أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جعفر حيدر - سَتُحذف فلسطين دبلوماسياً _سياسياً















المزيد.....

سَتُحذف فلسطين دبلوماسياً _سياسياً


جعفر حيدر
كاتب سياسي _أجتماعي وقاص

(Jafar Haidar)


الحوار المتمدن-العدد: 8849 - 2026 / 10 / 5 - 12:52
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


منذ سنوات طويلة، تتكرر في المشهد السياسي عبارة «حلّ الدولتين» حتى أتت هذه اللحظة التي سأكتب فيها عن هذا الموضوع والذي كأنهُ المفتاح الوحيد لإنهاء الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، وتُطرح فكرة إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل باعتبارها الطريق الأكثر واقعية نحو السلام، إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل نريد السلام؟ بل: أي سلام نريد، وعلى حساب من سيكون ثمنه؟ فالسلام الذي لا يضمن قيام دولة فلسطينية حقيقية، ذات سيادة وحدود واضحة وعاصمة وحقوق سياسية كاملة، قد يتحول من مشروع لإنهاء الصراع إلى مشروع لإنهاء ما تبقى من القضية الفلسطينية سياسيًا، خصوصًا إذا جاءت المعاهدة في ظل اختلال واضح في موازين القوة بين الطرفين؛ فإسرائيل تدخل أي تفاوض وهي دولة قائمة بجيش قوي واقتصاد ومؤسسات وعلاقات دولية واسعة، بينما يدخل الفلسطينيون وهم ما زالوا يبحثون عن الدولة التي يفترض أن تكون طرفًا في الاتفاق أصلًا، وهنا تبدو المفارقة: كيف يمكن لطرف يملك الدولة أن يتفاوض مع طرف يسعى إلى الحصول عليها، ثم يُطلب من الاثنين أن يتفاوضا وكأنهما يقفان على أرض واحدة؟

ويرتبط اسم محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، منذ سنوات بخيار المفاوضات وحل الدولتين، وهو خيار يرى مؤيدوه أنه الطريق السياسي الممكن لقيام دولة فلسطينية، بينما يرى منتقدوه أن السنوات الطويلة من المفاوضات لم تحقق للفلسطينيين النتيجة التي انتظروها، وأن القضية بقيت عالقة بين الوعود والاتفاقيات والمبادرات الدولية. وهنا تظهر المشكلة الأكبر في السياسة الفلسطينية، وهي أنها لم تستطع الوصول إلى موقف فلسطيني موحد وقوي يستطيع الدخول إلى أي تسوية من موقع تفاوضي أفضل؛ فالانقسام الفلسطيني، والانقسام السياسي والجغرافي، وتعدد القوى والبرامج، جعل القضية في كثير من مراحلها تتحدث بأصوات متعددة، بينما كانت إسرائيل تتعامل مع الملف باعتباره قضية أمن وسياسة ومصالح استراتيجية. وبذلك أصبح الفلسطيني في بعض الأحيان يفاوض على مستقبل دولته وهو لا يمتلك حتى الأدوات السياسية الكافية لفرض شروطه، وكأن المطلوب منه أن ينتزع دولة من طاولة المفاوضات، بينما الطرف الآخر يمتلك على الأرض ما يجعله قادرًا على تغيير الوقائع قبل أن تنتهي المفاوضات.

أما إسرائيل، فقد أدركت منذ وقت مبكر أن السياسة ليست فقط بيانات وخطبًا ومؤتمرات، وإنما هي أيضًا إدارة لموازين القوة وصناعة للوقائع على الأرض. ولهذا فإن الخطر لا يكمن في توقيع معاهدة سلام بحد ذاتها، وإنما في أن تكون المعاهدة غير متوازنة، بحيث يحصل الطرف الأقوى على الأمن والاستقرار والاعتراف، بينما يحصل الطرف الأضعف على وعود مؤجلة وحدود غير مكتملة وسيادة منقوصة وملفات مؤجلة إلى مفاوضات أخرى. وفي هذه الحالة يمكن أن تتحول عبارة «حل الدولتين» إلى عنوان كبير يخفي تحته دولة فلسطينية محدودة الصلاحيات، مجزأة الأراضي، محاطة بقيود سياسية وأمنية، بينما تستمر إسرائيل كدولة مكتملة المؤسسات والسيادة. وهنا لا يعود السؤال: متى ستولد الدولة الفلسطينية؟ بل يصبح السؤال الأكثر قسوة: هل سيبقى من مشروع الدولة ما يكفي لولادتها أصلًا؟

وفي مقابل السياسة الفلسطينية القائمة على التفاوض، يقف العراق بموقف مختلف تجاه إسرائيل؛ فالعراق لم يقم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، وبقي الموقف الرسمي العراقي تاريخيًا رافضًا للاعتراف والتطبيع معها، كما بقيت فلسطين حاضرة بقوة في الخطاب السياسي والشعبي العراقي. ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى موقف البيرقدار بوصفه نموذجًا للخطاب العراقي الرافض لإسرائيل والداعم للقضية الفلسطينية، وهو موقف يختلف في جوهره عن الطريق الذي اختارته القيادة الفلسطينية في اعتماد المفاوضات وسيلة أساسية للوصول إلى الدولة. لكن الفرق هنا لا يعني أن الموقف العراقي وحده قادر على تغيير المعادلة، فالسياسة الدولية لا تتحرك بالمواقف وحدها، وإنما تحتاج إلى قوة وتأثير وتحالفات وأدوات قادرة على تحويل الموقف السياسي إلى نتيجة ملموسة، وهذه هي المعضلة التي واجهتها القضية الفلسطينية طوال عقود.

أما الدول العربية، فقد دخلت هي الأخرى في حالة من التباين تجاه إسرائيل والقضية الفلسطينية؛ فهناك دول وقعت اتفاقيات سلام، وأخرى أقامت علاقات وتطبيعًا مع إسرائيل، ودول ما زالت ترفض الاعتراف والتطبيع، بينما تستمر دول أخرى في التأكيد على أن أي سلام حقيقي يجب أن يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية. وبين هذه المواقف المتعددة يجد الفلسطيني نفسه أمام مشهد عربي غير موحد؛ بيانات تؤكد دعم فلسطين، ومؤتمرات تتحدث عن السلام، ومواقف سياسية مختلفة، وعلاقات دبلوماسية واقتصادية تتوسع مع إسرائيل في الوقت نفسه. وهنا تظهر مفارقة مؤلمة: فلسطين تحتاج إلى موقف عربي موحد ومؤثر، لكنها تجد أمامها عالمًا عربيًا متعدد الحسابات، لكل دولة فيه أولوياتها ومصالحها وحساباتها الإقليمية، حتى أصبح السؤال ليس فقط ماذا ستفعل إسرائيل، بل ماذا سيفعل العرب عندما يصبح الاتفاق أمرًا واقعًا؟

إن المشكلة الحقيقية ليست في كلمة «السلام»، فالسلام مطلب إنساني وسياسي، ولا يمكن لشعب أن يعيش إلى الأبد تحت الحرب والدمار والخوف، ولكن السلام الحقيقي لا يكون بمجرد توقيع الأوراق، وإنما بما تتركه هذه الأوراق على الأرض. فإذا أدت المعاهدة إلى دولة فلسطينية حقيقية ذات سيادة وحقوق وحدود واضحة، فإنها تكون خطوة نحو إنهاء الصراع، أما إذا أدت إلى تثبيت واقع تكون فيه فلسطين مقسمة وضعيفة ومحدودة السيادة، بينما تستمر إسرائيل في توسيع نفوذها وقدرتها على التحكم بمسار الأحداث، فإن المعاهدة قد تكون قد أنهت جانبًا من الصراع العسكري، لكنها لم تنهِ أصل المشكلة، بل ربما نقلتها من ميدان الحرب إلى ميدان السياسة.

ومن هنا يمكن طرح احتمال سياسي : إذا استمر الضعف الفلسطيني والانقسام العربي، واستمرت إسرائيل في امتلاك التفوق العسكري والسياسي والدبلوماسي، فقد يصل الأمر في المستقبل إلى مرحلة يصبح فيها «حل الدولتين» مجرد اسم لمشروع تاريخي لم يتحقق بالشكل الذي حلم به الفلسطينيون، بينما تتآكل فكرة الدولة الفلسطينية تدريجيًا تحت ضغط الأمر الواقع. وقد لا تختفي فلسطين من الخريطة في يوم واحد، ولكن الخطر الأكبر أن تبقى فلسطين موجودة في الخطابات والبيانات والقمم والمؤتمرات، بينما تتراجع قدرتها السياسية على تحقيق الدولة التي ناضلت من أجلها عقودًا. وعندها قد يكتب التاريخ أن الاتفاق الذي قيل إنه جاء لإنهاء الصراع لم ينهِ الصراع، وإنما أنهى آخر فرصة لقيام دولة فلسطينية بالشكل الذي كان الفلسطينيون ينتظرونه.

وهنا تبقى المفارقة الكبرى: قد يدخل الطرفان إلى قاعة المفاوضات للبحث عن السلام، لكن إذا كانت موازين القوة مختلة، فقد يخرج الطرف الأقوى وقد ضمن سلامه، بينما يخرج الطرف الأضعف وهو لا يزال يبحث عن دولته. فالمعاهدات لا تُقاس بجمال عناوينها، وإنما بما تمنحه للشعوب على الأرض، وفلسطين لا تحتاج إلى اسم جديد لقضيتها، بل تحتاج إلى مستقبل سياسي يحفظ أرضها وحقوق شعبها ويمنحها دولة حقيقية لا مجرد وعد مؤجل.



#جعفر_حيدر (هاشتاغ)       Jafar_Haidar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- معركة الأطفال
- في حضرة المجهول: رحلتي إلى الله
- تحقيق صحفي: خيوط متشابكة... قراءة في قضايا بان وسارة وريهام
- الاقتتال الداخلي بين أفراد المجتمع العراقي بسبب العولمة السي ...
- حين تتفتح الورود من دماء الشهداء
- الحملة السياسية الأمنية للزيدي: قيادة ذاتية أم تخطيط ومسرحية ...
- تشييع خامنئي في العراق: بين الموقف السياسي والتفسير الخاطئ
- عاشوراء.. حين تتكلم المدينة
- عاشوراء في مدينة التراب
- حين تتكاتف الأيادي: طريق الشعوب نحو السلام والتنمية
- رقية التي ترى الحياة في الأشياء الصغيرة
- الدوغمائية: حين يتحول الإنسان إلى سجين لفكرة
- أسباب الكراهية بين السنة والشيعة: دراسة تاريخية وفكرية
- أسباب الكراهية بين السنة والشيعة: دراسة تاريخية واجتماعية
- نحنُ ما نكتبه: كيف تتحول القضايا إلى حضارات خالدة
- النظريات الأممية : الأمة العربية الأسلامية _ الأمة العراقية ...
- دخول العاطفة المذهبية في التحليل السياسي
- المحاصصة الطائفية وتوزيع الفساد بالتساوي
- النفوذ الأيراني في العراق
- نزيف السيادة: كيف تحوّل العراق إلى ساحة نفوذ اقتصادي وسياسي ...


المزيد.....




- هايدي كلوم ولو صامويل.. تناغم الموضة بين الأم وابنتها في بار ...
- رحلة -فلاي دبي- إلى تل أبيب.. كيف فشلت إسرائيل في رصد الخطر ...
- ماذا تفعل عندما يُطرَح عليك هذا السؤال في مقابلة العمل؟
- التصعيد مستمر في الشرق الأوسط.. واشنطن تعزز وجودها في المنطق ...
- اجتماع عاجل لـ-تحالف مكة-.. التفاوض مع الحوثيين أم التحرك ال ...
- الشرطة الإسبانية تجلي أكثر من 3000 مهاجر من مخيم على شاطئ سب ...
- فيضانات تغمر الشوارع والطرق في أنحاء كتالونيا بأكملها
- إنذار استخباراتي عاجل.. واشنطن تسحب 12 قاذفة -بي-1- من بريطا ...
- كلاب وسلحفاة وحلزون يتلقون البركات في كنائس مانيلا وسانتياغو ...
- الانتخابات الرئاسية في البرازيل.. بولسونارو يتصدر النتائج و ...


المزيد.....

- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جعفر حيدر - سَتُحذف فلسطين دبلوماسياً _سياسياً