أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جعفر حيدر - استغلال المناصب














المزيد.....

استغلال المناصب


جعفر حيدر

الحوار المتمدن-العدد: 8642 - 2026 / 3 / 10 - 08:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


حين تتحول السلطة إلى غنيمة حزبية يمكن القول إن واحدة من أخطر أزمات الدولة العراقية بعد 2003 لم تكن فقط في ضعف المؤسسات أو هشاشة القوانين، بل في الطريقة التي جرى بها التعامل مع المنصب العام بوصفه ملكًا حزبيًا لا أمانة وطنية، حيث برزت الأحزاب الإسلامية بوصفها اللاعب الأكثر حضورًا في هذا المشهد، لا من حيث الخطاب الديني الذي رفعته، بل من حيث الممارسة السياسية التي مارستها، إذ تحولت الوزارات والهيئات المستقلة والدرجات الخاصة إلى أدوات لتعزيز النفوذ الحزبي، وتمويل التنظيم، وترسيخ الولاءات، بدل أن تكون وسائل لخدمة المواطن وبناء الدولة، فالموقع الوظيفي لم يعد يُمنح على أساس الكفاءة أو الخبرة، بل على أساس القرب العقائدي والانتماء التنظيمي، وأحيانًا على أساس الطاعة العمياء، وهو ما أنتج جهازًا إداريًا مترهلًا، يفتقر إلى المهنية، ويعجز عن اتخاذ القرار المستقل، لأن قراره الحقيقي يأتي من خارج الدولة، من مكتب حزب أو جهة دينية أو زعيم سياسي، وهنا تبدأ الكارثة، إذ تُفرغ الدولة من مضمونها، وتتحول إلى واجهة شكلية تُدار من الخلف، وتُستخدم القوانين فيها بانتقائية، فحين يكون القانون في مصلحة الحزب يُطبّق بحزم، وحين يكون ضده يُعطّل أو يُفسّر أو يُنسى، وفي ظل هذا الواقع جرى استغلال المناصب لتحقيق مكاسب اقتصادية هائلة، من خلال العقود الوهمية، والمشاريع المتلكئة، وتعيينات المحسوبية، والرواتب المزدوجة، والفضائيين، حتى أصبح المال العام موردًا حزبيًا غير معلن، يُصرف على الحملات الانتخابية، وعلى شراء الولاءات، وعلى توسيع الشبكات التابعة، بينما بقي المواطن يواجه الفقر، والبطالة، وانهيار الخدمات، دون أن يجد من يُحاسب أو يُسأل، لأن منظومة الاستغلال هذه محمية سياسيًا ودينيًا، وتُقدَّم دائمًا تحت عناوين “المظلومية” أو “حماية المذهب” أو “الدفاع عن الهوية”، وهي عناوين استُهلكت حتى فقدت معناها، بل تحولت إلى غطاء أخلاقي لتبرير الفشل والفساد، والمفارقة أن هذه الأحزاب التي رفعت شعار الإسلام والأخلاق، ساهمت عمليًا في تشويه صورة الدين في الوعي العام، حين ربطت بين التدين والفساد، وبين الشعارات الدينية وسوء الإدارة، فصار المواطن يرى في الخطاب الديني السياسي أداة للهيمنة لا وسيلة للإصلاح، ومع مرور الوقت تراكم الإحباط الشعبي، وبرزت فجوة عميقة بين السلطة والمجتمع، فجوة غذّتها سياسات الإقصاء، وقمع الأصوات الناقدة، وتكميم الإعلام، واستخدام أجهزة الدولة أحيانًا لحماية الفاسدين بدل ملاحقتهم، وبذلك لم يعد استغلال المنصب حالة فردية أو انحرافًا عابرًا، بل أصبح بنية كاملة، ونمط حكم، وثقافة سياسية، لا يمكن معالجتها بشعارات الإصلاح السريعة، بل بإعادة تعريف المنصب العام بوصفه مسؤولية لا غنيمة، وبفصل الدين عن المصالح الحزبية، وبإحياء مفهوم الدولة التي تقف على مسافة واحدة من الجميع، لأن بقاء الحال على ما هو عليه لا يعني فقط استمرار الفساد، بل يعني تآكل ما تبقى من ثقة المجتمع، وتحويل الدولة إلى كيان هش، يعيش على إدارة الأزمات لا حلّها، وهو ثمن يدفعه العراقيون يوميًا، بينما يتقاسم آخرون السلطة باسم الدين، ويمارسون السياسة بلا أخلاق.



#جعفر_حيدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المحجبة بين العفة والاستحمار
- تحشيد المراهقات للدفاع عن المذهب
- جريمة الصمت: حين تُنتهك كرامة المرأة في الظل
- الشباب: بين الصراحة والوقاحة
- العولمة: وتأثيرها على المجتمع العراقي
- تحريك الشعب نحو الولاء
- الاقتصاد العراقي المعاصر
- السلطة والشعب: معادلة القوة في السياسة
- الحياة المركبة
- العراق: والثلاث مراحل
- نقد الادب العربي للماركسية
- حين يكون الشعب وطناً
- حين يمر الضوء على هيئة امرأة
- حين تصبح المرأه قصيدةً لا تُنسى
- حرب الظلال بين إسرائيل وإيران: والضحايا الذين يسقطون بصمت في ...
- إيران والتنظيمات المتطرفة: جدل المصالح والتناقضات
- الورم الخبيث: علاقة ايران بتدمير الاستقرار
- العراق اولاً: حقيقة الدم التي لايمكن انكارها
- فلاديمير لينين: حين تتحول الفكرة الى قوة تغير مسار السياسة ا ...
- التعددية الفردية: حين يتحول الاختلاف الى طاقة للحياة


المزيد.....




- منظمة الصحة تحذر من مخاطر -الأمطار السوداء- في إيران.. ماذا ...
- مجتبى خامنئي.. هل أصيب في القصف الأمريكي الإسرائيلي على إيرا ...
- من -بنت إبليس- إلى -حكاية نرجس-.. كيف تحولت جريمة حقيقية إلى ...
- لغز -التنين- المتردد.. لماذا لا تتدخل الصين في حرب إيران؟
- خلال الحرب.. كيف يتم التشويش على -جي بي إس-؟
- عاجل | وكالة أنباء كوريا الشمالية: بيونغ يانغ تدعم اختيار مج ...
- هرتسوغ يدافع عن ضرب مواقع النفط الإيرانية.. ماذا قال؟
- السعودية تعلن تدمير مسيّرتين في الربع الخالي
- الدفاعات الإماراتية تتعامل مع رشقة من الصواريخ الإيرانية
- عبد الله بن زايد يبحث مع مبعوث الصين الاعتداءات الإيرانية


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جعفر حيدر - استغلال المناصب