أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - جعفر حيدر - عاشوراء.. حين تتكلم المدينة














المزيد.....

عاشوراء.. حين تتكلم المدينة


جعفر حيدر

الحوار المتمدن-العدد: 8748 - 2026 / 6 / 26 - 09:01
المحور: قضايا ثقافية
    


حين يهلُّ هلال محرم على مدينة الحمزة الشرقي، لا يتبدل التاريخ فحسب، بل تتبدل ملامح المدينة بأكملها؛ فالأزقة التي كانت تضج بأحاديث الناس يغمرها صمتٌ مهيب، والبيوت التي اعتادت دفء الليالي تستقبل الحزن كضيفٍ كريم يعود كل عام حاملاً معه ذكرى الطف الخالدة. كأن المدينة كلها ترتدي السواد، لا على جدرانها وأبوابها فحسب، بل في أعماق أهلها وقلوبهم أيضاً.في مدينتي لا يأتي محرم بوصفه مناسبةً عابرة، بل يأتي كحالة وجدانية يعيشها الجميع؛ الشيخ الذي أثقلت السنين كتفيه، والشاب الذي لم يزل في مقتبل العمر، والطفل الذي لا يدرك تماماً معنى الفاجعة لكنه يبكي لأن الدموع لغةٌ تتوارثها الأجيال قبل الكلمات. هنا يصبح الحسين قضيةً يومية، ويغدو اسمه جزءاً من تفاصيل الحياة، حتى يخال للمرء أن المدينة كلها تنبض بذكره.
تمتد المواكب الحسينية من فلكة الجبور إلى فلكة الحكيم، فتتحول الشوارع إلى نهرٍ بشري يسير على إيقاع الحزن والمحبة. تتعالى أصوات الرواديد، وتختلط نغمات الدمام بدقات القلوب، فيما ترتفع الأكف على الصدور بضربات منتظمة كأنها إعلان وفاءٍ متجدد لرجلٍ وقف قبل أكثر من ألف عام ليحفظ للإنسان كرامته وحريته.وفي كل موكب حكاية، وفي كل تكية روح. الشاي المعطر بالهيل لا يُقدَّم بوصفه شراباً فحسب، بل بوصفه رسالة محبة، وكأس الماء الذي يوزعه شابٌ بسيط على المعزين يحمل في داخله معنىً أكبر من الماء نفسه؛ إنه استذكارٌ لعطش الحسين وأهل بيته في كربلاء. هنا تتساوى الأكتاف، فلا فرق بين غني وفقير، ولا بين مسؤولٍ ومواطن، فالجميع خَدَمٌ في مائدة الحسين، والجميع ينحنون أمام عظمة تلك الذكرى.أما كبار السن، أولئك الذين غزت الشيب رؤوسهم، فتراهم واقفين بين المواكب بهيبةٍ تشبه هيبة رجال الطف، يرددون القصائد بعيونٍ اغرورقت بالدموع، وكأنهم يحملون ذاكرة المدينة كلها في صدورهم. إن غاب أحدهم شعر الناس أن ركناً من أركان عاشوراء قد غاب معه.
وفي الليالي العاشورائية، حين يتصاعد دخان البخور في الهواء، وتمتزج رائحته برائحة الشاي والحطب، يشعر المرء أن الزمن قد توقف؛ فلا يبقى سوى الحسين، والدموع، والقصائد، وقلوبٌ اجتمعت على المحبة. عندها يعجز القلم عن وصف ما يجري في الداخل، لأن بعض الأحاسيس أكبر من اللغة، وبعض الدموع أبلغ من كل الكلمات.
وحين تنقضي الأيام العشرة، يعود الناس إلى حياتهم، لكن شيئاً من أرواحهم يبقى معلقاً في تلك الأزقة، وكأن المدينة كلها تدخل في حالة انتظارٍ طويلة حتى يعود محرم من جديد. فنحن لا نحزن لأن عاشوراء جاءت، بل نحزن لأنها سترحل، ولأن تلك الأيام القليلة تمنحنا شعوراً نادراً بالألفة والتراحم والتكاتف، ثم تمضي تاركةً في القلوب فراغاً لا يملؤه شيء.
هكذا هي عاشوراء في مدينتي؛ ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل روحٌ تسكن الناس، وموروثٌ شعبي وإنساني عظيم، وموعدٌ سنوي تتجدد فيه المحبة والوفاء، ويبقى فيه اسم الحسين منارةً تهدي القلوب قبل العقول.



#جعفر_حيدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عاشوراء في مدينة التراب
- حين تتكاتف الأيادي: طريق الشعوب نحو السلام والتنمية
- رقية التي ترى الحياة في الأشياء الصغيرة
- الدوغمائية: حين يتحول الإنسان إلى سجين لفكرة
- أسباب الكراهية بين السنة والشيعة: دراسة تاريخية وفكرية
- أسباب الكراهية بين السنة والشيعة: دراسة تاريخية واجتماعية
- نحنُ ما نكتبه: كيف تتحول القضايا إلى حضارات خالدة
- النظريات الأممية : الأمة العربية الأسلامية _ الأمة العراقية ...
- دخول العاطفة المذهبية في التحليل السياسي
- المحاصصة الطائفية وتوزيع الفساد بالتساوي
- النفوذ الأيراني في العراق
- نزيف السيادة: كيف تحوّل العراق إلى ساحة نفوذ اقتصادي وسياسي ...
- أبطال من مدينتي؛ مدينة التراب – الحمزة الشرقي
- خفايا تحت الطاولة: بين إيران والعراق ووجود قآني
- ورقة نقدية: بين القصائد الغزلية والقصائد السياسية لا تنتهي ا ...
- الاحتلال الفكري والعسكري الايراني؛ للشعب والحكومة العراقية
- اسائات قدمتها الحكومة الايرانية للدولة العراقية والشعب
- حين يُقتل الشرف باسم المرأة
- المخابرات في العراق: عين الدولة أم ساحة استهداف؟
- بين ضجيج الإعلام وقلق الواقع: قراءة في أزمة الغاز وصعود الأس ...


المزيد.....




- بعد زلزال فنزويلا.. كيف تُقاس قوة الزلازل ومتى تتحول إلى كار ...
- طائرة ضخمة تحلق على ارتفاع أقدام قليلة فوق سطح الأرض.. وإدار ...
- -أوسكار عالم الطعام-.. جوائز -جيمس بيرد- تكرّم أفضل المطاعم ...
- إقرار خِصم ترامب ومستشاره السابق جون بولتون بالذنب.. ما العق ...
- الجيش الروسي يعلن نتائج الضربة الجماعية السادسة في أسبوع على ...
- إسرائيل تلقي منشورات على بلدة المنصوري جنوبي لبنان لدعوة الس ...
- الأمين العام لحزب الله: -كسرنا المشروع الإسرائيلي الأمريكي- ...
- استطلاع رأي: الليكود يستعيد مقعداً.. واندماج -معًا-يشار- يعم ...
- المؤبد لسعودي أدين باعتداء دهس في سوق عيد الميلاد بألمانيا
- عمدة نيويورك يحيي ذكرى عاشوراء: الإمام الحسين رمز للعدالة وا ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - جعفر حيدر - عاشوراء.. حين تتكلم المدينة