أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جعفر حيدر - دخول العاطفة المذهبية في التحليل السياسي














المزيد.....

دخول العاطفة المذهبية في التحليل السياسي


جعفر حيدر

الحوار المتمدن-العدد: 8702 - 2026 / 5 / 9 - 18:52
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بقلم / جعفر حيدر

دخول العاطفة المذهبية في التحليل السياسي ليس مجرد انحراف بسيط في زاوية النظر، بل هو تحوّل عميق في طريقة فهم الواقع وإنتاج المواقف، حيث تتحول السياسة من مجال يقوم على المصالح والوقائع والقراءة العقلانية إلى ساحة مشحونة بالانتماء والهوية والانفعال، وهذا التحول لا يحدث فجأة بل يتراكم عبر التاريخ والسرديات والخطاب العام، وعندما يصل إلى ذروته يصبح الفرد أو المحلل غير قادر على الفصل بين ما يريده أن يكون صحيحًا وبين ما هو صحيح فعلاً، فيبدأ بتفسير الأحداث لا كما هي بل كما تخدم انتماءه، وهنا تكمن الخطورة لأن التحليل يفقد وظيفته الأساسية وهي الفهم، ويتحول إلى أداة تبرير أو هجوم. في المجتمعات المتعددة مذهبيًا، مثل العراق، تكون الأرضية مهيأة أكثر لهذا النوع من التداخل، لأن الهوية المذهبية ليست مجرد تفصيل ديني بل ترتبط بالتاريخ والذاكرة الجماعية والشعور بالظلم أو التفوق أو التهديد، وبالتالي عندما يدخل العامل السياسي، يتم استدعاء كل هذا المخزون العاطفي ليؤثر في الحكم على الأحداث، فمثلاً قد يُنظر إلى قرار سياسي معين على أنه خطوة إصلاحية أو فساد واضح، لكن التقييم يتغير بالكامل عندما يُربط بهوية الجهة التي اتخذته، فإذا كانت "من نفس المذهب" يتم تبريره أو تخفيف حدته، وإذا كانت "من المذهب الآخر" يتم تضخيمه واعتباره دليلًا على سوء النية أو التآمر، وهذا لا يحدث بوعي دائمًا بل غالبًا بشكل تلقائي نتيجة تراكمات نفسية وثقافية. هذه العاطفة المذهبية تُغذيها عدة عوامل، أولها الخطاب السياسي نفسه، حيث تلجأ بعض القوى إلى استخدام اللغة المذهبية كوسيلة تعبئة وحشد، لأنها أسرع تأثيرًا من الخطاب العقلاني، فبدل أن تُقنع الناس ببرامجها أو كفاءتها، تخاطب مخاوفهم وهوياتهم، فتخلق شعورًا بأن الصراع ليس على إدارة الدولة بل على "الوجود" أو "الهوية"، وعندما يصل النقاش إلى هذا المستوى يصبح أي تنازل خيانة وأي نقد تهديدًا، وثاني هذه العوامل هو الإعلام، الذي في كثير من الأحيان لا يعمل كوسيط محايد بل كطرف منحاز، فيعيد إنتاج الأحداث بطريقة تخدم سردية معينة، فيبرز أخطاء طرف ويخفي أخطاء طرف آخر، ويستخدم مفردات مشحونة عاطفيًا بدل لغة تحليلية، مما يعمّق الانقسام ويغذي التحيز، وثالثها التعليم والتنشئة الاجتماعية، حيث يتلقى الفرد منذ الصغر روايات أحادية عن التاريخ والواقع، تُقدّم جماعته كضحية أو كصاحبة حق مطلق، دون فتح المجال لرؤية متعددة، فينشأ وهو يحمل تصورًا جاهزًا يصعب تغييره لاحقًا. عندما تتغلغل العاطفة المذهبية في التحليل السياسي، تظهر عدة نتائج خطيرة، أولها تشويه الواقع، لأن الأحداث لا تُقرأ بمعايير واحدة بل بمعايير مزدوجة، وثانيها تعطيل النقد الذاتي، حيث يصبح من الصعب على أي جماعة الاعتراف بأخطائها لأنها ترى نفسها دائمًا في موقع الدفاع، وثالثها تكريس الانقسام المجتمعي، لأن كل طرف يعيش في "حقيقة" مختلفة عن الآخر، ورابعها إضعاف الدولة، لأن الولاء يتحول من الدولة إلى الجماعة، فتُتخذ القرارات بناءً على الانتماء لا على الكفاءة أو المصلحة العامة، وخامسها فتح الباب أمام التدخلات الخارجية، لأن القوى الإقليمية والدولية تجد في هذا الانقسام فرصة للتأثير عبر دعم هذا الطرف أو ذاك تحت غطاء الحماية أو التوازن. الأخطر من ذلك أن العاطفة المذهبية لا تكتفي بتشويه الحاضر بل تعيد كتابة الماضي أيضًا، حيث يتم انتقاء أحداث تاريخية معينة وتضخيمها وربطها بالواقع الحالي، وكأن الصراعات القديمة ما زالت مستمرة بنفس الشكل، وهذا يخلق حالة من "الزمن المتجمد" التي تمنع المجتمع من التقدم، لأنه يبقى أسير ذاكرة مشحونة لا تسمح ببناء رؤية مستقبلية مشتركة. ومع ذلك، لا يمكن القول إن التخلص من هذا العامل ممكن بشكل كامل، لأن الهوية جزء طبيعي من الإنسان، لكن المشكلة ليست في وجود الهوية بل في تحويلها إلى أداة تحليل وحكم، والحل لا يكون بإنكارها بل بضبطها وإعادة وضعها في سياقها الصحيح، أي أن يكون الانتماء أمرًا شخصيًا وثقافيًا لا معيارًا لتقييم السياسات والقرارات. تجاوز هذا الإشكال يتطلب عدة خطوات متداخلة، منها تعزيز التفكير النقدي الذي يدرّب الفرد على الفصل بين الشعور والحكم، وإصلاح الخطاب الإعلامي ليكون أكثر مهنية وتوازنًا، وبناء مؤسسات دولة قوية تُعامل المواطنين على أساس المواطنة لا الانتماء، إضافة إلى تشجيع الحوار بين المكونات المختلفة لكسر الصور النمطية، والأهم من ذلك وجود نخب فكرية وسياسية تملك الشجاعة لمواجهة جمهورها بالحقيقة حتى لو كانت غير مريحة، لأن الاستمرار في مجاملة العاطفة لن يؤدي إلا إلى مزيد من التشظي. في النهاية، العاطفة المذهبية عندما تدخل التحليل السياسي تجعل من الصعب الوصول إلى فهم دقيق أو قرار رشيد، لأنها تُحوّل السياسة إلى ساحة صراع هوياتي مغلق، حيث لا مكان للحقائق بقدر ما هناك صراع على الروايات، وإذا لم يتم التعامل مع هذه الظاهرة بوعي وجدية، فإنها ستبقى أحد أهم العوائق أمام أي مشروع لبناء دولة مستقرة وعادلة، لأنها ببساطة تجعل كل طرف يرى نفسه على حق دائمًا، ويرى الآخر كخطر دائم، وفي ظل هذه المعادلة لا يمكن إنتاج سياسة متوازنة ولا مجتمع متماسك.



#جعفر_حيدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المحاصصة الطائفية وتوزيع الفساد بالتساوي
- النفوذ الأيراني في العراق
- نزيف السيادة: كيف تحوّل العراق إلى ساحة نفوذ اقتصادي وسياسي ...
- أبطال من مدينتي؛ مدينة التراب – الحمزة الشرقي
- خفايا تحت الطاولة: بين إيران والعراق ووجود قآني
- ورقة نقدية: بين القصائد الغزلية والقصائد السياسية لا تنتهي ا ...
- الاحتلال الفكري والعسكري الايراني؛ للشعب والحكومة العراقية
- اسائات قدمتها الحكومة الايرانية للدولة العراقية والشعب
- حين يُقتل الشرف باسم المرأة
- المخابرات في العراق: عين الدولة أم ساحة استهداف؟
- بين ضجيج الإعلام وقلق الواقع: قراءة في أزمة الغاز وصعود الأس ...
- حين نرتقي بالإنسان نُقيم أمة: نحو بناء مجتمع عراقي صالح يتجا ...
- ثورةُ وطن
- المعلم والأساليب النفسية
- الاحزاب والسلطة
- التكية الوليانية القادرية
- الماركسية: والوصول لها
- تحليل الصراع الطبقي: نظرة ماركسية _ اجتماعية
- الظروف الاجتماعية: في حقبة يسارية
- عبد الكريم قاسم: في نظر الواقع الحيادي


المزيد.....




- مع زيارة ترمب هكذا أصبحت الصين ترى الجيش الأمريكي
- إسرائيل تتجه لانتخابات مبكرة.. الائتلاف الحاكم والمعارضة يتس ...
- من المواكب إلى الطعام.. ماذا نعرف عن تأمين زيارة ترمب إلى ال ...
- ائتلاف نتانياهو يبادر بمقترح لحل الكنيست ويدفع إسرائيل نحو ا ...
- -فيرون- لديه الإجابة عن سبب فشل المفاوضات بين أمريكا وإيران ...
- بعد فقدان أميركيين.. المغرب يعلن العثور على -الجثة الثانية- ...
- روبيو يكشف أهداف ترامب من رحلة بكين.. وإيران في صدارتها
- -نحتفظ بحق الرد-.. طهران تطالب الكويت بالإفراج عن 4 إيرانيين ...
- إيران: الحصار يلقي بظلاله على القدرة الشرائية للمواطنين
- غيرت موقفها للمرة الأولى.. موركوفسكي تقود منعطفا جمهوريا بال ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جعفر حيدر - دخول العاطفة المذهبية في التحليل السياسي