أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - جعفر حيدر - نحنُ ما نكتبه: كيف تتحول القضايا إلى حضارات خالدة














المزيد.....

نحنُ ما نكتبه: كيف تتحول القضايا إلى حضارات خالدة


جعفر حيدر

الحوار المتمدن-العدد: 8711 - 2026 / 5 / 20 - 10:11
المحور: قضايا ثقافية
    


بقلم / جعفر حيدر
ليست القضايا التي يعيشها الإنسان اليوم أحداثًا عابرة تنتهي بانتهاء لحظتها، بل هي اللبنات الأولى التي تُبنى منها ذاكرة الشعوب، وهي المعاني التي تتحول مع الزمن إلى حضارات تُقرأ وتُفسَّر وتُحلَّل من قبل الذين يأتون بعدنا، فكل عصر يترك أثره الخاص، وكل جيل يزرع أفكاره داخل الزمن، إما أن يتركها حيّة تتناقلها العقول أو يتركها تموت بصمتٍ داخل الخوف واللامبالاة، وهنا يتجلى المعنى الحقيقي للوجود الإنساني؛ إذ لا يمكن للإنسان أن يكون كائنًا خُلق عبثًا أو وُجد بلا غاية، فالله سبحانه وتعالى لم يخلق شيئًا دون معنى، بل جعل لكل موجود وظيفة ورسالة وأثرًا، وحتى الإنسان الذي يظن نفسه عابرًا في هذا العالم يحمل داخله معنىً قد لا يكتشفه إلا حين يصطدم بالحياة وقضاياها وأسئلتها الكبرى، ولذلك فإن البحث عن المعنى ليس رفاهية فكرية، بل هو واجب وجودي يحاول الإنسان من خلاله أن يفهم سبب وجوده، وأن يترك أثرًا يدل عليه بعد موته، لأن الإنسان يموت جسدًا لكنه يبقى بما كتب وفكر ودافع عنه.
ولو تأملنا تاريخ الحضارات لوجدنا أن الأمم العظيمة لم تُخلَّد بسبب قوتها العسكرية فقط، بل بسبب قدرتها على التوثيق والكتابة وصناعة الفكرة، فالسومريون مثلًا لم يكونوا مجرد شعب عاش في جنوب العراق ثم انتهى، بل كانوا أول من أدرك أن القضية إذا لم تُكتب فإنها تموت، ولذلك نحتوا حياتهم على الألواح الطينية وابتكروا اللغة المسمارية كي يحفظوا ذاكرتهم من الضياع، فكتبوا عن الزراعة والحروب والآلهة والحب والأغاني والأساطير والقوانين، حتى أصبحت حياتهم اليومية بعد آلاف السنين مادة تُدرَّس وتُحلَّل، وكأنهم كانوا يدركون منذ البداية أن الشعوب التي لا تكتب تاريخها ستُكتب من قبل الآخرين، وأن الذي لا يوثق قضاياه سيأتي من يشوّهها أو يطمسها أو يعيد صياغتها بما يخدم مصالحه، ومن هنا نفهم لماذا كانت الكتابة بداية الحضارة، ولماذا كانت الكلمة أخطر من السيف أحيانًا، لأن السيف يقتل إنسانًا، أما الكلمة فقد تُحيي أمة كاملة أو تُسقطها.
وحين ظهرت إنخيدوانا، أول شاعرة معروفة في التاريخ، لم تكن مجرد امرأة تكتب الشعر، بل كانت تعبيرًا عن بداية الوعي الإنساني الذي يحاول تحويل المشاعر والأسئلة إلى نصوص خالدة، فقد تحولت القصيدة عندها إلى وثيقة حضارية تعبّر عن الإنسان ومخاوفه وأحلامه، ثم جاء حمورابي بعد ذلك ليكتب مسلته الشهيرة، فيضع أول قانون مدوَّن عرفه التاريخ، وكأن البشرية منذ بداياتها كانت تحاول أن تقول إن الحياة لا تُبنى بالفوضى، وإن الحضارة لا تقوم إلا حين يتحول الفكر إلى نظام، والقضية إلى نص، والمعنى إلى مشروع قابل للقراءة والاستمرار.
ومن هنا فإن الإنسان المعاصر يتحمل مسؤولية أخلاقية وفكرية تجاه عصره، لأن كل ما نعيشه اليوم سيتحول يومًا ما إلى مادة تاريخية يقرأها من سيأتون بعدنا، فالشاب الذي يخرج في مظاهرة مطالبًا بحقه في الحياة والكرامة ليس مجرد فرد غاضب، بل هو قضية كاملة تعبّر عن واقع سياسي واجتماعي مختل، والإنسان الذي يُقتل لأنه طالب بوطن أفضل لا يموت كرقم عابر، بل يتحول إلى سؤال أخلاقي يطارد التاريخ: لماذا قُتل؟ ومن قتله؟ ولماذا خافت السلطة من صوته؟ وكذلك فإن انعدام الخدمات، وانتشار الفقر، وضياع العدالة، وتحول الطائفية إلى أداة لتقسيم المجتمعات، كلها ليست تفاصيل صغيرة، بل قضايا وجودية تحدد شكل المستقبل الذي سنتركه للأجيال القادمة، لأن الحضارات لا تُقاس فقط بعدد الأبنية والطرق والجيوش، بل تُقاس بقدرتها على إنتاج العدالة والمعنى والوعي.
إن فلسطين مثلًا لم تعد مجرد أرض محتلة في الوعي الإنساني، بل أصبحت قضية تختصر الصراع بين الحق والقوة، بين الإنسان والسلاح، بين الذاكرة ومحاولات المحو، ولذلك فإن الكتابة عنها ليست مجرد تضامن عاطفي، بل فعل مقاومة ضد النسيان، لأن أخطر ما قد يحدث للقضية هو أن تتحول إلى خبر عابر يختفي مع الزمن، بينما الكتابة تحفظها داخل الوعي الجمعي للأمم، وتجعلها حيّة حتى بعد مرور العقود، وكذلك الحال مع كل القضايا الإنسانية الكبرى؛ فالسكوت عنها يعني القبول بها، أما الكتابة عنها فهي إعلان مستمر بأن الإنسان ما زال قادرًا على الدفاع عن قيمه ومعانيه.
إن المعنى الحقيقي للحضارة لا يكمن فقط في بناء المدن أو تطوير التكنولوجيا، بل في قدرة الإنسان على تحويل معاناته وأسئلته وأفكاره إلى أثر يبقى بعده، فالحضارة تبدأ من الوعي، ومن الإحساس بأن للحياة قيمة تستحق أن تُروى، وأن الإنسان ليس مجرد كائن يأكل وينام ثم يختفي، بل هو مشروع فكرة، وإذا فقد الإنسان قضيته فقد جزءًا كبيرًا من إنسانيته، لأن القضية هي التي تمنح للحياة اتجاهًا، وتجعل الفرد يشعر بأنه جزء من حركة التاريخ لا مجرد متفرج عليها، ولهذا فإن الأمم التي تموت هي الأمم التي تفقد قدرتها على إنتاج المعنى، بينما تبقى الأمم التي تحوّل أوجاعها إلى كتابة، وأسئلتها إلى فكر، وغضبها إلى مشروع حضاري.
إن السؤال الأهم الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: ماذا نملك؟ بل ماذا سنترك؟ هل سنترك نصوصًا تعبّر عن وعينا؟ هل سنترك قضايا تحفظ كرامة الإنسان؟ هل سنترك أفكارًا قادرة على بناء جيل جديد يفهم معنى الحرية والعدالة والانتماء؟ أم سنكون مجرد مرحلة صامتة تمر دون أثر؟ فالتاريخ لا يخلّد الصامتين، بل يخلّد أولئك الذين امتلكوا الشجاعة ليكتبوا، حتى لو كانت الكتابة ضد السلطة أو المجتمع أو الخوف نفسه، ولذلك فإن مسؤولية الكاتب والمثقف والإنسان الواعي اليوم ليست أن يصف الواقع فقط، بل أن يحاول فهمه وتفكيكه وتحويله إلى رسالة تبقى، لأن الحضارات العظيمة لم تُبْنَ على الصمت، بل على الكلمة، ولم تُخلَّد لأنها كانت بلا مشاكل، بل لأنها امتلكت من يكتب مشاكلها ويحوّلها إلى وعي إنساني خالد.



#جعفر_حيدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النظريات الأممية : الأمة العربية الأسلامية _ الأمة العراقية ...
- دخول العاطفة المذهبية في التحليل السياسي
- المحاصصة الطائفية وتوزيع الفساد بالتساوي
- النفوذ الأيراني في العراق
- نزيف السيادة: كيف تحوّل العراق إلى ساحة نفوذ اقتصادي وسياسي ...
- أبطال من مدينتي؛ مدينة التراب – الحمزة الشرقي
- خفايا تحت الطاولة: بين إيران والعراق ووجود قآني
- ورقة نقدية: بين القصائد الغزلية والقصائد السياسية لا تنتهي ا ...
- الاحتلال الفكري والعسكري الايراني؛ للشعب والحكومة العراقية
- اسائات قدمتها الحكومة الايرانية للدولة العراقية والشعب
- حين يُقتل الشرف باسم المرأة
- المخابرات في العراق: عين الدولة أم ساحة استهداف؟
- بين ضجيج الإعلام وقلق الواقع: قراءة في أزمة الغاز وصعود الأس ...
- حين نرتقي بالإنسان نُقيم أمة: نحو بناء مجتمع عراقي صالح يتجا ...
- ثورةُ وطن
- المعلم والأساليب النفسية
- الاحزاب والسلطة
- التكية الوليانية القادرية
- الماركسية: والوصول لها
- تحليل الصراع الطبقي: نظرة ماركسية _ اجتماعية


المزيد.....




- بوتين يحيي شي بمثل صيني شهير خلال الاجتماع: -يوم من فراقك كث ...
- النساء اللواتي -يزورهنّ ملاك الموت- كلّ شهر قبل الدورة الشهر ...
- قرارات إسرائيلية جديدة لتغيير معالم القدس
- صور أقمار صناعية تكشف دمارا بقطع بحرية إيرانية في ميناء ببند ...
- كتابات بجانب خريطة إيران خلال مؤتمر لوزير خارجيتها في الهند ...
- سوريا.. أحمد الشرع يكشف بصورة هدية من ترامب ويعلق
- شاهد: جماهير أرسنال تحتفل بجنون بلقب الدوري الإنجليزي بعد 22 ...
- واشنطن تستعد لاحتمال عودة الحرب وإيران تتوعد بـ-مفاجآت-.. وج ...
- أزمة تضرب قطاع الصناعات الكيماوية الألماني.. والحل بيد الساس ...
- شي جينبينغ وبوتين يفتتحان محادثات في بكين لتعزيز التعاون الا ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - جعفر حيدر - نحنُ ما نكتبه: كيف تتحول القضايا إلى حضارات خالدة