أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - جعفر حيدر - رسالة إلى قاتلي..














المزيد.....

رسالة إلى قاتلي..


جعفر حيدر

الحوار المتمدن-العدد: 8651 - 2026 / 3 / 19 - 13:39
المحور: سيرة ذاتية
    


بقلم / جعفر حيدر
في يومٍ من الأيام سوف تقف والدتي مرفوعةَ الرأس بقتلي، لأني أحدُ الأشخاص الذين دافعوا عن وطنهم بضراوة، وسوف يقف والدي بذلك العقال الشهم، المهيب، الشجاع، ويقول أمام أبناء عمومتي بفخرٍ لا يُضاهى: أنا من ربّيته على حب الوطن، وستعلو تلك الابتسامة المهيبة التي تفرض سطوتها على الجميع، كأنها راية لا تنكسر، وسيقف إخوتي مع أخواتي، يتطلعون إلى مقالاتي، يقرأونها ببطء، ويتساءلون بدهشةٍ ممزوجة بالألم: كيف فعل هذا بهم؟ كيف استطاع أن يكون كل هذا الصوت وحده؟
لم تكتفوا بسرقة وطني أيها الأوباش، بل سرقتم حتى روحي، وسلبتم مني حق الحياة، وأعلنتم ولاءكم ووفاءكم كالعبيد والجواري لإيران، وبعتم ضمائركم بثمنٍ بخس، وأنا تحت التراب، سأرى أصدقائي يخطّطون على قبري، يرسمون بأصابعهم الملطخة بالحزن طريقاً لأخذ ثأري بطريقةٍ ما، وكأي نهاية روايةٍ مبتذلة، سيُقتضب خبر وفاتي، وسيقولون: توفّي بجلطةٍ قلبية، أو دماغية، أو ربما صدمه حيوانٌ هارب على الطريق السريع، وتنتهي حياتي بجملةٍ باردة، ويُنسى أن موتي كان مُدبّراً من مجموعة عبيدٍ للأحزاب الإسلامية التي سرقت وطني باسم الدين..!
لم ولن تكونوا سوى عبيد، وستظلّون كذلك، مهما لبستم من أقنعة، سوف يراودكم حلمي كل ليلة، يطرق عقولكم كالكابوس، وعندما تستيقظون وتغسلون وجوهكم بالدم أمام المرآة، وتفتحون أعينكم المرتجفة، سترونني شامخاً حتى في رؤاكم، وسترون حبيبتي وهي تعاتبكم كل يوم، بصوتٍ مكسور: لماذا قتلتموه؟ بأي ذنبٍ أُريق دمه؟ هل هي غيرة الرجال من بعضها أم هي نجاسة تسكن أرواحكم؟
إنها تعلم أنني سوف أموت، لكنها لا تعلم متى، وأول من رأى تلك التهديدات وبكى كانت حبيبتي، لم تتمنَّ سوى أن نجتمع في بيتٍ تحت سقفٍ واحد، بيتٍ صغيرٍ ربما، لكنه دافئٌ بما يكفي ليحمينا من هذا العالم القذر، ولم ترَ حتى في أحلامها أنها ستراني في قبري فقط، أن تتحول ضحكاتنا إلى ذكرى، وأحاديثنا إلى صدى، تلك هي آخر أحزان عائلتي بعد موتي، ولعلهم سيجزعون من البكاء عليّ، لكن فليعلموا أنني قد متُّ شهيداً فداءً للوطن، فداءً للأرض التي لن تتنجس بأقدام اليهود والأمريكان والمجوس، فلعنتي عليهم جميعاً، وعلى كل من دنّس هذه الأرض، وسوف يعاني قاتلي من أرقٍ في النوم، وتعسّرٍ في الحياة، وسلسلةٍ من المصائب التي ستنزل عليه بسبب لعنتي، لعنتي التي لن تفارقه، ستلاحقه في يقظته ومنامه، في صمته وصراخه.
لعنتي على كل من حارب بلادي بالفكر والسلاح، وقتل إخوتي، لن تُلقّح تلك الأرض بغير اللغة العربية، اللغة التي أكتب بها روحي قبل كلماتي، اللغة التي حاولوا خنقها لكنها بقيت حيّة فينا، إن موتي سيكون رسالةً خالدة للشباب من بعدي، كما كانت رسائل الأولين من قبلي، كتبت الكثير من مواجع وطني بأحرفي العربية، طمعاً بالسلام، بالمواطنة، بالتعددية، بكسر الطائفية، بالسير نحو أمةٍ عراقيةٍ واحدة، لا تُباع ولا تُشترى، أمةٍ تعرف نفسها جيداً، ولا تنحني.
ولعل آخر أنفاسي، بين يدي عزرائيل، تُزهق بالحق والإصلاح، ولعلي أكون قد قلت ما يكفي قبل أن أغادر، فكم كنت في حياتي وحيداً، وكم حاولت أن أبدو قوياً وأنا أتهشّم من الداخل، يا إلهي، رغبةٌ أخيرة: أن أُدفن قرب أضرحة القديسين من الشهداء، وأن توضع زجاجة بيرة في كفني، لعلّي أشرب منها وأنسى ما أصاب أهلي بسببي، فقد كنت وحيداً، وهم أصبحوا وحيدين الآن بغيابي، ذلك العاهر الذي قتلني سوف يندم كثيراً على موتي، لأني الوحيد الذي طالب بحقه، رغم تمرّده وقتلي، رغم كل شيء، بقيت أقول: هذا وطني ولن أتركه.
لن أكتب في وصيتي أن تأخذوا بثأري، لن أطلب الدم مقابل الدم، بل خلّدوني في ذاكرتكم، في أقلامكم، في أصواتكم، اجعلوا اسمي فكرة، لا مجرد ذكرى، أردت أن أخلد فقط، تلك كانت رغبتي في الحياة، وهي نفسها رغبتي في الممات، أن أبقى، لا بجسدي، بل بما قلت وما آمنت به، وبلّغوا حبيبتي أن تنسى كل ما حدث، أن تبدأ بكتابة روايةٍ جديدة، تعيد بها حياتها كما كانت قبل أن آتي إليها، قبل أن أجرّها إلى هذا الحزن الطويل، وأخبروها أيضاً… أني أحببتها، أكثر مما كانت تتخيل، وأكثر مما استطعت أن أقول.



#جعفر_حيدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق وطن الجميع: كيف تتحول التعددية الى قوة وطنية
- سيف العدل بين القاعدة وإيران: قراءة في التحركات والعلاقات ال ...
- المرأة معيار انسانية المجتمع
- الشارع الذي يختبر كرامة النساء كل يوم
- حين تكون الوحدة الوطنية هي الامل في البناء
- المؤسسات الخيرية المستقلة: بين والوجود والانقراض
- بارق عبدالله الحاج حنطة: سيرة وطن ورمز بطولة
- التسلق على دماء الشهداء
- المجتمع وتكفير الفلاسفة
- خيوط خفية في عالم الظلال
- السلطة والشعب كالقطط والفئران
- الانحطاط الاخلاقي في السياسة
- كيف صارت الطائفية جسراً لنهب العراق
- من الحلم الى الشهادة: سلام عادل ورحلة اليسار العراقي
- الرجل الذي حارب امبراطورية بلا سلاح
- العقيدة المتناثرة
- استغلال المناصب
- المحجبة بين العفة والاستحمار
- تحشيد المراهقات للدفاع عن المذهب
- جريمة الصمت: حين تُنتهك كرامة المرأة في الظل


المزيد.....




- أزمة مضيق هرمز تهدّد -الساموسا- والشاي بالحليب في الهند
- تناقضات بين قادة الاستخبارات الأمريكية وترامب بشأن رد إيران ...
- هل تخطّط الصين فعلًا لغزو تايوان في عام 2027؟
- ما حقيقة فيديو -ضرب مصالح أمريكية في الدمام بصاروخ باليستي إ ...
- هجمات إيرانية واسعة على منشآت الطاقة في دول المنطقة.. ما الخ ...
- استهداف حقل بارس وغيره.. هل تشعل إسرائيل المنطقة دون موافقة ...
- حرائق في منشآت طاقة خليجية إثر هجمات إيرانية
- غارات إسرائيلية جنوب لبنان وحزب الله يقصف كريات شمونة
- الدفاع السعودية تعلن سقوط مسيرة في مصفاة سامرف وتدمير صاروخ ...
- شظايا صاروخ تودي بحياة 3 نساء في صالون لتصفيف الشعر بالضفة ا ...


المزيد.....

- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - جعفر حيدر - رسالة إلى قاتلي..