أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - جعفر حيدر - عبد الكريم قاسم: في نظر الواقع الحيادي














المزيد.....

عبد الكريم قاسم: في نظر الواقع الحيادي


جعفر حيدر

الحوار المتمدن-العدد: 8674 - 2026 / 4 / 11 - 23:31
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


بقلم / جعفر حيدر
يُعدّ الزعيم عبد الكريم قاسم إحدى أكثر الشخصيات تأثيرًا وإثارةً للجدل في تاريخ العراق الحديث، فقد جمع في مسيرته السياسية القصيرة بين روح الثورة ورغبة التغيير الجذري من جهة، وبين الارتباك السياسي وصعوبة إدارة التناقضات الداخلية من جهة أخرى، مما جعل تجربته محط دراسة معمّقة لكل من يبحث في تاريخ الدولة العراقية وصراعاتها. فمن ناحية الإيجابيات، كان قاسم مثالًا نادرًا للنزاهة الشخصية في الحكم، إذ عاش حياة متقشفة بعيدة تمامًا عن مظاهر الفساد، وسكن في مبنى وزارة الدفاع ولم يكوّن ثروة ولم يستغل منصبه يومًا، وهو ما جعله قريبًا من الناس، محبوبًا من الفقراء، وموضع ثقة شريحة واسعة رأت فيه نموذج الحاكم النزيه. كما أقدم على خطوة تاريخية عبر قانون الإصلاح الزراعي الذي وجّه ضربة قوية للإقطاع، ووزّع الأراضي على الفلاحين، وفتح الباب أمام تغيير اجتماعي كبير شمل الريف بأكمله، فكان ذلك القانون أحد أكثر قراراته تأثيرًا في البنية الطبقية للمجتمع العراقي. وإلى جانب ذلك أطلق مشاريع إسكان واسعة للطبقات المحرومة، مثل مدينة الثورة والشعلة وغيرها، وأسهم في إدخال آلاف الأسر الفقيرة إلى إطار حضري أكثر أمانًا، مما عزز من نمو الطبقة الوسطى الصاعدة، وترك آثارًا باقية حتى يومنا هذا. وعلى الصعيد الوطني، تبنى قاسم سياسة مستقلة قائمة على "العراق أولًا"، رافضًا الدخول في وحدة اندماجية متسرعة مع عبد الناصر، ومؤكدًا أن الوحدة لا تُفرض بقرارات فوقية بل تُبنى على أسس حقيقية. وفي عهده صدرت قوانين تقدمية مثل قانون الأحوال الشخصية لعام 1959، الذي اعتبر ثورة اجتماعية لصالح المرأة من خلال الحد من تعدد الزوجات وتنظيم الطلاق ومنح المرأة حقوقًا لم تكن موجودة من قبل، وهو قانون بقي أحد أعمدة التشريع الأسري في العراق لعقود. كما ركز على تحديث الجيش وتوسيع التعليم وبناء مؤسسات الدولة، وكان قريبًا من الناس، ينزل إلى الشارع ويزور الفقراء ويتعامل معهم ببساطة ميزته عن غيره من الحكّام.
لكن في مقابل هذه الإيجابيات الكبيرة، تراكمت سلبيات أثرت بشكل مباشر على استقرار حكمه وعلى مستقبل العراق. فقد كان عبد الكريم قاسم يميل إلى اتخاذ القرار بصورة فردية، وركز السلطات بيده بشكل كبير، مما جعل الدولة تعتمد على شخصه أكثر من اعتمادها على مؤسسات ثابتة، وهذا النمط الفردي تسبب في إضعاف النظام السياسي وجعل الحكم هشًا أمام المؤامرات والصراعات. كما لم ينجح في إدارة الصراع السياسي بين الشيوعيين والقوميين والبعثيين، فسمح تارةً بصعود الشيوعيين ثم اصطدم بهم، وفي الوقت ذاته دخل في مواجهة مع البعثيين والقوميين، مما خلق حالة من الاحتقان السياسي أدت لاحقًا إلى انقلابات ومحاولات اغتيال كادت تطيح بالدولة. ومن الجوانب السلبية أيضًا غياب رؤية اقتصادية شاملة؛ فرغم المشاريع العمرانية، لم يحقق نهضة اقتصادية متكاملة، ولم يستثمر أموال النفط بالشكل الأمثل، وبقيت البطالة والريف الفقير تعاني من أزمات بنيوية. واتسمت خطابات قاسم بالشعبوية المباشرة التي كان يوجّهها للناس متجاوزًا المؤسسات، مما تسبب في اتساع الفجوة بينه وبين النخب السياسية المدنية والعسكرية، وأدى إلى تقليل الدعم المؤسسي له. كما أن سياساته تجاه الجيش خلقت انقسامات بين الضباط، فلم يتمكن من إزالة التحزبات داخل المؤسسة العسكرية، بل اعتمد أحيانًا على الولاء الشخصي، وهو ما سهّل على خصومه داخل الجيش تنفيذ انقلاب 1963. وإلى جانب ذلك، فإن استقلاليته السياسية جعلته أحيانًا في عزلة إقليمية، خصوصًا بعد توتر علاقاته مع عبد الناصر والدول العربية، مما تركه بلا عمق سياسي أو دعم إقليمي في مواجهة خصومه.
وهكذا، فإن تجربة عبد الكريم قاسم كانت مزيجًا من النزاهة والتقدم الاجتماعي والإنجازات الوطنية من جهة، ومن الأخطاء السياسية وضعف إدارة الصراع وعدم بناء نظام مؤسسي من جهة أخرى، مما يجعل تقييمه تاريخيًا عملية معقدة تتطلب فهم الظروف الاجتماعية والسياسية التي أحاطت به، والاعتراف بأن شخصيته جمعت بين القائد المخلص الذي أراد الخير لشعبه، وبين رجل الدولة الذي لم يمتلك الأدوات الكافية لضبط التحولات العاصفة التي شهدها العراق آنذاك.



#جعفر_حيدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشيوعيين وعبد الكريم قاسم
- الفنون العراقية: بين لحن الشيوعية ودعم اليسار
- بين حرارة الصدق وتوتر الخطاب: قراءة في قصيدة بعث تشرين للأست ...
- لغة الشموخ والمواجهة في قصيدة غازي الجمل
- سيجارة
- تفكيك الألم والقداسة في قصيدة -دم سمائي- للشهيد صفاء السراي
- صفاء السراي: أيقونة الثورة العراقية في قصيدة “محطات”
- الاغتيالات الصامتة بين أروقة السلطة: حين يُغتال الإنسان وتُز ...
- حوُر
- التي تشبه الحور ولا تُسمّى
- المرأة : ودورها في تكوين ألامة العراقية
- العراق: بين نيران الصراع الإقليمي وغياب الوعي الوطني
- حين تسموا المبادئ فوق كل شيء
- رسالة إلى قاتلي..
- العراق وطن الجميع: كيف تتحول التعددية الى قوة وطنية
- سيف العدل بين القاعدة وإيران: قراءة في التحركات والعلاقات ال ...
- المرأة معيار انسانية المجتمع
- الشارع الذي يختبر كرامة النساء كل يوم
- حين تكون الوحدة الوطنية هي الامل في البناء
- المؤسسات الخيرية المستقلة: بين والوجود والانقراض


المزيد.....




- للأسبوع السادس.. آلاف المتظاهرين يخرجون في تل أبيب وحيفا ضد ...
- مزيدًا من التبعية: شركة صهيونية تؤمن إمدادات الغاز لمصر عبر ...
- دراسة أممية: مخاطر بيئية وصحية وخيمة لحروب النفط
- اللاجئون في مصر بين التصعيد الأمني وخطاب الكراهية الشعبي
- Congress’s To-Do List As It Returns To Washington – End The ...
- Peace for Iran: Declaration of Global Conscience
- Hormuz, Shipping Unions & Sailors
- Trapped in Iran, Trump Can Only Be Stopped By The American P ...
- مالي تسحب اعترافها بـ -البوليساريو- وتدعم سيادة المغرب على ا ...
- هل تقدم أفكار جرامشي رؤي مفيدة لعالمنا اليوم؟


المزيد.....

- كراسات شيوعية :تقرير عن الأزمة الاقتصادية العالمية والمهام ا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الثورة التحريريّة - التوجّه الإستراتيجي و البرنامج الأساسي - ... / شادي الشماوي
- هناك حاجة إلى دفن النظام الرأسمالي و ليس إلى محاولة - دَمَقر ... / شادي الشماوي
- ليست أزمة ثقافة: الجذور الطبقية والتاريخية لإشكالية الاندماج ... / رزكار عقراوي
- المنظّمة الشيوعيّة الثوريّة ، المكسيك و الثورة التحريريّة / شادي الشماوي
- كراسات شيوعية :صناعة الثقافة التنوير كخداع جماعي[Manual no74 ... / عبدالرؤوف بطيخ
- النظرية الماركسية في الدولة / مراسلات أممية
- البرنامج السياسي - 2026 / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- هل الصين دولة امبريالية؟ / علي هانسن
- كراسات شيوعية (الصراع الطبقي والدورة الاقتصادية) [Manual no: ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - جعفر حيدر - عبد الكريم قاسم: في نظر الواقع الحيادي