أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة - جعفر حيدر - حين يُقتل الشرف باسم المرأة














المزيد.....

حين يُقتل الشرف باسم المرأة


جعفر حيدر

الحوار المتمدن-العدد: 8679 - 2026 / 4 / 16 - 09:50
المحور: ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة
    


بقلم / جعفر حيدر
في كل مجتمع يُفترض أنه يسير نحو العدالة، يبقى هناك اختبار حقيقي لا يُقاس بالشعارات ولا بالقوانين المكتوبة، بل بطريقة التعامل مع المرأة داخل البيت أولًا، ثم داخل الشارع، ثم داخل منظومة الدولة نفسها. العنف الأسري ضد المرأة، وما يُسمّى زورًا بـ“جرائم الشرف”، ليس سوى شكل من أشكال العنف المغلّف بثقافة موروثة، تُستخدم فيها الكلمات الكبيرة لتبرير أفعال صغيرة في إنسانيتها، لكنها كارثية في نتائجها. فالقتل تحت ذريعة الشرف ليس شرفًا، بل انهيارًا أخلاقيًا يختبئ خلف لغة اجتماعية تحاول أن تمنح الجريمة غطاءً مقبولًا، بينما هي في حقيقتها جرح عميق في جسد المجتمع كله.
العنف الأسري لا يبدأ من الضربة الأخيرة، بل يبدأ من فكرة السيطرة، من اعتبار المرأة أقل صوتًا، أقل قرارًا، أقل حقًا في الاختيار. وحين تتحول هذه الفكرة إلى سلوك يومي داخل بعض البيوت، يصبح العنف نتيجة طبيعية لعقلية لم تُبنَ على الشراكة بل على الهيمنة. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: أن يتحول البيت، الذي يُفترض أن يكون مساحة أمان، إلى أول مساحة يتم فيها كسر الإنسان نفسيًا قبل أن يُكسر جسديًا.
أما جرائم ما يُسمّى بـ“الشرف”، فهي في جوهرها ليست سوى ذريعة اجتماعية لتبرير فعل لا يمكن تبريره. لأن الشرف الحقيقي لا يُستعاد بالقتل، بل بالعدالة، ولا يُحفظ بإزهاق روح، بل بحماية حياة. وما يحدث في كثير من الحالات هو خلط خطير بين المفهوم الأخلاقي للشرف وبين ردود الفعل العنيفة التي لا تمتّ للأخلاق بصلة، بل تكشف خللًا في فهم معنى المسؤولية داخل المجتمع.
لكن الصورة لا تكتمل دون النظر إلى الجانب الآخر، إلى دور المرأة في بناء المجتمع نفسه. فالمرأة ليست عنصرًا ثانويًا في المعادلة الاجتماعية، بل هي جزء أساسي من تكوينها واستمرارها. هي التي تُشارك في صناعة الوعي من خلال التربية، وفي بناء المستقبل من خلال التعليم، وفي دعم الاقتصاد من خلال العمل، وفي تثبيت الاستقرار الأسري من خلال إدارة البيت وتربية الأجيال. المجتمع لا يُبنى برجل واحد ولا بعقل واحد، بل بتكامل الأدوار، والمرأة في هذا التكامل ليست طرفًا مساعدًا، بل طرفًا أصيلًا.
وفي عمق هذا الدور، يظهر أثر المرأة في تشكيل الأمة العراقية عبر الأجيال، فهي التي واجهت الحروب، والضغوط الاقتصادية، والتحولات الاجتماعية، وكانت في كثير من الأحيان الركيزة الصامتة التي حافظت على تماسك العائلة حين اهتزت الظروف من حولها. لم تكن مجرد شاهد على الأحداث، بل كانت جزءًا من صمودها واستمرارها، وهذا الدور لا يمكن تجاهله عند الحديث عن بناء المجتمع أو إصلاحه.
إن إصلاح المجتمع يبدأ من إعادة تعريف العلاقة مع المرأة، ليس كموضوع اجتماعي منفصل، بل كجزء من بنية الوعي العام. التعامل مع المرأة لا يجب أن يُبنى على فكرة السيطرة أو الوصاية، بل على فكرة الاحترام والشراكة. سواء كانت متعلمة أو ربة بيت، عاملة أو غير عاملة، فإن قيمتها لا تُقاس بالدور الاقتصادي فقط، بل بكونها إنسانًا كامل الحقوق والكرامة. تحسين هذا التعامل لا يبدأ من النصائح، بل من تغيير النظرة نفسها: من نظرة تقليدية ترى المرأة كمساحة حماية إلى نظرة حديثة تراها كمساحة مشاركة.
إن بناء علاقة صحية مع المرأة يبدأ من التفاصيل الصغيرة: من لغة الخطاب داخل البيت، من طريقة النقاش، من احترام الرأي، من إتاحة مساحة القرار، ومن رفض أي شكل من أشكال العنف مهما كان مبرره. فالمجتمع الذي يُبرر العنف داخل أسرته، سيعيد إنتاج العنف في كل مستوياته دون أن يشعر.
وفي النهاية، يمكن القول إن أي مجتمع يقيس تقدمه بعدد بناياته أو اقتصاده فقط، دون أن يقيسه بكرامة المرأة داخله، هو مجتمع يرى نصف الصورة فقط. لأن الإنسان لا يُقاس بقوته المادية، بل بقدرته على حماية أضعف حلقاته. وعندما تُصان المرأة، لا تُصان فردًا واحدًا، بل تُصان منظومة كاملة من القيم والإنسانية والاستقرار، وهذا هو المقياس الحقيقي لأي نهضة تُراد لها الاستمرارية.



#جعفر_حيدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المخابرات في العراق: عين الدولة أم ساحة استهداف؟
- بين ضجيج الإعلام وقلق الواقع: قراءة في أزمة الغاز وصعود الأس ...
- حين نرتقي بالإنسان نُقيم أمة: نحو بناء مجتمع عراقي صالح يتجا ...
- ثورةُ وطن
- المعلم والأساليب النفسية
- الاحزاب والسلطة
- التكية الوليانية القادرية
- الماركسية: والوصول لها
- تحليل الصراع الطبقي: نظرة ماركسية _ اجتماعية
- الظروف الاجتماعية: في حقبة يسارية
- عبد الكريم قاسم: في نظر الواقع الحيادي
- الشيوعيين وعبد الكريم قاسم
- الفنون العراقية: بين لحن الشيوعية ودعم اليسار
- بين حرارة الصدق وتوتر الخطاب: قراءة في قصيدة بعث تشرين للأست ...
- لغة الشموخ والمواجهة في قصيدة غازي الجمل
- سيجارة
- تفكيك الألم والقداسة في قصيدة -دم سمائي- للشهيد صفاء السراي
- صفاء السراي: أيقونة الثورة العراقية في قصيدة “محطات”
- الاغتيالات الصامتة بين أروقة السلطة: حين يُغتال الإنسان وتُز ...
- حوُر


المزيد.....




- مأساة إنسانية تهز المنصات.. ولادة طفلة مصرية بتشوه نادر يثير ...
- أوغندا: مبادرة محلية تعيد الإنسانية إلى الرعاية الصحية للنسا ...
- مصر:إدانة حقوقية بعد وفاة 7 عاملات في حريق بمصنع في الزواية ...
- عائلة الناشطة الإيرانية “نرجس محمدي” تحذر من تدهور حالتها ال ...
- “مؤسسة قضايا المرأة المصرية” تطالب بقانون يُبيح إجهاض ضحايا ...
- جيش الاحتلال يعيد للخدمة جنودا متهمين بتعذيب أسير فلسطيني وا ...
- -كأنّ قلبي وجد موطنه-: العمرة كما اختبرتها امرأة صمّاء
- اليونيسف: نصف مليون طفل/ة يعاني من سوء التغذية الحاد الوخيم ...
- الناشطة المغربية سعيدة العلمي تواجه السجن بالإضراب عن الطعام ...
- مصر: القبض على البلوجر “بيج ياسمين”.. السيطرة على أجساد النس ...


المزيد.....

- جدلية الحياة والشهادة في شعر سعيدة المنبهي / الصديق كبوري
- إشكاليّة -الضّرب- بين العقل والنّقل / إيمان كاسي موسى
- العبودية الجديدة للنساء الايزيديات / خالد الخالدي
- العبودية الجديدة للنساء الايزيديات / خالد الخالدي
- الناجيات باجنحة منكسرة / خالد تعلو القائدي
- بارين أيقونة الزيتونBarîn gerdena zeytûnê / ريبر هبون، ومجموعة شاعرات وشعراء
- كلام الناس، وكلام الواقع... أية علاقة؟.. بقلم محمد الحنفي / محمد الحنفي
- ظاهرة التحرش..انتكاك لجسد مصر / فتحى سيد فرج
- المرأة والمتغيرات العصرية الجديدة في منطقتنا العربية ؟ / مريم نجمه
- مناظرة أبي سعد السيرافي النحوي ومتّى بن يونس المنطقي ببغداد ... / محمد الإحسايني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ملف فكري وسياسي واجتماعي لمناهضة العنف ضد المرأة - جعفر حيدر - حين يُقتل الشرف باسم المرأة