أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - جعفر حيدر - مبدأ النعت وشرف الخصومة














المزيد.....

مبدأ النعت وشرف الخصومة


جعفر حيدر

الحوار المتمدن-العدد: 8587 - 2026 / 1 / 14 - 23:17
المحور: الارهاب, الحرب والسلام
    


في مرحلة معيّنة يمرّ بها العراق، لم يعد حبّ الوطن فضيلة تُحترم، بل صار تهمة جاهزة تُرمى في وجه كل من يرفع صوته خارج القطيع، فكل من يطالب بدولة، أو قانون، أو كرامة، أو سيادة، يُسارعون إلى نَعته بأقبح المسميات وأسهلها تداولًا، فيقال عنه “بعثي” وكأن الانتماء للوطن لا بد أن يُختزل بتاريخ مظلم، أو يُقال “ابن السفارة” وكأن الوطنية لا تكون إلا ببطاقة ولاء، أو تُرمى عليه مسميات أخرى لا تقل انحطاطًا، تصل أحيانًا إلى حد الإسفاف الأخلاقي حين يُقال له “اعمل تحليل DNA” في إشارة مقصودة إلى التشكيك في نسبه وشرفه، وهي ذروة السقوط في الخصومة، لأن من يعجز عن مجابهة الفكرة، يطعن في الأصل، ومن لا يملك حجة، يبحث عن إهانة، وهنا يظهر بوضوح غياب ما يمكن تسميته بـ”شرف الخصومة”، ذلك المبدأ الذي يفترض أن يكون الخلاف فيه حول الرأي والموقف لا حول النَسَب والهوية والكرامة، فشرف الخصومة يعني أن تختلف مع خصمك دون أن تسقط إنسانيته، وأن تناقش فكرته دون أن تُدنّس عرضه، وأن تواجه موقفه بحجة لا بشتيمة، لكن ما يحدث اليوم هو عكس ذلك تمامًا، إذ تحوّل النعت إلى أداة سياسية رخيصة، تُستخدم لإسكات الأصوات الحرة، ولتشويه كل من يخرج عن السردية الجاهزة، فالوطني يُتهم بالبعثية، والمستقل يُتهم بالعمالة، والناقد يُتهم بأنه مدفوع من الخارج، وكأن حب العراق صار حكرًا على جهة، أو حزب، أو خطاب، وكأن الوطن شركة مسجّلة بأسماء محددة، من لا يحمل ختمها يُعتبر دخيلًا، والأخطر من ذلك أن هذا النعت لا يُستخدم فقط لإقصاء الرأي، بل لتبرير القمع، فحين يُوصم الإنسان بأنه “بعثي” أو “ابن السفارة” يصبح استهدافه مبررًا، ويُرفع عنه غطاء التعاطف، وتُسلب منه شرعية الكلام، وهنا تتحول اللغة من وسيلة تواصل إلى سلاح، ومن أداة نقاش إلى أداة اغتيال معنوي، أما عبارة “اعمل تحليل DNA” فهي ليست مجرد شتيمة عابرة، بل إعلان فاضح عن إفلاس أخلاقي، لأنها تنقل الصراع من السياسة إلى الحضيض، وتكشف أن من يستخدمها لا يؤمن لا بوطن، ولا بقيم، ولا حتى بأبسط قواعد الاحترام، فالذي يشكك في نسب غيره لأنه يختلف معه، هو في الحقيقة يشكك بنفسه وبما يدافع عنه، لأن القضايا العادلة لا تحتاج إلى هذا المستوى من الانحدار للدفاع عنها، إن شرف الخصومة ليس ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة لبقاء المجتمع متماسكًا، فحين تُكسر هذه القاعدة، يصبح الجميع أعداء، ويصير الحوار مستحيلًا، وتتحول السياسة إلى ساحة سباب، والوطن إلى ضحية، لذلك فإن أخطر ما يواجهه العراق اليوم ليس فقط الفساد أو الفشل، بل هذه الثقافة التي تُجرّم الوطنية، وتكافئ النفاق، وتُحوّل النعت إلى بديل عن الفكر، والإهانة إلى بديل عن الحجة، وفي ظل هذا الواقع، يبقى حب الوطن موقفًا شجاعًا، لأن من يحب العراق اليوم، عليه أن يتحمّل أن يُنعت، وأن يُشوَّه، وأن يُشكك في أصله، لكنه في المقابل، يحفظ لنفسه شرف الخصومة، ويترك للتاريخ أن يفرز من كان وطنيًا حقًا، ومن كان مجرد صراخ بلا أخلاق.



#جعفر_حيدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين لا تكفي شهادة الوفاة: فاضل برواري نموذجاً
- رؤية المجتمع لليسار العراقي
- عبد الغني الاسدي بين القيادة والاقصاء
- الفصيلة
- تعارض الدين مع تطبيق الماركسية على المجتمع العراقي وضرورة تط ...
- ديناميكية المجتمع الديني والعلماني في العراق
- ارض الشهيد مقابل الجسد
- العلمانية بين الغباء الديني والسياسية الناجحة
- رجال الدين والسلطة
- مجازر لبناء المستقبل


المزيد.....




- ترامب يوضح موقفه من استخدام الخيار العسكري ضد إيران
- أخبار اليوم: أكراد وعلويون يدعون لعدم استقبال الشرع في ألمان ...
- من بينها مصر والعراق... واشنطن تعلن تعليق إجراءات تأشيرات ال ...
- قطر ترحب ببدء المرحلة الثانية من اتفاق غزة وتدعو لتطبيقه كام ...
- حضرموت تطلق حملة لمنع التجول بالسلاح والمهرة تمهل المتورطين ...
- الاحتلال يعزل 80% من أراضيها.. ماذا يحدث في قرية مخماس بالقد ...
- -ما وراء الخبر- يبحث دوافع تهديد ترامب بضرب إيران مجددا
- ما حجم الضربة الأميركية المحتملة وكيف سترد إيران؟
- برلماني دانماركي يحذر من سيناريو كارثي في أزمة غرينلاند
- تعرف على نقاط التماس بين الجيش السوري و-قسد- غرب الفرات


المزيد.....

- حين مشينا للحرب / ملهم الملائكة
- لمحات من تاريخ اتفاقات السلام / المنصور جعفر
- كراسات شيوعية( الحركة العمالية في مواجهة الحربين العالميتين) ... / عبدالرؤوف بطيخ
- علاقات قوى السلطة في روسيا اليوم / النص الكامل / رشيد غويلب
- الانتحاريون ..او كلاب النار ...المتوهمون بجنة لم يحصلوا عليه ... / عباس عبود سالم
- البيئة الفكرية الحاضنة للتطرّف والإرهاب ودور الجامعات في الت ... / عبد الحسين شعبان
- المعلومات التفصيلية ل850 ارهابي من ارهابيي الدول العربية / خالد الخالدي
- إشكالية العلاقة بين الدين والعنف / محمد عمارة تقي الدين
- سيناء حيث أنا . سنوات التيه / أشرف العناني
- الجدلية الاجتماعية لممارسة العنف المسلح والإرهاب بالتطبيق عل ... / محمد عبد الشفيع عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - جعفر حيدر - مبدأ النعت وشرف الخصومة