قانونياً عادلاً، لكنه يتطلب أيضاً ضميراً حياً لدى الأفراد يجعلهم يرفضون الظلم حتى لو لم يكن هناك رقيب، فالقانون وحده لا يكفي إذا لم يكن مدعوماً بثقافة أخلاقية عامة.
ومن أهم العوائق التي تقف أمام تكوين أمة صالحة هي الطبقية التي تزرع الحواجز بين الناس وتخلق شعوراً بالتفوق لدى البعض والدونية لدى البعض الآخر، وهذا يتنافى مع مبدأ المساواة الذي يجب أن يكون أساس العلاقة بين أفراد المجتمع، فالأمة التي تسعى للنهوض لا يمكن أن تسمح بوجود فوارق تُبنى على المال أو السلطة أو الانتماء، بل يجب أن تفتح المجال أمام الجميع لتحقيق ذواتهم وفق قدراتهم، لأن تهميش فئة من المجتمع يعني إهدار طاقات يمكن أن تسهم في بناء الأمة، وهنا تظهر أهمية التعليم بوصفه أداة لتحرير الإنسان من القيود الفكرية والاجتماعية، فالتعليم لا يقتصر على نقل المعرفة بل يشمل بناء الوعي النقدي الذي يمكن الإنسان من التمييز بين الصحيح والخاطئ، وبين ما يخدم مصلحة الأمة وما يضر بها.
وفي سياق الحديث عن التحديات، لا بد من التطرق إلى الاستعمار الفكري الذي قد يكون أخطر من الاستعمار العسكري، لأنه يتسلل إلى العقول ويعيد تشكيلها بما يخدم مصالح خارجية أو يرسخ التبعية، فالأمة الصالحة هي التي تمتلك استقلالها الفكري، التي تستفيد من تجارب الآخرين دون أن تفقد هويتها، التي تنفتح على العالم دون أن تذوب فيه، وهنا يأتي دور العولمة التي يمكن أن تكون سلاحاً ذا حدين، فهي من جهة تتيح تبادل المعرفة والخبرات وتفتح آفاقاً واسعة للتطور، لكنها من جهة أخرى قد تفرض نماذج ثقافية لا تناسب خصوصية المجتمع، لذلك فإن التعامل الواعي مع العولمة يتطلب قدرة على الانتقاء، على أخذ ما يفيد وترك ما يضر، وعلى بناء هوية قوية قادرة على الصمود أمام التحديات.
ومن الأمثلة الواقعية التي تعكس أهمية السلوك الفردي في بناء الأمة أن الموظف الذي يؤدي عمله بإخلاص دون انتظار مقابل إضافي إنما يسهم في رفع كفاءة المؤسسة التي يعمل فيها، وبالتالي ينعكس ذلك على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، وكذلك الطالب الذي يجتهد في دراسته لا من أجل الحصول على شهادة فقط بل من أجل اكتساب المعرفة، فإنه يضع أساساً لمستقبل أفضل لنفسه ولمجتمعه، في حين أن الغش في الامتحانات قد يبدو للبعض أمراً بسيطاً لكنه في الحقيقة يكرس ثقافة الخداع ويؤدي إلى تخريج أجيال غير مؤهلة، وهذا ينعكس سلباً على جميع قطاعات الدولة، ومن هنا ندرك أن الأمة الصالحة تُبنى بتراكم الأفعال الصغيرة التي قد لا نلتفت إليها لكنها تشكل في مجموعها صورة كبيرة.
ولا يمكن إغفال دور الإعلام في تشكيل وعي المجتمع، فالإعلام يمكن أن يكون أداة لبناء الأمة إذا ركز على نشر القيم الإيجابية وتعزيز روح المواطنة، لكنه قد يتحول إلى أداة هدم إذا انشغل بإثارة الفتن أو الترويج للعنف أو تسطيح القضايا، لذلك فإن المسؤولية تقع على عاتق القائمين عليه وعلى الجمهور أيضاً في اختيار ما يتابعونه، لأن الاستهلاك الواعي للمحتوى الإعلامي يسهم في توجيه هذا القطاع نحو الأفضل.
وفي نهاية المطاف، فإن تكوين أمة صالحة ليس مشروعاً آنياً بل هو مسار طويل يتطلب صبراً وإصراراً، يبدأ من الفرد ولا ينتهي عند حدود الدولة، ويعتمد على تكامل الجهود بين جميع مكونات المجتمع، من الأسرة إلى المدرسة إلى المؤسسات المختلفة، وكل خطوة في هذا الاتجاه مهما كانت صغيرة فإنها تقربنا من الهدف، لأن الأمم لا تُبنى بالقفزات المفاجئة بل بالتراكم المستمر، وحين يدرك كل فرد أن سلوكه اليومي هو لبنة في بناء هذا الكيان الكبير، فإنه سيعيد النظر في تصرفاته، وسيسأل نفسه قبل أن يقدم على أي فعل: هل هذا يليق بأمة أريد لها أن تكون صالحة؟ وإذا وصلنا إلى هذه المرحلة من الوعي، فإننا نكون قد وضعنا الأساس الحقيقي لأمة لا تقوم على الشعارات بل على القيم، أمة تعرف معنى السلام لا كغياب للحرب فقط بل كحضور للعدل، وتفهم الحرية لا كفوضى بل كمسؤولية، وتؤمن بأن قوتها لا تكمن في عدد أفرادها بل في جودة إنسانها، وحينها فقط يمكن أن نقول إننا بدأنا نسير في الطريق الصحيح نحو بناء أمة عراقية تليق بتاريخها وتستحق مستقبلاً أفضل.



#جعفر_حيدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ثورةُ وطن
- المعلم والأساليب النفسية
- الاحزاب والسلطة
- التكية الوليانية القادرية
- الماركسية: والوصول لها
- تحليل الصراع الطبقي: نظرة ماركسية _ اجتماعية
- الظروف الاجتماعية: في حقبة يسارية
- عبد الكريم قاسم: في نظر الواقع الحيادي
- الشيوعيين وعبد الكريم قاسم
- الفنون العراقية: بين لحن الشيوعية ودعم اليسار
- بين حرارة الصدق وتوتر الخطاب: قراءة في قصيدة بعث تشرين للأست ...
- لغة الشموخ والمواجهة في قصيدة غازي الجمل
- سيجارة
- تفكيك الألم والقداسة في قصيدة -دم سمائي- للشهيد صفاء السراي
- صفاء السراي: أيقونة الثورة العراقية في قصيدة “محطات”
- الاغتيالات الصامتة بين أروقة السلطة: حين يُغتال الإنسان وتُز ...
- حوُر
- التي تشبه الحور ولا تُسمّى
- المرأة : ودورها في تكوين ألامة العراقية
- العراق: بين نيران الصراع الإقليمي وغياب الوعي الوطني


المزيد.....




- إجلاء بحارة فيليبين من يخت روسي وسفن عالقة في الخليج.. وواشن ...
- آلاف يتدفقون إلى شوارع وقنوات أمستردام احتفالا بعيد ميلاد ال ...
- ارتفاع أسعار الوقود يربك الطيران منخفض التكلفة ويؤدي إلى إلغ ...
- كيف ومتى يحق للسفن الحربية تفتيش السفن التجارية؟
- انطلاق 21 حافلة تقل مئات السودانيين من مصر إلى بلادهم
- مسؤول بالخارجية الإيرانية للجزيرة: هناك تواصل غير مباشر والك ...
- مراهق يواجه عقوبة السجن بسبب لعق قشة شرب في سنغافورة
- ترامب ينتقد المستشار الألماني بعد قوله إن أمريكا -تتعرض للإذ ...
- البحرين: أحكام مشددة بالسجن في قضايا التخابر مع -الحرس الثور ...
- موسكو: أفشلنا محاولة انقلاب كبرى في مالي شارك فيها 12 ألف مس ...


المزيد.....

- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - جعفر حيدر - حين نرتقي بالإنسان نُقيم أمة: نحو بناء مجتمع عراقي صالح يتجاوز الانقسام ويصنع المعنى