أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - جعفر حيدر - حين يكون الشعب وطناً














المزيد.....

حين يكون الشعب وطناً


جعفر حيدر

الحوار المتمدن-العدد: 8636 - 2026 / 3 / 4 - 11:26
المحور: قضايا ثقافية
    


بقلم /جعفر حيدر
في الجغرافيا خرائط كثيرة، لكن الوطن ليس خطاً مرسوماً بقلمٍ سياسي، ولا نشيداً يُتلى في الصباحات المدرسية، الوطن فكرة أخلاقية قبل أن يكون قطعة أرض، وعدٌ ضمني بين الناس بأن لا يخاف أحدهم من الآخر، وأن لا يكون الاختلاف سبباً للاتهام، ولا الفقر سبباً للإذلال، ولا الرأي المختلف سبباً للإقصاء. السلام ليس هدنةً بين بندقيتين، بل حالة وعيٍ جمعيٍ تدرك أن الخسارة الحقيقية لا تكون في خسارة معركة، بل في خسارة الإنسان. حين تمشي في سوقٍ قديمٍ تختلط فيه لهجات متعددة، وتسمع بائعاً ينادي بلكنة جنوبية، ويرد عليه زبون بلكنة شمالية، ويمازحه ثالث بلهجة من الغرب، ثم يتشاركون جميعاً الشاي ذاته تحت شمسٍ واحدة، هناك يتجسد السلام بصورته الأصدق؛ سلام لا تصنعه المؤتمرات بل تصنعه العادات اليومية البسيطة التي تعترف بالآخر دون خوف.
المواطنة ليست بطاقة تعريف تُبرزها عند الحاجز، بل شعور داخلي بأنك شريك لا تابع، وأن كرامتك ليست منحة من أحد. حين يقف شاب في طابور التعيين، لا يسأل عن اسمه العائلي قبل أن تُفحص كفاءته، وحين تدخل فتاة قاعة الامتحان فلا يُنظر إلى انتمائها قبل أن يُنظر إلى ورقتها، وحين يتقاسم أبناء مدينةٍ ما الماء والكهرباء بلا تمييز، هناك تبدأ المواطنة بالتحقق. لقد رأينا في أكثر من مكان كيف يتحول غياب العدالة إلى شرارة احتقان، وكيف يمكن لفرصة عملٍ عادلة أن تطفئ ناراً كانت تكبر في الصدور. العدالة الاجتماعية ليست شعاراً يُكتب على الجدران، بل نظام توزيع عادل للفرص قبل الثروات، للحقوق قبل الامتيازات، هي أن يشعر ابن القرية البعيدة أن صوته مسموع كما يُسمع صوت ابن العاصمة، وأن تعب الفلاح لا يقل قيمة عن تعب الموظف، وأن دم الجندي لا يختلف عن دم المدني.
أما التعددية الفردية فهي الاعتراف بأن الإنسان ليس نسخة مكررة من غيره، وأن المجتمع الذي يخاف من التنوع يشبه حديقةً تقرر أن تزرع نوعاً واحداً من الزهور، فتفقد ألوانها ورائحتها ودهشتها. في مدينةٍ تعاقبت عليها حضارات وأديان وأفكار، لا يمكن أن يُختزل الناس في قالب واحد دون أن يُظلم التاريخ نفسه. هناك من يؤمن بطريقته، وهناك من يفكر بأسلوب مختلف، وهناك من يختار أن يعيش حياته بعيداً عن صخب الجماعات، وكلهم في النهاية أبناء الأرض ذاتها. التعددية لا تعني الفوضى، بل تعني أن يكون القانون مظلةً تحمي الجميع دون أن تفرض على أحدٍ أن يتنازل عن خصوصيته. وحين يُسمح للصحفي أن ينتقد دون خوف، وللفنان أن يرسم دون رقابة تعسفية، وللمواطن أن يحتج سلمياً دون أن يُتهم بالخيانة، فإن المجتمع يكون قد قطع شوطاً كبيراً نحو نضجه.
في بلدانٍ عانت طويلاً من الصراعات، تعلم الناس أن العنف لا يبني دولة، وأن الطائفية السياسية تستهلك طاقاتهم كما تستهلك النار الحطب، وأن الخارج لا يدخل إلا حين يجد باباً مفتوحاً من الداخل. لذلك فإن السلام الحقيقي يبدأ بإغلاق أبواب الكراهية قبل إغلاق الحدود، وبترميم الثقة بين الجار وجاره قبل توقيع الاتفاقيات. رأينا كيف يمكن لمبادرات شبابية بسيطة أن تنظف شارعاً أهملته البلديات، وكيف يمكن لحملة تبرعٍ شعبية أن تسند عائلة منكوبة قبل وصول أي مؤسسة رسمية، وكيف يمكن لمجموعة طلاب أن تنظم ندوة حوار بين اتجاهات فكرية مختلفة دون أن يتحول النقاش إلى خصومة. هذه الأفعال الصغيرة هي اللبنات الأولى لدولة عادلة، لأنها تُرسّخ ثقافة المشاركة بدل ثقافة الاتهام.
العدالة الاجتماعية أيضاً تعني أن لا يُترك ضحايا الفقر والحروب على هامش المشهد، وأن لا يتحول ملف الشهداء والنازحين والجرحى إلى أرقامٍ في تقارير رسمية. حين تُعالج جراح الماضي بإنصاف، ويُحاسَب الفاسد مهما كان اسمه، ويُعاد المال العام إلى خزينة الناس، يشعر المواطن بأن الدولة ليست خصماً بل حامياً. لقد أثبتت تجارب كثيرة أن الشعوب التي تُغلق ملفاتها المؤلمة دون مصارحة، تبقى أسيرة لها، أما التي تواجه أخطاءها بشجاعة فتمتلك فرصة البدء من جديد.
السلام والمواطنة والعدالة والتعددية ليست مفاهيم مثالية تعيش في الكتب، بل شروط واقعية لبقاء أي أمةٍ تريد أن تعيش بكرامة. الأمة التي عرفت الكتابة منذ آلاف السنين، والتي سارت على أرضها قوافل التجارة والعلم، والتي اختلط في أنهارها الطين بالدم ثم عاد فاختلط بالقمح، لا يمكن أن تختصر نفسها في صراعٍ عابر أو انقسامٍ طارئ. قوتها في تنوعها، وصلابتها في قدرتها على النهوض بعد كل كبوة، وكرامتها في أن تضع الإنسان فوق كل اعتبار. وحين تتعلم الأرض أن تكون وطناً للجميع، لا غالب فيها إلا القانون، ولا مفضل إلا الكفء، ولا صوت أعلى من صوت العدالة، عندها فقط يتحول السلام من حلمٍ مؤجل إلى واقعٍ يومي، وتصبح المواطنة هويةً جامعة لا شعاراً موسمياً، وتغدو التعددية ثراءً لا تهديداً، ويولد جيلٌ جديد لا يسأل: من أنت؟ بل يسأل: ماذا يمكن أن نبني معاً؟



#جعفر_حيدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يمر الضوء على هيئة امرأة
- حين تصبح المرأه قصيدةً لا تُنسى
- حرب الظلال بين إسرائيل وإيران: والضحايا الذين يسقطون بصمت في ...
- إيران والتنظيمات المتطرفة: جدل المصالح والتناقضات
- الورم الخبيث: علاقة ايران بتدمير الاستقرار
- العراق اولاً: حقيقة الدم التي لايمكن انكارها
- فلاديمير لينين: حين تتحول الفكرة الى قوة تغير مسار السياسة ا ...
- التعددية الفردية: حين يتحول الاختلاف الى طاقة للحياة
- العدالة: الميزان الذي تقوم عليه حياة الناس
- المواطنة: الشراكة التي تصنع وطناً لا مجرد أرض
- السلام: من شعور فردي إلى نظام مجتمع
- حادثة يوم الشهيد: جدل التفتيش والذاكرة في مقر الحزب الشيوعي ...
- من السلام نبدأ: كيف يصنع الشباب أمةً عراقيةً واحدة
- التوترات المدنية: بين الدعوة والشيوعية
- في نقد أروع قصائد شاعر الوطن: مظفر النواب
- بائع الوطن ودافع الثمن
- مجزرة الحكيم باليسار الشيوعي
- العظام والمهام
- قلة الوعي تهدم الحضارة
- النقشبندية وفروعها الثلاث


المزيد.....




- بحيرات الملح الملونة في مصر.. مشاهد جوية لفسيفساء من عالم آخ ...
- بعد شن إسرائيل موجة جديدة واسعة من الضربات على إيران.. جنرال ...
- فيديو متداول لـ-خروج مظاهرات مصرية مؤيدة لإيران-.. ما حقيقته ...
- لبنان.. تصاعد الدخان قرب مطار بيروت الدولي
- الذكاء الاصطناعي والروبوتات في صدارة مؤتمر برشلونة مع دخول ا ...
- إيران تودّع خامنئي في مراسم تستمر ثلاثة أيام.. وإسرائيل توجّ ...
- الإيرانيون يودعون خامنئي في مراسم تشييع وطنية تستمر ثلاثة أي ...
- امنح سيارتك اكسير الحياة.. أسرار تجعل المحرك يعيش للأبد
- الصيام ليس سببا.. العادات الحديثة تسرق نومنا في رمضان
- بعد تعهد ترمب بتأمين السفن.. الحرس الثوري يعلن -السيطرة الكا ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - جعفر حيدر - حين يكون الشعب وطناً