جعفر حيدر
الحوار المتمدن-العدد: 8646 - 2026 / 3 / 14 - 11:12
المحور:
كتابات ساخرة
بقلم / جعفر حيدر
تبدو العلاقة بين السلطة والشعب في بعض الأزمنة وكأنها حكاية قديمة عن قططٍ متخمة وفئرانٍ مرعوبة، لا تُروى للأطفال للتسلية بل تُعاد يوميًا على مسرح الواقع، حيث تجلس القطط فوق المخازن مطمئنة، لا لأنها جائعة، بل لأنها تخشى حركة الفئران أكثر مما تشتهي افتراسها، فالفأر الصامت فأر آمن، أما الفأر الذي يصدر صوتًا أو يحاول الخروج إلى الضوء فيتحول فجأة إلى خطرٍ على النظام الطبيعي للأشياء، وهنا تبدأ المطاردة لا بوصفها دفاعًا عن الأمن، بل حمايةً لهيبة الشاربين الطويلين والمخالب اللامعة. في هذا العالم، يُسمح للفئران بأن تتكلم عن الجوع، لأن الحديث عن الجوع تشكيك في كفاءة القط، ولا يُسمح لها أن تسأل عن المخازن، لأن السؤال بذاته محاولة قضم، ولا يُسمح لها أن تتجمع، لأن اجتماع الفئران يُربك القطط ويجعلها تشعر بأن عددها ليس كبيرًا كما تتوهم. وهكذا تُسن القوانين كما تُنصب المصائد، لا لتمنع الفوضى، بل لتمنع الصوت، وتُصاغ التعليمات كما تُحكم الأقفاص، بحجة التنظيم بينما الغاية الحقيقية هي الطمأنينة النفسية للقط الجالس فوق السلطة. أما الحرية، فتُقدَّم للفئران بوصفها خطرًا عليها، ويُقال لها إن الصمت أمان، وإن الجدران حماية، وإن العتمة نعمة، بينما الحقيقة أن الفأر الذي لا يُسمح له بالكلام يتحول مع الوقت إلى ظل، والظل لا يطالب ولا يحتج ولا يذكّر القط بأن المخزن لم يُبنَ له وحده. إن المشكلة لا تكمن في كون القط يلاحق الفأر، فهذه غريزة مفهومة في قصص الحيوانات، بل في إصرار القط على الادعاء بأنه يفعل ذلك من أجل مصلحة الفأر، وأن الصمت حرية، والخوف حكمة، والقفص وطن، وحين يطول هذا المشهد، لا تموت الفئران فقط، بل تموت الحكاية نفسها، لأن السلطة التي لا تسمع إلا مواءها، ستكتشف متأخرة أن المخزن أصبح فارغًا، وأن الصمت الذي فرضته لم يكن طاعة، بل احتقانًا، وأن الفئران التي كُمِّمت أفواهها لم تختفِ، بل تعلمت كيف تعيش تحت الأرض، حيث لا تصل المخالب، وحيث تبدأ نهايات القطط عادةً دون ضجيج.
#جعفر_حيدر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟