أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جعفر حيدر - التوترات المدنية: بين الدعوة والشيوعية














المزيد.....

التوترات المدنية: بين الدعوة والشيوعية


جعفر حيدر

الحوار المتمدن-العدد: 8614 - 2026 / 2 / 10 - 23:11
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بقلم / جعفر حيدر
إنّ التوترات المدنية بين حزب الدعوة الإسلامية والتيارات اليسارية في العراق تمثل حالة صراع اجتماعي–سياسي متجذرة في البنية التاريخية للعراق الحديث، وهي ليست مجرد خلاف سياسي عابر بل صدام طويل بين رؤيتين مختلفتين جذرياً لطبيعة الدولة والمجتمع والسلطة، ففي الوقت الذي نشأ فيه اليسار العراقي على قاعدة الطبقية والتحليل الماركسي والسعي نحو العدالة الاجتماعية وعلمنة الدولة، تأسس حزب الدعوة على فكرة بناء مجتمع إسلامي سياسي قائم على الهوية الدينية والمرجعية الفكرية الفقهية، ومنذ الخمسينات وحتى اللحظة الحالية تراكمت بين الطرفين مسارات من الاحتكاك والريبة، حيث يرى اليساريون أن الدعوة – منذ نشأته – حاول تشكيل نظام اجتماعي يستمد شرعيته من الدين مما يتناقض مع مشروع اليسار الهادف إلى فصل الدين عن السلطة، فيما يرى حزب الدعوة أن اليسار يمثل نموذجاً فكرياً مستورداً يهدد الهوية الدينية–القيمية للمجتمع العراقي، ولذلك بدأت التوترات مبكراً حين شعر الشيوعيون أن الإسلام السياسي – بمختلف أنواعه – هو منافس حاد على الشارع الشعبي، خصوصاً في المناطق الحضرية والعمالية التي كانت تميل للماركسية، وفي المقابل شعر حزب الدعوة أنّ الشيوعيين يسيطرون على الوعي الطلابي والثقافي ويشكّلون تهديداً لعقيدة المجتمع، ثم تصاعدت هذه التوترات خلال الستينات والسبعينات حين حاول كل طرف استقطاب الفئات المثقفة والطبقات الدنيا، ففي الجامعات حدثت مواجهات فكرية حادّة بين "الرابطة الإسلامية" و"الأنشطة الطلابية اليسارية"، بينما في الشارع كانت النقابات ساحة صراع بين مشروعين اجتماعيين مختلفين: مشروع يرى التغيير عبر الصراع الطبقي، ومشروع يراه عبر العودة للدين السياسي، ومع وصول حزب الدعوة إلى مرحلة العمل السري في السبعينات ضد السلطة البعثية، وحملة القمع المزدوجة التي طالت الشيوعيين والإسلاميين، ظهر نوع من الهدوء القسري غير القائم على تقارب بل على مواجهة مشتركة للديكتاتورية، لكنّ هذا الهدوء كان هشاً وسرعان ما تفجّر بعد 2003 حين عاد الطرفان إلى العلن ببرامج متناقضة، إذ استلم حزب الدعوة – عبر الائتلاف الشيعي – مقاليد الحكم، بينما دخل اليسار مرحلة إعادة التشكيل في مواجهة نظام سياسي طائفي، ومع تشكل الدولة الجديدة وجد اليساريون أنفسهم في موقع نقد مباشر لحزب الدعوة الذي بات جزءاً من السلطة، فاتهموه بتكريس المحاصصة، وتسييس الدين، وغياب العدالة الاجتماعية، وفشل الدولة في إدارة الاقتصاد والخدمات، بينما اعتبر حزب الدعوة أن الخطاب اليساري خطاب غير واقعي، وأن نقده نابع من موقع المعارضة لا من فهم المسؤولية، وهكذا تحولت العلاقة بين الطرفين من صراع فكري إلى صراع مدني–سياسي واضح، خصوصاً في ساحات الاحتجاج التي مثّلت بيئة حقيقية لاحتكاك المشروعين، ففي احتجاجات 2011 و2015 ثم ذروة 2019 (تشرين)، كان اليساريون جزءاً من التيار المدني الرافض للسلطة، بينما كان الدعوة جزءاً من البنية الحكومية المتهمة بالفساد واللامساواة، ورغم أن بعض شخصيات الدعوة حاولت إظهار خطاب إصلاحي، إلا أن منظومة السلطة المرتبطة بالحزب جعلت التوترات تتصاعد، وظهر الانقسام بوضوح بين مدنية تطالب بدولة علمانية–قانونية وبين هوية دينية سياسية ترى نفسها مسؤولة عن حماية "خصوصية المجتمع"، وازدادت الفجوة حين دعا التيار المدني إلى إنهاء النفوذ الحزبي الديني في مؤسسات الدولة بينما اعتبر حزب الدعوة أن ذلك تفريغ للهوية، ثم جاء العامل الطبقي ليزيد التوتر، فالشيوعيون والتيارات اليسارية يرون أن سياسات حزب الدعوة الاقتصادية – القائمة على التوظيف الحزبي والمحاصصة – عززت الفقر والبطالة وأضعفت الطبقات العاملة، بينما يرى الدعوة أن اليسار يقدم حلولاً نظرية غير قابلة للتطبيق في بيئة عراقية ممزقة أمنياً وطائفياً، ثم يظهر البعد الثقافي أيضاً كأحد أكبر مصادر التوتر، إذ يميل اليساريون إلى خطاب مدني، حقوقي، نسوي، نقدي، بينما يميل حزب الدعوة إلى خطاب محافظ يركز على الهوية الدينية والقيم الاجتماعية، ما يجعل التماس بين الجمهورين مليئاً بالاستفزاز المتبادل، ومع دخول العراق مرحلة جديدة بعد تراجع ثقل الدعوة في الحكم وصعود حركات احتجاجية واسعة، تحوّل الصراع إلى شكل جديد: اليساريون يدفعون نحو دولة بلا أحزاب دينية، بينما يحاول حزب الدعوة إعادة تعريف نفسه كحزب دولة يحافظ على النظام، لكنّ التوترات المدنية لم تنتهِ، بل بقيت قائمة لأنها جزء من صراع أعمق بين مشروعين تاريخيين: مشروع يرى خلاص العراق في العدالة الاجتماعية والعلمانية، ومشروع يرى خلاصه في الدين والهوية والمحافظة، وبين هذين المشروعين تستمر التوترات كعلامة على صراع المجتمع العراقي كله لا بين حزبين فقط، بل بين رؤيتين للدولة والحياة والمستقبل.



#جعفر_حيدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في نقد أروع قصائد شاعر الوطن: مظفر النواب
- بائع الوطن ودافع الثمن
- مجزرة الحكيم باليسار الشيوعي
- العظام والمهام
- قلة الوعي تهدم الحضارة
- النقشبندية وفروعها الثلاث
- الباراسيكلوجي واختلاطه بالطرق الروحانية
- تروتسكي والمجتمع
- حين غنّى الطين: حكاية الآلات الموسيقية العراقية من أيدي الصن ...
- الكهوف الدينية
- حين تبدأ النهضة من العقل
- مبدأ النعت وشرف الخصومة
- حين لا تكفي شهادة الوفاة: فاضل برواري نموذجاً
- رؤية المجتمع لليسار العراقي
- عبد الغني الاسدي بين القيادة والاقصاء
- الفصيلة
- تعارض الدين مع تطبيق الماركسية على المجتمع العراقي وضرورة تط ...
- ديناميكية المجتمع الديني والعلماني في العراق
- ارض الشهيد مقابل الجسد
- العلمانية بين الغباء الديني والسياسية الناجحة


المزيد.....




- أول تعليق للبيت الأبيض عن اللقاء المرتقب بين ترامب ونتنياهو ...
- الذكاء الاصطنـاعـي: أي اسـتـعـدادات فـي الـعـالـم الـعـربي؟ ...
- الرئيس الكولومبي يقول إنه نجا من محاولة اغتيال خلال تنقله عل ...
- لبنان والأردن يسعيان لإقناع سوريا بالتراجع عن حظر دخول شاحنا ...
- كبار مسؤولي الهجرة الأمريكية يمثلون أمام الكونغرس على خلفية ...
- البرلمان الأوروبي يقر نصّين لتشديد سياسات الهجرة
- نهج عقابي جديد.. إسرائيل تشرع في ترحيل أسرى بموجب قانون سحب ...
- هل -إسرائيل الكبرى- حلم صهيوني أم وهم عربي؟
- الدراما الخليجية في رمضان 2026: حضور نسائي لافت واستثمار في ...
- مهرجان سانتا باربرا يكرم ليوناردو دي كابريو وشون بن


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جعفر حيدر - التوترات المدنية: بين الدعوة والشيوعية