أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جعفر حيدر - النقشبندية وفروعها الثلاث














المزيد.....

النقشبندية وفروعها الثلاث


جعفر حيدر

الحوار المتمدن-العدد: 8611 - 2026 / 2 / 7 - 11:34
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بقلم / جعفر حيدر
إن الطريقة النقشبندية تمثل واحدة من أبرز وأقوى الطرق الصوفية في العالم الإسلامي، وقد انقسمت عبر القرون إلى فروع متعددة أبرزها النقشبندية الخالدية والنقشبندية الكردية والنقشبندية المسلحة، وكل فرع منها يحمل خصوصياته الروحية والاجتماعية والسياسية التي تميزه عن الآخر، فالنقشبندية الخالدية تعد الأكثر انتشارًا في العراق وتركيا وبعض المناطق العربية، وقد أسسها الشيخ خلدون الخالد المتأثر بتجربة سلاسل النقشبندية القديمة، وتركز بشكل كبير على الذكر الصامت و المراقبة القلبية والتأمل الفردي العميق، بحيث يظل المريد في حالة مستمرة من التذكر والتفكر في الله، وتتميز هذه الطريقة بالانسجام الروحي بين المريد وشيخه حيث يُعلّمه الخطوات العملية للسمو الروحي بدون أي ممارسة صاخبة أو إظهار القوة البدنية، كما أن الخالدية تتجنب الانخراط في السياسة أو الأعمال المسلحة وتعد قوة المريد الحقيقية هي في تطهير النفس وصقل الروح، ولذلك فقد نجحت هذه الطريقة في تشكيل مجتمع متماسك من المريدين الذين يمارسون الطقوس اليومية بانتظام ويحافظون على أوامر الشيخ ومبادئ الزهد والتواضع والصبر، كما أن الخالدية حافظت على استمرارية الممارسة عبر أجيال دون تشدد أو انحراف، وركزت على المجتمع الداخلي للبيت الصوفي، بحيث يبقى التركيز على الروح الفردية والعلاقات الإنسانية مع الآخرين بطريقة سلمية وهادئة، وعلى عكس ذلك نجد أن النقشبندية الكردية تمثل فرعًا مختلفًا، نشأ خصوصًا في مناطق كردستان العراق وتركيا وسوريا، وقد تأثر بالبيئة الاجتماعية والسياسية الكردية التي تحكمها ظروف الصراع والجبال وصعوبة التواصل، فركزت هذه الطريقة على التنشئة الجماعية للمريدين وأهمية الانضباط داخل الخلوة الصوفية الجماعية، كما أنها أعطت أهمية كبيرة لتعليم اللغة والثقافة الكردية ضمن حلقات الذكر والموعظة، واحتفظت بعلاقات قوية مع العشائر والمجتمعات المحلية حتى يكون للشيخ والولي مكانة اجتماعية وسياسية، وقد اشتهرت الطريقة الكردية بالصلابة في مواجهة الضغوط الخارجية، حيث ساعدت المريدين على بناء شبكة قوية من الولاء الروحي والاجتماعي الذي يحمي التكايا من التدخلات الخارجية، كما أن النقشبندية الكردية دمجت أحيانًا بين التعليم الصوفي والتربية العسكرية الرمزية، بحيث يصبح المريد قادرًا على الدفاع عن التكية والمجتمع دون الانغماس في العنف، وقد كانت هذه الطريقة دائمًا تسعى لتحقيق توازن بين القوة الروحية والجماعية، وهو ما جعلها مختلفة تمامًا عن الخالدية التي تركز على الفرد والتأمل الصامت. أما النقشبندية المسلحة فهي فرع أحدث نسبيًا، نشأ نتيجة الظروف السياسية والاجتماعية القاسية في بعض مناطق العراق وشرق تركيا وإيران، حيث أدرك بعض مشايخ النقشبندية أن الحفاظ على التكايا والتقاليد الصوفية يتطلب وجود قوة قادرة على الدفاع عن المريدين والمجتمع، فظهرت فئة من المريدين تتعلم فنون القتال والتنظيم العسكري إلى جانب التعليم الروحي التقليدي، وقد اعتبرت هذه الطريقة أن الذكر والخلوة وحدها غير كافية لمواجهة التحديات الخارجية، ولهذا نشأت فيها مفاهيم الانضباط العسكري والقيادة القوية، بينما يظل الشيخ مركز القرار الروحي والسياسي في آن واحد، ويصبح للمريدين دور مزدوج، فهم يتعلمون التقوى والزهد وفي الوقت نفسه استراتيجيات الدفاع وحماية المجتمع الصوفي، وقد أثارت هذه الطريقة جدلاً واسعًا بين الصوفية التقليدية لأن دمج القوة المسلحة مع التعليم الروحي لم يكن مألوفًا في معظم الطرق الصوفية الأخرى، لكنها أثبتت فعاليتها في مناطق الصراعات المستمرة، حيث وفرت حماية حقيقية للتكايا وللمريدين، كما أنها أسهمت في نشر فكرة النقشبندية بشكل أوسع لأن المريدين كانوا يشعرون بالأمان والقدرة على التوسع دون الخوف من الاعتداءات الخارجية. وعلى مستوى الممارسات اليومية، تختلف هذه الطرق بشكل واضح، فالنقشبندية الخالدية تعتمد على الذكر الصامت والورود الروحية وحلقات الذكر الفردية والجماعية بشكل محدود، بينما النقشبندية الكردية تضيف الجانب الجماعي المكثف والانضباط الثقافي والاجتماعي بما يعكس بيئة الأكراد الاجتماعية، أما النقشبندية المسلحة فتجمع بين الذكر الصامت والجماعي مع التدريب البدني والانضباط العسكري الرمزي، وهكذا تظهر الفروق بين الفروع الثلاثة بشكل واضح في طريقة إدارة التكايا، وتعليم المريدين، وتعاملها مع المجتمع الخارجي والسياسة والتهديدات، ومن الناحية الفكرية، تركز الخالدية على السلوك الداخلي والسمو الروحي للفرد بينما الكردية تركز على التوازن بين الفرد والمجتمع والحفاظ على الانتماء الثقافي، أما المسلحة فتدمج بين السمو الروحي والدفاع عن النفس والمجتمع كضرورة وجودية، ومع ذلك جميعها تتفق على أسس التصوف النقشبندي المتمثلة في اتباع شيخ صالح، وإرادة التقرب إلى الله، واتباع سنن الوراثة الروحية، والحرص على تطهير القلب، والحفاظ على أخلاقيات المريد والتواضع، وكل فرع يضيف طبقة خاصة حسب الظروف الاجتماعية والسياسية والجغرافية التي نشأ فيها، فالنقشبندية الخالدية تعكس البيئة المستقرة نسبيًا، والنقشبندية الكردية تعكس البيئة الجبلية والاجتماعية للقبائل الكردية، والنقشبندية المسلحة تعكس بيئة الصراع والاضطرابات، وبذلك يمكن القول إن هذه الفروق الثلاثة ليست مجرد اختلافات شكلية بل تعكس تجارب تاريخية وروحية مختلفة، وتجعل كل فرع قادرًا على الحفاظ على التراث الصوفي والهوية الروحية في ظروفها الخاصة، وفي النهاية فإن دراسة هذه الفروق تمنحنا فهمًا أعمق لكيفية تعامل الطرق الصوفية مع التحديات الاجتماعية والسياسية عبر الزمن، وكيف استطاعت النقشبندية أن تتكيف وتتطور في أشكال مختلفة لتبقى حية وقادرة على التأثير في حياة المريدين والمجتمع بشكل مستمر، وهو ما يوضح أن الصوفية ليست مجرد طقوس وعبادات، بل نظام حياة متكامل يتفاعل مع البيئة المحيطة ليصنع استمرارية روحية واجتماعية في آن واحد.



#جعفر_حيدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الباراسيكلوجي واختلاطه بالطرق الروحانية
- تروتسكي والمجتمع
- حين غنّى الطين: حكاية الآلات الموسيقية العراقية من أيدي الصن ...
- الكهوف الدينية
- حين تبدأ النهضة من العقل
- مبدأ النعت وشرف الخصومة
- حين لا تكفي شهادة الوفاة: فاضل برواري نموذجاً
- رؤية المجتمع لليسار العراقي
- عبد الغني الاسدي بين القيادة والاقصاء
- الفصيلة
- تعارض الدين مع تطبيق الماركسية على المجتمع العراقي وضرورة تط ...
- ديناميكية المجتمع الديني والعلماني في العراق
- ارض الشهيد مقابل الجسد
- العلمانية بين الغباء الديني والسياسية الناجحة
- رجال الدين والسلطة
- مجازر لبناء المستقبل


المزيد.....




- معرض CES.. خاتم ذكي يتحكم بالأجهزة الإلكترونية ويراقب الصحة ...
- أخبار اليوم: الإعلان عن توقيع -عقود استراتيجية- بين سوريا وا ...
- باكستان تنهي عملية ضد انفصاليي بلوشستان ومقتل 216 متشددا
- السجن مدى الحياة على متهم بمحاولة اغتيال ترمب
- عقوبات بريطانية ضد قادة سودانيين لدورهم في تأجيج الصراع
- اليونان توقف مغربيا إثر حادثة اصطدام أودت بـ15 مهاجرا
- الكرملين يرفض مزاعم غربية عن ارتباط إبستين بالاستخبارات الرو ...
- انطلاق المحادثات الأميركية - الإيرانية في مسقط
- ترمب يدعو إلى -معاهدة جديدة ومحدثة- مع روسيا بعد انتهاء -نيو ...
- ترمب يحتاج إلى -الانتصارات الانتخابية- لإرضاء -كبريائه الشخص ...


المزيد.....

- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جعفر حيدر - النقشبندية وفروعها الثلاث