جعفر حيدر
الحوار المتمدن-العدد: 8640 - 2026 / 3 / 8 - 09:21
المحور:
قضايا ثقافية
الشباب بين الصراحة والوقاحة
بقلم / جعفر حيدر
يعيش الشباب في زمن سريع التحولات، زمن باتت فيه الكلمات تُقال بلا حساب أحيانًا تحت مسمى الحرية والصراحة، حتى اختلطت الحدود بين التعبير الصادق وبين الوقاحة التي تُجرّح ولا تُصلح، فصار البعض يظن أن قول الحقيقة يعني أن يُلقي كلامه كما يشاء دون مراعاة شعور الآخرين أو احترام الفوارق العمرية والاجتماعية، بينما الصراحة الحقيقية ليست أن تضرب الناس بكلامك، بل أن تقول ما تؤمن به دون أن تهدم كرامة غيرك، ومع انتشار وسائل التواصل أصبح من السهل على الشاب أن يُصدر رأيًا قاسياً أو تعليقًا لاذعًا وهو يعتقد أنه يعبّر عن شخصيته القوية، لكنه في الحقيقة يخلط بين الجرأة المطلوبة للتعبير عن الذات وبين الوقاحة التي تعكس ضعفًا في التربية وفي القدرة على ضبط النفس، لأن الصراحة تحتاج وعيًا ولطفًا وحسن اختيار للكلمات، أما الوقاحة فهي رد فعل سريع صادر من نفس غير ناضجة تبحث عن لفت الانتباه أو إثبات الذات، وفي مجتمعاتنا التي تعاني من ضغط اقتصادي وسياسي ونفسي كبير أصبح بعض الشباب يتبنى أسلوب المواجهة الكلامية الصادمة اعتقادًا منه أنها القوة، بينما القوة الحقيقية تكمن في أن تكون صريحًا بلا إيذاء، واضحًا بلا تجاوز، قادرًا على قول ما تريد لكن بدرجة من الاحترام تجعل الآخرين يتقبلونك بدل أن ينفروا منك، وهذا الخلط بين الصراحة والوقاحة أدى إلى مشاكل في العلاقات الاجتماعية، داخل العائلة، بين الأصدقاء، وفي بيئة العمل، لأن الشاب الذي لا يميّز بين الحق في الكلام وبين سوء الأدب يُفقد نفسه فرصًا كثيرة ويخلق حوله دائرة من التوتر، بينما الصريح المتزن يكسب احترام الجميع لأنه يعرف كيف يوازن بين الحقيقة والمشاعر، وبالتالي فإن الوعي بهذه الحدود مهم جدًا لبناء مجتمع قادر على الحوار، فالشباب هم أكثر الفئات التي تحتاج إلى فهم الفرق بين التعبير المسؤول وبين التجاوز، لأن مستقبلهم يعتمد على قدرتهم في التعامل مع الناس، وتكوين علاقات قوية، والنجاح في بيئات تتطلب ذكاءً اجتماعيًا لا مجرد كلام منفلت، وهكذا يصبح من الضروري أن يدرك الشباب أنّ الصراحة قيمة عظيمة إذا اقترنت بالاحترام، وأن الوقاحة ليست شجاعة بل نقصًا يُظهر ما في الداخل أكثر مما يجرح الخارج، وأن الإنسان كلما زاد أدبه زادت قوة كلمته، وكلما اختار أسلوبه بعناية صار أثره أعمق وأقرب للقلوب.
#جعفر_حيدر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟