أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جعفر حيدر - كيف صارت الطائفية جسراً لنهب العراق















المزيد.....

كيف صارت الطائفية جسراً لنهب العراق


جعفر حيدر

الحوار المتمدن-العدد: 8644 - 2026 / 3 / 12 - 00:11
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


بقلم/ جعفر حيدر

لم يكن أخطر ما واجهته المجتمعات عبر التاريخ هو الجهل البسيط، بل ذلك الجهل الذي يتلبّس ثوب القداسة ويُرفع فوق رؤوس الناس بوصفه ديناً أو عقيدة أو دفاعاً عن المذهب، ففي اللحظة التي يتحول فيها الدين من منظومة قيم روحية وأخلاقية إلى أداة سياسية وعسكرية بيد جماعات تبحث عن السلطة أو النفوذ، تبدأ الكارثة الحقيقية، لأن الإنسان البسيط حينها لا يعود يرى الأشياء بعين العقل بل بعين الخوف من المقدس، وهنا ينشأ ما يمكن تسميته بالغباء الديني، ذلك الغباء الذي لا يقوم على قلة المعرفة فقط بل على إلغاء التفكير تماماً وتسليم العقل إلى شعارات عاطفية فارغة، وهذا النوع من الغباء هو الذي تسلل إلى الحياة السياسية في العراق خلال السنوات الماضية، حين ظهرت فئة تدّعي الدفاع عن المذهب لكنها في الواقع لم تدافع إلا عن مصالحها وارتباطاتها الخارجية، فصارت تخلط بين الولاء الديني والولاء السياسي لإيران، وتقدّم ذلك على أنه واجب عقائدي، بينما الحقيقة أن العراق دفع وما زال يدفع ثمناً باهظاً لهذا الخلط الخطير بين العقيدة والسياسة والسلاح.
إن المتابع لتاريخ العلاقة بين هذه الفصائل وإيران يلاحظ بسهولة كيف جرى تسويق فكرة أن الدفاع عن العراق يمرّ عبر طهران، وكأن العراق بلد عاجز لا يملك قراره ولا موارده ولا قدرته على حماية نفسه، مع أن الواقع يقول إن العراق يمتلك ثروات هائلة وطاقات بشرية كبيرة، لكنه ابتُلي بنخب سياسية حولت الولاء الخارجي إلى مشروع حكم، فصارت بعض الجماعات ترفع شعارات المذهب وهي في الحقيقة تفتح أبواب البلاد للتدخلات الخارجية، وبدلاً من أن يكون الدين حافزاً لبناء الدولة صار وسيلة لشرعنة الفساد والسرقة ونهب الثروات، وهنا يظهر الغباء الديني بأوضح صوره، لأن الإنسان الذي يصدق أن سرقة بلده يمكن أن تكون خدمة للمذهب إنما يعيش حالة انفصال كامل عن العقل والمنطق.
ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك ما جرى بعد عام 2003 حين تشكلت منظومة سياسية تعتمد على الأحزاب الدينية المسلحة، فبدأت هذه الأحزاب تتحدث باسم المذهب وتدعي أنها الحامي الوحيد له، بينما كانت في الوقت نفسه تسيطر على الوزارات والمؤسسات وتحوّلها إلى إقطاعيات حزبية، فتراجعت الخدمات الأساسية وتدهورت البنية التحتية وازداد الفقر والبطالة رغم مليارات الدولارات التي دخلت خزينة الدولة، وكل ذلك حدث تحت غطاء ديني وسياسي معاً، حتى صار من ينتقد الفساد يُتهم بمعاداة المذهب أو العمالة للخارج، وهي مفارقة ساخرة لأن الذين كانوا يرفعون هذا الاتهام هم أنفسهم الأكثر ارتباطاً بالخارج.
ومن الأمثلة الواقعية التي كشفت هذا التناقض ما جرى خلال انتفاضة تشرين عام 2019، حين خرج آلاف الشباب العراقيين إلى الشوارع مطالبين بوطن يحترم كرامتهم ويوفر لهم حياة لائقة، فلم يكن مطلبهم طائفياً ولا مذهبياً بل كان مطلباً وطنياً بسيطاً، لكن الرد الذي واجهوه كان الرصاص الحي والخطف والاغتيال، وسقط المئات من الشهداء وآلاف الجرحى، بينما حاولت بعض الفصائل تصوير المتظاهرين على أنهم عملاء أو مندسون، في حين أن الحقيقة التي يعرفها الجميع أن معظم هؤلاء الشباب كانوا أبناء هذا الوطن الذين سئموا من الفساد والتبعية، وهنا ظهر الغباء الديني مرة أخرى حين جرى تبرير قتل أبناء البلد بحجة حماية المذهب أو حماية “محور المقاومة”، وكأن المذهب لا يمكن أن يعيش إلا فوق جثث العراقيين.
وإذا عدنا قليلاً إلى الوراء سنجد أن التدخلات الإيرانية في العراق لم تكن يوماً مجرد علاقة طبيعية بين دولتين جارتين، بل كانت في كثير من الأحيان تدخلاً مباشراً في القرار السياسي والأمني، فظهرت فصائل مسلحة تعلن ولاءها العقائدي لقيادة خارج الحدود، وتصرّح علناً بأن مرجعيتها السياسية والعسكرية ليست بغداد بل طهران، ومع ذلك ظل هناك من يدافع عن هذا الوضع ويعتبره أمراً طبيعياً بل واجباً دينياً، وهنا تكمن المفارقة الكبرى، لأن الوطنية في أبسط تعريفاتها تعني أن يكون ولاء الإنسان لوطنه أولاً، لا أن يقدّم مصالح دولة أخرى على مصالح بلده، لكن الغباء الديني يجعل الإنسان يبرر كل شيء ما دام مغطى بشعار مذهبي.
وتتجلى نتائج هذا المسار أيضاً في الملف الاقتصادي، فالعراق الذي يمتلك ثروات ضخمة من النفط والغاز ما زال يعاني من أزمات الطاقة والكهرباء، ومع ذلك ظل يعتمد على استيراد الغاز والطاقة من إيران، حتى صار الاقتصاد العراقي مرتبطاً بشكل كبير بالقرار الإيراني، وعندما تتعرض خطوط الطاقة للقصف أو تتعطل الإمدادات يدخل البلد في أزمة خانقة، ومع ذلك لا نسمع اعتراضاً حقيقياً من أولئك الذين يرفعون شعار الدفاع عن المذهب، لأن ولاءهم السياسي يجعلهم يتغاضون عن كل هذه الأضرار التي تصيب الشعب العراقي، وكأن معاناة الناس ليست مهمة ما دام المشروع السياسي الذي يؤيدونه مستمراً.
إن المشكلة الحقيقية ليست في التدين بحد ذاته، فالدين في جوهره منظومة أخلاقية تدعو إلى العدل والرحمة واحترام الإنسان، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الدين إلى أداة بيد السياسيين أو الميليشيات، لأن هؤلاء لا يستخدمونه لإصلاح المجتمع بل لإخضاعه، فيصبح الدين غطاءً للسلطة والسلاح والفساد، وهنا يتحول التدين من قيمة روحية إلى حالة من الغباء الجماعي الذي يجعل الناس يدافعون عن الذين يسرقونهم ويبررون للذين يقتلون أبناءهم. الدين للفرد والوطن للجميع.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يواجهه العراق اليوم ليس فقط الفساد أو التدخل الخارجي، بل ذلك الوعي المشوه الذي يجعل بعض الناس يخلط بين الولاء الديني والولاء السياسي، فيتصور أن الدفاع عن إيران هو دفاع عن المذهب، وأن نقد الفصائل المسلحة هو عداء للعقيدة، مع أن الحقيقة أبسط من ذلك بكثير، فالمذهب لا يحتاج إلى من يسرق بلداً كاملاً باسمه، والدين لا يحتاج إلى من يحوله إلى بندقية موجهة نحو صدور أبناء الوطن.إن العراق لن ينهض ما دام هذا الخلط قائماً بين المقدس والسياسي، وما دام هناك من يعتقد أن الولاء لدولة أخرى يمكن أن يكون فضيلة دينية، فالأوطان لا تُبنى بالشعارات ولا تُحمى بالخرافات، بل بالعقل والوعي واحترام الإنسان، وحين يدرك العراقيون أن الدين الحقيقي لا يتعارض مع حب الوطن بل يؤكده، عندها فقط يمكن أن ينتهي زمن الغباء الديني الذي حوّل السياسة إلى ساحة صراع مذهبي، وحوّل العراق إلى ساحة نفوذ يتنازعها الآخرون بينما يدفع شعبه الثمن.



#جعفر_حيدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من الحلم الى الشهادة: سلام عادل ورحلة اليسار العراقي
- الرجل الذي حارب امبراطورية بلا سلاح
- العقيدة المتناثرة
- استغلال المناصب
- المحجبة بين العفة والاستحمار
- تحشيد المراهقات للدفاع عن المذهب
- جريمة الصمت: حين تُنتهك كرامة المرأة في الظل
- الشباب: بين الصراحة والوقاحة
- العولمة: وتأثيرها على المجتمع العراقي
- تحريك الشعب نحو الولاء
- الاقتصاد العراقي المعاصر
- السلطة والشعب: معادلة القوة في السياسة
- الحياة المركبة
- العراق: والثلاث مراحل
- نقد الادب العربي للماركسية
- حين يكون الشعب وطناً
- حين يمر الضوء على هيئة امرأة
- حين تصبح المرأه قصيدةً لا تُنسى
- حرب الظلال بين إسرائيل وإيران: والضحايا الذين يسقطون بصمت في ...
- إيران والتنظيمات المتطرفة: جدل المصالح والتناقضات


المزيد.....




- تكتل دولي يضم 8 دول يدين قيود الاحتلال في المسجد الأقصى خلال ...
- تحذير من الفتنة الطائفية.. الصدر يدعو العراقيين للحكمة والتآ ...
- فلسطين تدين استمرار إغلاق إسرائيل المسجد الأقصى أمام المصلين ...
- ماذا يعني تصنيف واشنطن جماعة الإخوان السودانية منظمة إرهابية ...
- وزير الخارجية اللبناني يطلب من الفاتيكان إنقاذ الوجود المسيح ...
- الجامع الكبير.. رمز تاريخي وروحاني في اليمن
- انتهاك صارخ.. الأردن يدين استمرار إسرائيل بإغلاق المسجد الأق ...
- د ب أ: الغموض يحيط بمكان المرشد الأعلى الجديد الإيراني
- مفتي سلطنة عُمان يهنئ بانتخاب -آية الله السيد مجتبى خامنئي- ...
- حماس: نتقدم بالتهنئة الخالصة إلى الإخوة في الجمهورية الإسلام ...


المزيد.....

- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي
- أنه الله فتش عن الله ونبي الله / المستنير الحازمي
- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جعفر حيدر - كيف صارت الطائفية جسراً لنهب العراق