أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - جعفر حيدر - الماركسية: والوصول لها















المزيد.....

الماركسية: والوصول لها


جعفر حيدر

الحوار المتمدن-العدد: 8675 - 2026 / 4 / 12 - 10:28
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


بقلم / جعفر حيدر
إن التفكير في سؤال: لماذا يجب علينا أن نكون ماركسيين؟ ليس محاولة لفرض منهج فكري بقدر ما هو محاولة لفهم ما الذي يجعل الماركسية، حتى اليوم، إحدى أكثر النظريات قدرة على تفسير واقع الإنسان، والاقتصاد، والسلطة، والبنية الاجتماعية. الماركسية ليست مجرد شعار، ولا مجرد نزعة سياسية عابرة، بل هي مشروع شامل يحاول قراءة التاريخ والبشر من خلال قوانين الحركة المادية، ومن خلال فهم أن كل ما نراه من صعود حضارات وانهيار أنظمة وصراعات بين الأمم والطبقات هو انعكاس لمصالح اقتصادية تتجسد في وعي الناس وسلوكهم وقيمهم. لذلك، فإن تبني الماركسية ليس تبنيًا لكتاب محدد بقدر ما هو تبني لنمط تفكير يجعل الفرد قادرًا على رؤية ما وراء الظواهر، وعلى فهم البنية العميقة التي تُنتج الظلم، واللامساواة، والاستغلال.
وعندما نتساءل عن ضرورة أن نكون ماركسيين، فإننا في الحقيقة نتساءل عن ضرورة أن نكون واعين، ناقدين، رافضين للتسليم الأعمى بالسلطات الاقتصادية التي تحكم مصائر الشعوب. الماركسية تمنح الإنسان أداة تحليلية تُفكّك علاقات الإنتاج، وتكشف كيف تتحول القوى الاقتصادية إلى قوى أيديولوجية تُبرِّر الظلم وتُخفي التفاوت الطبقي، وتُقدّم الاستغلال على أنه “طبيعي” أو “حتمي”. في عالمٍ يتسع فيه الفقر رغم زيادة الثروة العالمية، وتزداد فيه قوة الشركات العملاقة على حساب الإنسان، وتتحول فيه الحكومات إلى أدوات بيد رأس المال العالمي، تصبح الماركسية ليست فقط خيارًا فكريًا، بل ضرورة لفهم كيف ولماذا تُدهَس حقوق الطبقات العاملة والفقيرة. إنها النظرية التي تعلن بوضوح أن الإنسان ليس مجرد ترس في آلة كبرى، بل هو قوة منتجة يحق لها العيش الكريم، وأن الثروة التي يصنعها العامل يجب ألا تُسرَق منه لصالح أقلية تملك رأس المال وتتحكم بالقرار السياسي.
إن أهم ما يجعل الماركسية ضرورية هو أنها تُقدّم تفسيرًا لا يمكن تجاوزه لفكرة أن التاريخ لا يتحرك بالعاطفة ولا بالأخلاق المجردة، بل بالمصلحة والصراع. عندما نرى دولة تنهار، أو طبقة تصعد، أو اقتصادًا يتغير، نجد أن الماركسية تقدم تفسيرًا واحدًا متماسكًا: التناقض بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج. وهذا التناقض هو جوهر التطور البشري. هل يعقل أن يبقى إنسان يعيش في القرن الواحد والعشرين، محاصرًا بالبطالة، ومُستنزَفًا بالغربة في وطنه، وعالقًا في اقتصاد فاسد، من دون أن يطرح السؤال الماركسي الأول: من يملك؟ من ينتج؟ ومن يستفيد؟ هذه الأسئلة ليست سياسية فقط، بل هي أخلاقية، لأنها تكشف أين يذهب جهد الإنسان وكيف يُعاد تشكيل المجتمع لخدمة فئة ضيقة بدلاً من الجميع.
وإذا أردنا أن نكون ماركسيين حقًا، فلا يكفي أن نردد المفاهيم، بل يجب أن نمسك بخيوط المنهج. إن الطرق المؤدية إلى الماركسية ليست شعارات، بل مسار طويل يبدأ بالوعي وينتهي بالتحرر من أوهام الأيديولوجيات التي تبرّر الظلم. أول هذه الطرق هو الوعي الطبقي، أي أن يدرك الإنسان موقعه الحقيقي في البنية الاقتصادية، وأن يفهم أن فقره ليس قدَرًا، وأن بطالته ليست نقصًا في قدراته، بل نتيجة لبنية اقتصادية تضع الأرباح فوق الإنسان. الوعي الطبقي يجعل الإنسان يرى العالم من منظور العامل، الفقير، المهمش، لا من منظور من يملك القنوات والمنصات ويتحكم بالرواية الرسمية.
وثاني الطرق المؤدية للماركسية هو دراسة الاقتصاد السياسي، لأن الماركسية ولدت من فهم دقيق للعلاقة بين العمل ورأس المال. فكل من يقرأ كيف تتشكل القيمة، وكيف يُسرق فائض القيمة من العامل لصالح صاحب رأس المال، سيجد أن الماركسية ليست “تعاطفًا مع الفقراء” كما يصورونها، بل هي علم يشرح أين تذهب الثروة ومن يصنعها ولماذا. إن قراءة الاقتصاد السياسي تكشف أن الأسواق ليست “طبيعية”، وأن الأسعار ليست “حرّة”، وأن النظام الاقتصادي ليس إلا شبكة مصالح تُدار لصالح طبقة على حساب أخرى.
أما الطريق الثالث فهو النقد التاريخي، لأن الماركسية تجعل الإنسان قادرًا على رؤية أن كل نظام بشري هو نظام تاريخي قابل للتغير، وليس مقدسًا أو أبديًا. حين نفهم أن الإقطاع كان يُصور نفسه نظامًا إلهيًا، وأن الرأسمالية اليوم تحاول أن تُقدّم نفسها كنهاية التاريخ، ندرك أهمية أن يكون الإنسان ماركسيًا لكي لا يُخدع بخطاب “هذه أفضل منظومة ممكنة”. الماركسية تعلمنا أن كل منظومة هي مرحلة عابرة، وأن الظلم مهما طال عمره فهو خاضع لقانون التناقض الذي يقود إلى التغيير.
وإضافة إلى هذه الطرق، هناك الطريق الأخلاقي الذي كثيرًا ما يُهمل. فالتمسك بالماركسية ليس فقط قرارًا تحليليًا، بل موقفًا أخلاقيًا يدافع عن الإنسان المنتج ضد الإنسان المستغِـل. الماركسية تقول إن القيم الأخلاقية ليست خطابات جوفاء بل يجب أن تُترجم إلى اقتصاد عادل، عمل كريم، توزيع منصف للثروة، ودولة لا تكون أداة لقمع الطبقات الضعيفة. ولهذا فإن الماركسية تعيد ربط الأخلاق بالفعل المادي، أي أنها تجعل الأخلاق انعكاسًا للعدالة الاجتماعية وليس نصوصًا مبتورة عن الواقع.
وما يجعل الطرق المؤدية للماركسية ضرورية أكثر في عالمنا اليوم هو هذا الانهيار الأخلاقي للرأسمالية العالمية التي حولت الإنسان إلى سلعة، ورفعت من شأن الربح حتى لو جاء على حساب حياة ملايين البشر. في ظل هذا الواقع يصبح التفكير الماركسي أداة لحماية إنسانية الإنسان. إنها الطريقة الوحيدة التي تضع قيمة الإنسان فوق قيمة رأس المال، وتطالب بأن يكون الاقتصاد خادمًا للبشر لا سيدًا عليهم، وتعتبر أن المجتمع العادل هو المجتمع الذي تُصان فيه كرامة العامل والفقير قبل كرامة المستثمر والمحتكر.
إن تبني الماركسية يعني تبني منهج يحترم العلم، النقد، التاريخ، والإنسان. ويعني أيضًا التحرر من السرديات التي تُحمّل الفرد مسؤولية فقره بينما تتغاضى عن البنية الطبقية التي تصنع الفقر. والإنسان الذي يختار الماركسية هو إنسان اختار أن يرى، لا أن يُقاد، وأن يفكر، لا أن يُلقَّن، وأن يقرأ الواقع كما هو لا كما يريده أصحاب النفوذ. ولهذا، فإن الطريق إلى الماركسية يبدأ من لحظة صادقة يسأل فيها الإنسان نفسه: هل أعيش في عالم عادل؟ وإن لم يكن، فمن المستفيد؟ وعندها فقط يبدأ وعي الماركسية بالتجذر.
بهذا المعنى، فإن الماركسية ليست مجرد نظرية سياسية، بل هي محاولة جريئة لوضع الإنسان في مركز العالم، وكشف القوى التي تحاول إبعاده عنه. وكل من يرفض الظلم، ويسعى للعدالة، ويحلم بمجتمع يقوم على الكفاءة لا على الامتيازات، يجد نفسه بطبيعة الحال قريبًا من الماركسية، سواء أعلن ذلك أو لم يعلنه. إنها ليست هوية تُرفع، بل وعيٌ يُبنى، ومنهجٌ يُمارس، ورؤية تُصاغ من خلال قراءة عميقة للعالم كما هو، لا كما يُراد لنا أن نراه.



#جعفر_حيدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تحليل الصراع الطبقي: نظرة ماركسية _ اجتماعية
- الظروف الاجتماعية: في حقبة يسارية
- عبد الكريم قاسم: في نظر الواقع الحيادي
- الشيوعيين وعبد الكريم قاسم
- الفنون العراقية: بين لحن الشيوعية ودعم اليسار
- بين حرارة الصدق وتوتر الخطاب: قراءة في قصيدة بعث تشرين للأست ...
- لغة الشموخ والمواجهة في قصيدة غازي الجمل
- سيجارة
- تفكيك الألم والقداسة في قصيدة -دم سمائي- للشهيد صفاء السراي
- صفاء السراي: أيقونة الثورة العراقية في قصيدة “محطات”
- الاغتيالات الصامتة بين أروقة السلطة: حين يُغتال الإنسان وتُز ...
- حوُر
- التي تشبه الحور ولا تُسمّى
- المرأة : ودورها في تكوين ألامة العراقية
- العراق: بين نيران الصراع الإقليمي وغياب الوعي الوطني
- حين تسموا المبادئ فوق كل شيء
- رسالة إلى قاتلي..
- العراق وطن الجميع: كيف تتحول التعددية الى قوة وطنية
- سيف العدل بين القاعدة وإيران: قراءة في التحركات والعلاقات ال ...
- المرأة معيار انسانية المجتمع


المزيد.....




- آلاف المتظاهرين في تل أبيب رفضا لـ-حرب إسرائيل الأبدية-
- لندن: تظاهرة حاشدة احتجاجًا على استضافة الجامعة لـ “مؤتمر لن ...
- شبيبة منطقة الشمال تحيي مناسبة يوم الأرض.
-  في الذكرى العشرين لوفاة “النقابي” محمد عبد الرزاق :  لا نفع ...
- للأسبوع السادس.. آلاف المتظاهرين يخرجون في تل أبيب وحيفا ضد ...
- مزيدًا من التبعية: شركة صهيونية تؤمن إمدادات الغاز لمصر عبر ...
- دراسة أممية: مخاطر بيئية وصحية وخيمة لحروب النفط
- اللاجئون في مصر بين التصعيد الأمني وخطاب الكراهية الشعبي
- Congress’s To-Do List As It Returns To Washington – End The ...
- Peace for Iran: Declaration of Global Conscience


المزيد.....

- كراسات شيوعية :تقرير عن الأزمة الاقتصادية العالمية والمهام ا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الثورة التحريريّة - التوجّه الإستراتيجي و البرنامج الأساسي - ... / شادي الشماوي
- هناك حاجة إلى دفن النظام الرأسمالي و ليس إلى محاولة - دَمَقر ... / شادي الشماوي
- ليست أزمة ثقافة: الجذور الطبقية والتاريخية لإشكالية الاندماج ... / رزكار عقراوي
- المنظّمة الشيوعيّة الثوريّة ، المكسيك و الثورة التحريريّة / شادي الشماوي
- كراسات شيوعية :صناعة الثقافة التنوير كخداع جماعي[Manual no74 ... / عبدالرؤوف بطيخ
- النظرية الماركسية في الدولة / مراسلات أممية
- البرنامج السياسي - 2026 / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- هل الصين دولة امبريالية؟ / علي هانسن
- كراسات شيوعية (الصراع الطبقي والدورة الاقتصادية) [Manual no: ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - جعفر حيدر - الماركسية: والوصول لها