أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جعفر حيدر - سيجارة














المزيد.....

سيجارة


جعفر حيدر

الحوار المتمدن-العدد: 8665 - 2026 / 4 / 2 - 10:46
المحور: الادب والفن
    


بقلم/ جعفر حيدر
أشعلتُ سيجارةً وتلذذتُ بها كأنها أولُ سيجارةٍ استنشقتها في حياتي، واستحلّ روحي ذلك الطعمُ الغريب وكأنّهُ حبٌّ يتسلل بخبثٍ إلى قلبي، تهمس به رئتاي كغزلٍ جسديٍّ فاحش، كأنهما تمارسان نوعاً من الخيانة البطيئة ضدي، يتركان داخلي ممتلئاً ببقايا نشوةٍ قذرة لا تُرى ولكنها تُحسّ، دخّنتُ الكثير من السجائر والكثير من الخيبات والمتاعب في حياتي، لكن في مرحلةٍ ما لم أعد أدخّن لأجل الهروب… بل لأجل الفهم، بدأتُ أفتّش داخل هذا الدخان عن معنى، عن تفسيرٍ لهذا التعلّق الغريب بشيءٍ أعرف تماماً أنه يقتلني، وأقحمتُ نفسي في أسئلةٍ سخيفة ومتعبة، لكنّها كانت تلسعني بصدق، وكان أحدها: هل هذا هو الطعم الحقيقي؟ أم أنني تعلّمتُ أن أحبّ الأذى حتى صار طعمه حلواً؟
يا إلهي… كم هو جميلٌ بقدر ما هو قاتل، وكم هو قذرٌ بقدر ما هو صادق، هل في العادة تكون الأشياء الجميلة، الشبِقة، اللعينة… قاتلة؟ أم أننا نحن من نحوّلها إلى ذلك لأننا لا نعرف كيف نحبّ بدون أن نؤذي أنفسنا؟
تذكّرتُ شيئاً مقارباً، شيئاً أقذر من سيجارتي هذه… تذكّرتُ الوطن، نعم، ذلك المفهوم الذي يضعونه في فمك كأنه قصيدة، بينما هو في الحقيقة رصاصة، تذكّرتُ أن حبّ الوطن في بلدي ليس شعوراً نبيلاً كما يدّعون، بل هو نوعٌ من الانتحار المؤجل، تذكّرتُ أن الذين أحبّوه بصدق… ماتوا بصدق، وأن الذين صرخوا باسمه… انتهت أصواتهم تحت التراب، يا إلهي ما هذه الحياة؟ كلّ شيءٍ جميلٍ فيها يحمل بذرة قتلك، كلّ شيءٍ يشبه اللذة ينتهي بك إلى حفرة، حتى الحبّ… حتى الحلم… حتى تلك اللحظة التي تشعر فيها أنك حيّ، تكون أقرب لحظةٍ لموتك.
تذكّرتُ الثوّار في بلدي، لم يكونوا أغبياء كما يصوّرهم البعض، لم يكونوا سُذّجاً، كانوا يعرفون اللعبة جيداً، يعرفون أن هذا الطريق لا يقود إلى نصرٍ نظيف، بل إلى دمٍ كثير، إلى جسدٍ مثقوب، إلى أمٍّ تبكي بطريقةٍ لا يسمعها أحد، ومع ذلك ذهبوا، ليس لأنهم يحبّون الموت… بل لأنهم كرهوا الحياة بهذه الصيغة الوسخة، كرهوا أن يعيشوا بنصف روح، بنصف كرامة، بنصف معنى، فاختاروا أن يخسروا كل شيء دفعةً واحدة، وهذا بحد ذاته… مرعب أكثر من الموت.
هم الآن تحت التراب، وأنا هنا… ما زلتُ أتنفّس، وما زلتُ أدخّن، وما زلتُ أفكّر، لكن السؤال القذر الذي لا يتركني: هل أنا حيّ فعلاً؟ أم أنني فقط أتأخر في الموت أكثر منهم؟ هل الفرق بيني وبينهم هو الشجاعة؟ أم التوقيت؟ أم أنني ببساطةٍ لم أجد بعد الشيء الذي يستحق أن أُدمَّر من أجله؟
أسحب نفساً آخر، أشعر به يحرقني من الداخل، ومع ذلك أبتسم، كأنني أقول له: “أقتلني على هواك وكيف ما تحب”، لأن الحقيقة التي بدأتُ أفهمها، والتي تضربني كصفعةٍ وسخة في وجهي، هي أننا لا نبحث عن الأشياء الجميلة لأنها جميلة… بل لأنها تملك القدرة أن تفعل بنا شيئاً، أن تهزّنا، أن تكسرنا، أن تثبت لنا أننا لسنا ميتين تماماً.
ربما لهذا أحببتُ السيجارة… لأنها لم تكذب، لم تدّعِ الطهارة، لم تلبس قناع الفضيلة، قالت لي منذ البداية: “أنا لذّة وسخة ونهاية بطيئة”… وأنا وافقت، بينما الحياة… كذبت عليّ كثيراً، زيّنت لي الخراب، وسمّت الألم أملاً، وسمّت الخسارة تجربة، وسمّت الصمت حكمة… وأنا صدّقتها كالأحمق.
الصدمة الحقيقية؟
ليست أن الأشياء الجميلة قاتلة…
بل أننا نعرف ذلك… ونركض نحوها بكلّ شغف.



#جعفر_حيدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تفكيك الألم والقداسة في قصيدة -دم سمائي- للشهيد صفاء السراي
- صفاء السراي: أيقونة الثورة العراقية في قصيدة “محطات”
- الاغتيالات الصامتة بين أروقة السلطة: حين يُغتال الإنسان وتُز ...
- حوُر
- التي تشبه الحور ولا تُسمّى
- المرأة : ودورها في تكوين ألامة العراقية
- العراق: بين نيران الصراع الإقليمي وغياب الوعي الوطني
- حين تسموا المبادئ فوق كل شيء
- رسالة إلى قاتلي..
- العراق وطن الجميع: كيف تتحول التعددية الى قوة وطنية
- سيف العدل بين القاعدة وإيران: قراءة في التحركات والعلاقات ال ...
- المرأة معيار انسانية المجتمع
- الشارع الذي يختبر كرامة النساء كل يوم
- حين تكون الوحدة الوطنية هي الامل في البناء
- المؤسسات الخيرية المستقلة: بين والوجود والانقراض
- بارق عبدالله الحاج حنطة: سيرة وطن ورمز بطولة
- التسلق على دماء الشهداء
- المجتمع وتكفير الفلاسفة
- خيوط خفية في عالم الظلال
- السلطة والشعب كالقطط والفئران


المزيد.....




- -مدخرات 15 عاما اختفت-.. شاهد دمار مدرسة للموسيقى ضربتها غار ...
- من رواد الفن الشعبي.. وفاة الفنانة العراقية ساجدة عبيد
- البوكر الدولي 2026.. الأدب العالمي يقرع جرس الإنذار
- المخرج من أزمة هرمز.. كيف تبدو مواقف وخيارات الأطراف المعنية ...
- آلام المسيح: ما الذي يجعل -أسبوع الآلام- لدى أقباط مصر مختلف ...
- فيلم -مايكل-.. جعفر جاكسون يعيد عمه إلى شاشة السينما
- فيلم -مشروع هيل ماري-.. خيال علمي يعيد الجمهور إلى دور العرض ...
- رئيس التمثيل الدبلوماسي الإيراني في القاهرة: إيران لن توافق ...
- عاش المسرح.. حيث يولد الإنسان من رماده.. كل يوم وكل دقيقة وأ ...
- حين يتّسع الفضاء وتضيق القراءة في راهن الندوات الأدبيّة


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جعفر حيدر - سيجارة