أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - جعفر حيدر - الشارع الذي يختبر كرامة النساء كل يوم














المزيد.....

الشارع الذي يختبر كرامة النساء كل يوم


جعفر حيدر

الحوار المتمدن-العدد: 8649 - 2026 / 3 / 17 - 12:26
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
    


بقلم / جعفر حيدر
التحرش بالمرأة ليس حادثة عابرة يمكن أن تُختزل في ضحكة سمجة أو كلمة وقحة تُقال في شارع مزدحم، بل هو لحظة عنف حقيقية، لحظة تنكسر فيها ثقة الإنسان بالمكان الذي يقف فيه وبالناس الذين يمرون من حوله، لأن المرأة عندما تتعرض للتحرش لا تواجه مجرد كلمة رخيصة أو نظرة متفلتة، بل تواجه فجأة شعورًا قاسيًا بأنها صارت هدفًا لنظرات جائعة وعقول مريضة ترى فيها جسدًا لا إنسانًا، ولهذا فإن ردود فعل المرأة على التحرش لا تكون دائمًا بالصوت العالي أو بالضرب أو بالفضيحة كما يتخيل بعض الجهلة، بل قد تكون بالصمت والارتباك والتجمد، وقد ترتجف يداها ويضيق صدرها ويهرب صوتها، لأن الإنسان حين يُفاجأ بالعنف قد يتجمد قبل أن يقاوم، وهذه حقيقة نفسية يعرفها كل من درس السلوك البشري، ولكن المجتمع الجاهل – ذلك المجتمع الكسول فكريًا – يصر على أن يسأل السؤال الغبي نفسه كل مرة: لماذا لم تصرخ؟ لماذا لم تضربه؟ لماذا لم تفعل كذا وكذا؟ وكأن الضحية مطالبة بأن تكون بطلة في فيلم أكشن لا إنسانة تفاجأت بانتهاك كرامتها، والأسوأ من ذلك أن بعض الناس لا يكتفون بتجاهل بشاعة المتحرش بل يوجهون سهامهم إلى المرأة نفسها، فيفتشون في ملابسها، وفي طريقة مشيها، وفي ضحكتها، وفي وجودها في المكان، وكأنهم يقولون لها بشكل غير مباشر: أنتِ السبب، وهذه قمة الوقاحة الاجتماعية، لأن المتحرش في هذه اللحظة ليس مجرد شاب طائش كما يحب البعض أن يصفه بل هو شخص قرر أن يتصرف ككائن منحط يظن أن جسد امرأة يمر في الشارع هو فرصة ليتصرف كحيوان منفلت، والحقيقة القاسية التي يجب أن تُقال بلا تجميل أن كثيرًا من المتحرشين ليسوا سوى أشخاص ضعفاء أخلاقيًا وعقليًا، لا يملكون شجاعة الاحترام ولا تربية ضبط النفس، فيلجؤون إلى التحرش لأنهم يظنون أنه يمنحهم شعورًا زائفًا بالقوة، بينما هو في الحقيقة إعلان صريح عن فشلهم الإنساني، فالإنسان القوي لا يحتاج أن يثبت رجولته بمضايقة امرأة تمشي في طريقها، والإنسان السوي لا يشعر بلذة في تخويف شخص أضعف منه في موقف مفاجئ، ولهذا فإن وصف المتحرشين بأنهم "شباب فقط" هو تبرير سخيف، لأن الشباب ليس عذرًا للانحطاط، والرجولة ليست قدرة على إطلاق كلمات قذرة بل قدرة على احترام الآخرين، لكن المشكلة لا تقف عند المتحرش وحده، فهناك مجتمع كامل يساهم أحيانًا في صناعة الجريمة حين يحاصر الضحية باللوم والشكوك، فيجعل المرأة تشعر أن الفضيحة قد تلحق بها هي لا بالمعتدي، ولهذا نرى كثيرًا من النساء يلتزمن الصمت رغم الألم لأنهن يعرفن أن المجتمع قد يعاقبهن بدل أن يحميهن، وهذا ظلم مضاعف لا يليق بمجتمع يدّعي الأخلاق، لأن الكرامة الإنسانية لا تتجزأ، والمرأة ليست كائنًا ثانويًا في المجتمع بل نصفه الحيّ وركنه الأخلاقي والإنساني، وكل مجتمع يقلل من شأن المرأة أو يبرر إيذاءها إنما يعلن عن فقره الحضاري مهما تزين بالشعارات، فالمجتمعات المتقدمة لا تُقاس بعدد أبراجها أو حجم اقتصادها فقط بل بقدرتها على حماية أضعف أفرادها من الإهانة والعنف، وعندما تُحترم المرأة في الشارع والعمل والجامعة والبيت فهذا ليس ترفًا أخلاقيًا بل معيار أساسي لسلامة المجتمع كله، لأن المرأة ليست مجرد فرد يتعرض للتحرش أو الحماية، بل هي أم ومعلمة وطبيبة وكاتبة وعاملة وصانعة أجيال، واليد التي تمتد لإهانتها هي في الحقيقة يد تمتد لتشويه المجتمع نفسه، ولهذا فإن مواجهة التحرش ليست مهمة النساء وحدهن بل مسؤولية الرجال الأسوياء قبل غيرهم، مسؤولية القانون، مسؤولية التربية، مسؤولية الثقافة العامة التي يجب أن تفضح هذا السلوك القذر بلا مجاملة، وأن تقول بوضوح إن التحرش ليس مزاحًا ولا شقاوة شباب بل فعل حقير يمارسه أشخاص فقدوا احترامهم لأنفسهم قبل أن يفقدوا احترامهم للنساء، وعندما يبدأ المجتمع بفهم هذه الحقيقة ويتوقف عن محاكمة الضحية ويبدأ بمحاكمة المعتدي فقط، عندها فقط يمكن أن نقول إننا بدأنا نخطو خطوة صغيرة نحو مجتمع يحترم المرأة بوصفها إنسانًا كامل الكرامة لا جسدًا يمر في الشارع تحت أعين المتطفلين.



#جعفر_حيدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تكون الوحدة الوطنية هي الامل في البناء
- المؤسسات الخيرية المستقلة: بين والوجود والانقراض
- بارق عبدالله الحاج حنطة: سيرة وطن ورمز بطولة
- التسلق على دماء الشهداء
- المجتمع وتكفير الفلاسفة
- خيوط خفية في عالم الظلال
- السلطة والشعب كالقطط والفئران
- الانحطاط الاخلاقي في السياسة
- كيف صارت الطائفية جسراً لنهب العراق
- من الحلم الى الشهادة: سلام عادل ورحلة اليسار العراقي
- الرجل الذي حارب امبراطورية بلا سلاح
- العقيدة المتناثرة
- استغلال المناصب
- المحجبة بين العفة والاستحمار
- تحشيد المراهقات للدفاع عن المذهب
- جريمة الصمت: حين تُنتهك كرامة المرأة في الظل
- الشباب: بين الصراحة والوقاحة
- العولمة: وتأثيرها على المجتمع العراقي
- تحريك الشعب نحو الولاء
- الاقتصاد العراقي المعاصر


المزيد.....




- دور الأسرة في تعافي الأطفال من ويلات وانعكاسات ظروف الحروب? ...
- من رهينة إلى متهمة: قصة اختطاف الفتاة الثرية التي انتهت بانض ...
- دليل الأسرة للتكيف مع ارتفاعات الأسعار جراء حرب إيران
- “قضايا المرأة”: إصلاح قانون الأسرة هو قضية عدالة اجتماعية تم ...
- نقص الحديد شائع بين الفتيات المراهقات
- غارات باكستانية على أفغانستان: مقتل امرأة وطفلها وارتفاع ع ...
- الصحة الإيرانية: العدوان الأمريكى الصهيوني قتل 223 امرأة خلا ...
- “مؤسسة إدراك للتنمية”: 1219 جريمة عنف ضد النساء في مصر خلال ...
- “جمعية نهوض المرأة”: ترفض تغيير سن الحضانة أو المساس بقانون ...
- مصر: حكم بحبس الفنان محمود حجازي بتهمة الاعتداء على زوجته


المزيد.....

- بمناسبة 8مارس اليوم العالمى للمرأة ننشر:مقتطف من كتاب (النسا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- تصاعد حضور المرأة في مراكز صنع القرار، تجربة الدنمارك أنموذج ... / بيان صالح
- الحقو ق و المساواة و تمكين النساء و الفتيات في العرا ق / نادية محمود
- المرأة والفلسفة.. هل منعت المجتمعات الذكورية عبر تاريخها الن ... / رسلان جادالله عامر
- كتاب تطور المرأة السودانية وخصوصيتها / تاج السر عثمان
- كراهية النساء من الجذور إلى المواجهة: استكشاف شامل للسياقات، ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الطابع الطبقي لمسألة المرأة وتطورها. مسؤولية الاحزاب الشيوعي ... / الحزب الشيوعي اليوناني
- الحركة النسوية الإسلامية: المناهج والتحديات / ريتا فرج
- واقع المرأة في إفريقيا جنوب الصحراء / ابراهيم محمد جبريل
- الساحرات، القابلات والممرضات: تاريخ المعالِجات / بربارة أيرينريش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - جعفر حيدر - الشارع الذي يختبر كرامة النساء كل يوم