أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - جعفر حيدر - مجزرة الحكيم باليسار الشيوعي














المزيد.....

مجزرة الحكيم باليسار الشيوعي


جعفر حيدر

الحوار المتمدن-العدد: 8613 - 2026 / 2 / 9 - 09:10
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


بقلم / جعفر حيدر
إن ما يُعرف تاريخيًا بمجزرة الحكيم باليسار الشيوعي يمثل إحدى اللحظات الأكثر حساسية وتعقيدًا في تاريخ العراق السياسي والاجتماعي، إذ تداخلت فيها الفتوى الدينية مع التنافس الأيديولوجي والصراع على النفوذ بين مراكز القوة داخل الدولة والمجتمع، لتنتج موجة عنف واسعة ضد اليسار الشيوعي الذي كان في تلك الفترة القوة الأكثر انتشارًا بين العمال والفلاحين والشرائح المتعلمة، خصوصًا في جنوب العراق والفرات الأوسط، حيث كان الحزب الشيوعي قد تحوّل إلى ظاهرة اجتماعية قبل أن يكون مجرد تنظيم سياسي، ما أثار خوف المرجعية الدينية بزعامة السيد محسن الحكيم الذي رأى في امتداد الفكر الماركسي خطرًا على القيم المحافظة التي يقوم عليها المجتمع الشيعي التقليدي، فصدر عنه ما عُرف بفتوى تحريم الشيوعية التي شكّلت الشرارة الأولى لسلسلة طويلة من الاعتداءات التي تحوّلت فيما بعد إلى مجازر محلية متعددة نفّذتها جماعات عشائرية ودينية استندت إلى الفتوى باعتبارها غطاءً شرعيًا للقتل والملاحقة والتصفية، في وقت كانت فيه الدولة العراقية ضعيفة ومترددة وغير قادرة على ضبط المشهد أو منع الانزلاق نحو العنف، وقد بدأت المجازر فعليًا عندما بدأت مجموعات واسعة من العشائر، خصوصًا في العمارة والناصرية والديوانية والكوت، تستجيب لخطاب التحريض الذي صوّر الشيوعيين كملحدين وأعداء للدين، فشهدت تلك المناطق عمليات قتل لمنتسبين معروفين للحزب، وجرّ شباب من بيوتهم ثم تصفيتهم، وحرق منازل نشطاء محليين، وتهجير أسر شيوعية بالكامل، كما شهدت القرى الزراعية سلسلة اعتداءات مسلحة قادتها عشائر نفذت الفتوى بحماسة اجتماعية وعقائدية، خصوصًا بعد أن أصبحت الخطب المنبرية تحمّل الشيوعيين مسؤولية إفساد المجتمع ومحاربة الدين، لتتحول هذه الدعاية إلى مناخ عام يسمح لأعمال القتل أن تمر دون تحقيقات أو محاسبة، بل أحيانًا بغطاء من موظفين محليين في أجهزة الدولة الذين كانوا يخشون الاصطدام بالمرجعية أو العشائر، وظهرت حوادث صادمة مثل قتل شيوعيي العمارة في الطرق العامة، وطعن نشطاء الحزب في الناصرية، وسحل بعضهم في الكوت، وحرق أكواخ فلاحين كانوا ينشطون في تنظيم الجمعيات الفلاحية المرتبطة بالحزب الشيوعي، بحيث أصبحت المجازر موزّعة على شكل موجات متعاقبة استمرت لسنوات، وليست حادثة واحدة محددة المكان والزمان، لكن خطورة المسألة لا تتوقف عند هذه الأعمال الدموية، بل في الدور السياسي الذي لعبته فتوى محسن الحكيم في ترجيح كفّة المعاداة العلنية للشيوعيين، إذ شكّلت الفتوى قوة دفع للقوميين والبعثيين الذين وجدوا في الجوّ المعادي لليسار فرصة لقمع خصومهم الأيديولوجيين، وهو ما جعل المجازر الدينية–العشائرية تمهّد نفسيًا واجتماعيًا للضربة الأكبر التي ستأتي لاحقًا مع انقلاب 1963، حين جرى ذبح مئات الشيوعيين في السجون والشوارع على يد البعثيين والحرس القومي، وبذلك فإن مجزرة الحكيم باليسار الشيوعي كانت جزءًا من مسار أوسع جعل الشيوعي العراقي محاصرًا بفتوى دينية من جهة وبآلة قمع سياسية من جهة أخرى، أما علاقة محسن الحكيم بصدام حسين فتُعد واحدة من أكثر الجوانب حساسية في هذا الملف؛ إذ إن صدام، حين كان شابًا في حزب البعث، أدرك مبكرًا أهمية العلاقة مع المرجعية الشيعية لضمان نفوذ الحزب في الوسط الشيعي الذي كان يرى البعثيين كتيار قومي سني الطابع، ولذلك عمل صدام على بناء قنوات اتصال غير مباشرة مع بعض الشخصيات الدينية، وكان أبرزها العلاقة الرمزية مع السيد محسن الحكيم، ليس علاقة تحالف أو مودة، بل علاقة مصلحة سياسية، فقد استغل صدام الخطاب الديني العدائي تجاه الشيوعية ليقوّي حملته على اليسار، بينما وجد بعض المقربين من الحكيم في البعثيين قوة قادرة على كبح المدّ الشيوعي الذي كانوا يعتبرونه تهديدًا أكبر من صعود القوميين، وفي مراحل لاحقة، خصوصًا في أوائل الستينيات، استفاد البعثيون، ومنهم صدام، من الجو الذي خلقته الفتاوى المعادية للشيوعية، لأن المجتمع أصبح مهيّأ لقبول القمع السياسي للشيوعيين باعتباره امتدادًا طبيعيًا لحماية الدين، ولهذا فإن العلاقة بين الحكيم وصدام لم تكن علاقة شخصية بقدر ما كانت علاقة تأثير غير مباشر: المرجعية وفّرت شرعية اجتماعية لمعادات الشيوعية، وصدام وفّر التطبيق السياسي القمعي لهذه المعاداة، حتى وإن كان ذلك لاحقًا بدوافع سلطوية لا علاقة لها بالدين، وبهذا تبدو مجزرة الحكيم باليسار الشيوعي حدثًا مركّبًا ناتجًا عن تفاعل فتوى دينية وسياق اجتماعي متوتر ودولة ضعيفة وصراع سياسي حاد وتحالفات تكتيكية غير معلنة بين قوى دينية وقومية، مما خلق واحدة من أبشع الفصول ضد تيار سياسي في تاريخ العراق الحديث، مجازر لم تُكتب كحادثة واحدة بل كسلسلة تتمدد في القرى والحقول والمدن، صُنعت فيها ذاكرة الخوف التي لاحقت اليسار العراقي لعقود طويلة.



#جعفر_حيدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العظام والمهام
- قلة الوعي تهدم الحضارة
- النقشبندية وفروعها الثلاث
- الباراسيكلوجي واختلاطه بالطرق الروحانية
- تروتسكي والمجتمع
- حين غنّى الطين: حكاية الآلات الموسيقية العراقية من أيدي الصن ...
- الكهوف الدينية
- حين تبدأ النهضة من العقل
- مبدأ النعت وشرف الخصومة
- حين لا تكفي شهادة الوفاة: فاضل برواري نموذجاً
- رؤية المجتمع لليسار العراقي
- عبد الغني الاسدي بين القيادة والاقصاء
- الفصيلة
- تعارض الدين مع تطبيق الماركسية على المجتمع العراقي وضرورة تط ...
- ديناميكية المجتمع الديني والعلماني في العراق
- ارض الشهيد مقابل الجسد
- العلمانية بين الغباء الديني والسياسية الناجحة
- رجال الدين والسلطة
- مجازر لبناء المستقبل


المزيد.....




- بيان حزب النهج الديمقراطي العمالي بجهة الرباط حول فياضانات ح ...
- ?عمال الموانئ في المتوسط يشلّون 20 ميناءً رفضاً للحرب وتسليح ...
- “القضاء الإداري” تؤجل دعوى وقف التنفيذ إلى أبريل المُقبل
- A Populist, Pro-Labor Progressive Scores Huge Upset Win in D ...
- Chomsky-Epstein Saga: Some Additional Reflections
- An Assessment of Noam Chomsky on the Jeffrey Epstein Files
- From Historical Blockage to Radical Rupture: The Ontological ...
- A Plea for Sortition and Direct Democracy in the Wake of the ...
- انتخابات البرتغال الرئاسية: الاشتراكي أنطونيو جوزيه يحقق فوز ...
- الاشتراكي الديمقراطي يغيّر موقفه - يجب وقف جميع عمليات ترحيل ...


المزيد.....

- هل الصين دولة امبريالية؟ / علي هانسن
- كراسات شيوعية (الصراع الطبقي والدورة الاقتصادية) [Manual no: ... / عبدالرؤوف بطيخ
- موضوعات اللجنة المركزية المقدمة الى الموتمر 22 للحزب الشيوعي ... / الحزب الشيوعي اليوناني
- الرأسمالية والاستبداد في فنزويلا مادورو / غابرييل هيتلاند
- فنزويلا، استراتيجية الأمن القومي الأميركية، وأزمة الدولة الم ... / مايكل جون-هوبكنز
- نظريّة و ممارسة التخطيط الماوي : دفاعا عن إشتراكيّة فعّالة و ... / شادي الشماوي
- روزا لوكسمبورغ: حول الحرية والديمقراطية الطبقية / إلين آغرسكوف
- بين قيم اليسار ومنهجية الرأسمالية، مقترحات لتجديد وتوحيد الي ... / رزكار عقراوي
- الاشتراكية بين الأمس واليوم: مشروع حضاري لإعادة إنتاج الإنسا ... / رياض الشرايطي
- التبادل مظهر إقتصادي يربط الإنتاج بالإستهلاك – الفصل التاسع ... / شادي الشماوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - جعفر حيدر - مجزرة الحكيم باليسار الشيوعي