أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جعفر حيدر - العراق: والثلاث مراحل















المزيد.....

العراق: والثلاث مراحل


جعفر حيدر

الحوار المتمدن-العدد: 8637 - 2026 / 3 / 5 - 21:22
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بقلم / جعفر حيدر
شهد العراق خلال القرن العشرين ثلاث مراحل حكم مختلفة جذريًا في طبيعتها ونتائجها وهويتها السياسية والاجتماعية، وهي فترة الحكم الملكي الذي تأسس عام 1921 واستمر حتى 1958، ثم فترة حكم عبد الكريم قاسم التي افتتحت الجمهورية الأولى بين 1958 و1963، وبعدها المرحلة البعثية التي تكرست بقيادة صدام حسين بين 1979 و2003، وكل مرحلة من هذه المراحل حملت معها تحولات كبرى انعكست على المجتمع والدولة والاقتصاد والهوية الوطنية. فالحكم الملكي كان يتسم بنوع من الاستقرار النسبي وبناء مؤسسات الدولة الحديثة لكنه كان مرتبطًا بنفوذ بريطاني واضح، بينما جاءت مرحلة عبد الكريم قاسم كموجة ثورية حاولت إعادة تشكيل المجتمع جذريًا لكنها اصطدمت بتناقضات حادة بين القوى السياسية، في حين تحولت مرحلة صدام حسين إلى حكم مركزي شمولي شديد الانضباط والقسوة، اعتمد على القوة والهيمنة وبنى دولة قوية من جهة، لكنه زجّ العراق في حروب وصراعات أنهكت المجتمع والدولة من جهة أخرى.
كان الحكم الملكي يقوم على نظام دستوري نيابي يقوم شكليًا على الانتخابات والبرلمان، لكنه في الواقع كان مرتبطًا بالتوازنات البريطانية التي رسمت الإطار العام للدولة العراقية بعد الحرب العالمية الأولى. فرغم أنه شهد تأسيس الوزارات والقوانين والمدارس والجامعات وتشكيل الجيش الوطني وتنظيم الجهاز الإداري، إلا أن النفوذ البريطاني كان يحدد مسار السياسة العامة، مما جعل السيادة الوطنية موضع جدل دائم وأحد أهم أسباب المعارضة الشعبية. ومع ذلك كانت تلك المرحلة تميل إلى الاعتدال والتدرج في التغيير، وامتازت بوجود حياة سياسية حزبية، وصحافة نشطة، وتعدد في الآراء، وفسحة من الحرية النسبية بالمقارنة مع المراحل اللاحقة. ومن الناحية الاجتماعية، كان المجتمع العراقي يعيش في حالة طبقية واضحة، إذ تركزت الثروة لدى الإقطاعيين وكبار التجار، بينما عانى الفلاحون والطبقات الفقيرة من الفقر والأمية وسوء الخدمات، خاصة في الأرياف الجنوبية. ولم تكن الدولة قادرة على معالجة هذه الفجوة بسبب ضعف مواردها قبل اكتشاف النفط بكميات كبيرة، وبسبب سيطرة العائلات الكبرى على القرار السياسي.
أما عند قيام الجمهورية بقيادة عبد الكريم قاسم بعد ثورة 14 تموز، فقد دخل العراق مرحلة جديدة اتسمت بالحماس الثوري والرغبة في التغيير الجذري. إذ حاول قاسم أن يبني دولة تعتمد على العدالة الاجتماعية بدلًا من الطبقية، فأصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي وجه ضربة كبيرة للإقطاع ووزع الأراضي على الفلاحين، كما أطلق مشاريع إسكان واسعة للفقراء، ورفع مستوى التعليم، وفتح الباب أمام المرأة عبر قانون الأحوال الشخصية الذي اعتُبر ثورة اجتماعية حقيقية. ومن الناحية السياسية، حاول قاسم أن يحقق استقلالًا وطنيًا كاملًا عن النفوذ الأجنبي، مؤكدًا شعار "العراق أولًا" ورافضًا الدخول في وحدة اندماجية متسرعة مع مصر الناصرية. ولكن هذا الاستقلال ترافق مع اضطراب سياسي كبير، لأن قاسم لم يضع نظامًا مؤسسيًا واضحًا لإدارة الجمهورية، واعتمد على شخصيته أكثر من اعتماده على المؤسسات، إضافة إلى أنه حاول التوازن بين الشيوعيين والقوميين والبعثيين لكنه فشل في ضبط هذا الصراع العنيف الذي انفجر في الموصل وكركوك وبغداد. وهكذا أصبحت الجمهورية الجديدة ساحة صراعات لا تهدأ، مما أدى في النهاية إلى انقلاب شباط 1963 الذي أنهى تجربة قاسم وأعاد الجيش إلى مركز الصراع السياسي. ورغم قصر فترة حكمه، فإن أثر قاسم الاجتماعي بقي طويلًا، حيث خلق طبقة وسطى جديدة، وغيّر الكثير من شكل المجتمع العراقي، لكن العجز عن بناء نظام سياسي مستقر جعل إنجازاته غير محمية.
أما مرحلة صدام حسين ضمن النظام البعثي، فكانت مختلفة جذريًا عن المرحلتين السابقتين، إذ تحولت الدولة إلى منظومة مركزية شديدة الانضباط تقوم على سيطرة الحزب الواحد والأمن والاستخبارات، وتعتمد على الكاريزما الشخصية للقائد وعلى الولاءات، وتستخدم الترغيب والترهيب كأدوات أساسية للحكم. وقد بنى صدام في سنواته الأولى دولة قوية من حيث المؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية، خصوصًا خلال الطفرة النفطية في السبعينيات التي أتاحت تطوير البنية التحتية والطرق والمدارس والمستشفيات، وسمحت بتوسيع الطبقة الوسطى ودعم التعليم بشكل واسع. لكن دخول العراق في حرب طويلة مع إيران عام 1980 أطلق مرحلة جديدة من الاستنزاف الاقتصادي والاجتماعي، حيث استمرت الحرب ثماني سنوات أنهكت كل مؤسسات الدولة وأدت إلى سقوط مئات الآلاف من القتلى، وتلتها أزمة الكويت عام 1990 التي قادت إلى حصار دولي خانق دمّر الاقتصاد تمامًا ودفعت المجتمع إلى مستويات غير مسبوقة من الفقر والانهيار الاجتماعي. ومن الناحية السياسية، تحولت الدولة إلى نظام صارم يقمع أي معارضة داخلية، ويستخدم القوة ضد خصومه سواء كانوا حزبيين أو عشائريين أو مدنيين، مما أدى إلى غياب الحياة السياسية تمامًا، وإلى بناء دولة غنية بالقوة لكنها فقيرة بالانسجام الداخلي.
وعند مقارنة هذه الفترات الثلاث، يمكن ملاحظة أن الحكم الملكي كان مرحلة تأسيسية للدولة لكنها لم تحل مشكلة العدالة الاجتماعية؛ وأن فترة عبد الكريم قاسم كانت ثورية اجتماعيًا لكنها غير مستقرة سياسيًا؛ بينما فترة صدام حسين كانت مستقرة أمنيًا لكنها قمعية ومليئة بالحروب. فالملكية كانت تمتلك تعددية سياسية لكنها تخضع لنفوذ خارجي، وقاسم امتلك سيادة وطنية قوية لكنه لم يمتلك نظامًا سياسيًا مستقرًا، وصدام امتلك دولة قوية لكنه افتقر للحرية السياسية والانفتاح والاقتصاد السليم. وعلى المستوى الاجتماعي، فإن الملكية حافظت على هياكل المجتمع التقليدي دون تغيير عميق، بينما قاسم فجّر الثورة الاجتماعية الأكبر، وصدام أعاد بناء مجتمع منضبط بالقوة لكنه هش من الداخل بسبب الحروب والحصار. وعلى صعيد الهوية الوطنية، حاولت كل مرحلة بناء تصور مختلف للعراق: الملكية ركزت على الارتباط العربي–الشرقي وعلى الشرعية الدولية، وقاسم ركز على الهوية الوطنية العراقية المستقلة، وصدام ركز على الهوية القومية العربية المرتبطة بالمشروع البعثي.
وهكذا يمكن القول إن تاريخ العراق الحديث هو سلسلة انتقالات من الاعتدال المحدود في الملكية، إلى الثورة الاجتماعية المتحمسة في عهد قاسم، إلى الدولة المركزية الشمولية في عهد صدام، وكل مرحلة منها تركت إرثًا ثقيلًا ومختلفًا، ما زالت آثاره ممتدة إلى الواقع العراقي المعاصر، سواء في طبيعة المجتمع، أو هيكل الدولة، أو العلاقة بين السلطة والشعب، أو طبيعة الهوية الوطنية التي ما زالت تتأرجح بين هذه التجارب الثلاث حتى اليوم.



#جعفر_حيدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نقد الادب العربي للماركسية
- حين يكون الشعب وطناً
- حين يمر الضوء على هيئة امرأة
- حين تصبح المرأه قصيدةً لا تُنسى
- حرب الظلال بين إسرائيل وإيران: والضحايا الذين يسقطون بصمت في ...
- إيران والتنظيمات المتطرفة: جدل المصالح والتناقضات
- الورم الخبيث: علاقة ايران بتدمير الاستقرار
- العراق اولاً: حقيقة الدم التي لايمكن انكارها
- فلاديمير لينين: حين تتحول الفكرة الى قوة تغير مسار السياسة ا ...
- التعددية الفردية: حين يتحول الاختلاف الى طاقة للحياة
- العدالة: الميزان الذي تقوم عليه حياة الناس
- المواطنة: الشراكة التي تصنع وطناً لا مجرد أرض
- السلام: من شعور فردي إلى نظام مجتمع
- حادثة يوم الشهيد: جدل التفتيش والذاكرة في مقر الحزب الشيوعي ...
- من السلام نبدأ: كيف يصنع الشباب أمةً عراقيةً واحدة
- التوترات المدنية: بين الدعوة والشيوعية
- في نقد أروع قصائد شاعر الوطن: مظفر النواب
- بائع الوطن ودافع الثمن
- مجزرة الحكيم باليسار الشيوعي
- العظام والمهام


المزيد.....




- وزير الدفاع الأمريكي: ليس هناك شح ذخائر.. وحجم القوة القتالي ...
- -لاعب فنون قتالية سابق-.. ترامب يسمي ماركواين مولين لمنصب وز ...
- بعد إعلان هيغسيث -فرض سيطرة كاملة- على سماء إيران.. إليكم ما ...
- اليوم السابع للحرب: غارات واسعة على طهران والضاحية الجنوبية ...
- موجة ضربات جديدة على طهران وإسرائيل تعد بـ-مفاجآت-
- الجزيرة نت ترصد الأوضاع في المناطق الحدودية بين باكستان وإير ...
- الحوثي: أيادينا على الزناد وسنتحرك حين تقتضي التطورات
- -مضيعة للوقت-.. ترمب يستبعد الغزو البري لإيران ويحرّض الأكرا ...
- تحدي -الباراسيتامول- يقلق خبراء الصحة في أوروبا
- سوق السيارات المصرية تترقب موجة غلاء جديدة بسبب الحرب


المزيد.....

- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جعفر حيدر - العراق: والثلاث مراحل