جعفر حيدر
الحوار المتمدن-العدد: 8641 - 2026 / 3 / 9 - 09:31
المحور:
قضايا ثقافية
المحجبة في مجتمعنا تقع بين حدود دقيقة جدًا، بين العفة التي يفترض أن تمثلها وبين تصرفات وأفكار البعض التي تجعل منها رمزًا يمكن استغلاله، فهي بالنسبة للبعض مثال للفضيلة والحياء والتدين، وبين البعض الآخر مجرد شخصية يمكن تحويلها إلى أداة للمبالغة في الأخلاقية أو الاستعراض الاجتماعي، وغالبًا ما تتحول النقاشات حولها إلى حلبة لمقارنة من ترتدي الحجاب بشكل "صحيح" ومن ترتديه "بالخفة"، بينما الحقيقة أن الحجاب في جوهره كان يجب أن يكون مسألة شخصية تختص بالنية والمعتقد وليس مجرد أداة لإثبات الفضيلة أمام الآخرين، لكن الواقع الاجتماعي في بعض المجتمعات يجعل المحجبة هدفًا للمديح أو الانتقاد بطريقة قد تشعرها أحيانًا بأنها محمية للغاية من جهة، ومُستهدفة أو مراقبة من جهة أخرى، وأحيانًا يُساء فهم التزامها على أنه نوع من الاستعراض أو التظاهر، وكأن مجرد ارتداء قطعة قماش على الرأس يمنحها بطاقة جاهزة للقداسة أو يحولها إلى شخصية خيالية من كتاب أخلاقيات لا تنتهي، وهنا يظهر التناقض الكبير بين العفة الحقيقية التي تقوم على السلوك والنية والتصرفات اليومية وبين الصورة العامة التي يفرضها المجتمع أو بعض الأفراد الذين يحاولون تقييمها على أساس المظهر الخارجي فقط، ومع كل هذا تبقى المحجبة في واقعنا الاجتماعي محاطة بالعديد من القواعد غير المكتوبة والتوقعات التي تجعلها بين فخ العفة الحقيقية وفخ الاستحمار الذي يفرضه عليها المجتمع أحيانًا، فتجد نفسها مضطرة لتوازن دقيق بين ما تؤمن به وما يراه الآخرون صالحًا أو مقبولًا، وهذا التناقض يجعل موضوع الحجاب والمسؤولية المرتبطة به مادة خصبة للتفكير والنقد والسخرية في الوقت نفسه، لأنه في النهاية، المحجبة ليست مجرد قطعة قماش أو رمز للفضيلة، بل إنسان حي يحاول التعايش مع مجتمع مليء بالآراء المتناقضة، بين من يرى الحجاب كقداسة مطلقة، ومن يراه مجرد زينة أو أداة لاستغلال العقول، وهنا يكمن كل الجدل وكل السخرية وكل الحاجة الحقيقية لفهم أن العفة الحقيقية لا تُقاس بالمظهر بل بالنية والسلوك والتصرف في كل موقف، بعيدًا عن استغلال الصور النمطية أو الانحيازات المجتمعية التي تجعل من المحجبة أحيانًا مثالًا للفضيلة وأحيانًا أداة للاستحمار.
#جعفر_حيدر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟