أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جعفر حيدر - آخر معارك الأوباش














المزيد.....

آخر معارك الأوباش


جعفر حيدر
كاتب سياسي _أجتماعي وقاص

(Jafar Haidar)


الحوار المتمدن-العدد: 8852 - 2026 / 10 / 8 - 09:20
المحور: الادب والفن
    


في شتاءٍ قاسٍ، وفي هدوء الليل وتحت ضوء القمر، وتعلق تلك الروائح البرية على أطراف الورود وأغصان الشجر، كان البوم يقف كالمتمرد على إحدى أغصان اللوز، ينتظر تلك الفريسة الساذجة للخروج من جحرها. وكان الجنود أيضاً يترقبون ذلك الطُّعم.
قرب إحدى التلال، كان هناك أربعة جنود ينتظرون غفلة أحد جنود المعسكر الإسرائيلي، كي ينام برغد، فيتسللون إلى داخل المعسكر لقضاء حاجتهم على تلك الرتب المملة والتافهة. وبعد معارك طاحنة مع اليقظة والقهوة، غلب النوم ذلك الجندي، ولم يعد يشعر بما يدور حوله.
لا ننكر أن تلك الليلة العظيمة حدثت في عام 1977؛ تلك كانت آخر ليالي الغزل، ليلةٌ نام فيها كثيرون على أحلامهم الصغيرة، بينما كان الموت يختبئ خلف التلال.
كانت والدةٌ تنتظر ابنها أن يعود من المقهى كي تنام براحة، وزوجةٌ تنتظر زوجها ليأتي من العمل، فيمارسان الحب على ذلك السرير الأبيض بعد أن ينام الأطفال. وكان والدٌ ينتظر أبناءه الاثنين، ليبدأ بتعليمهم كيف يتحرك الحزام الجلدي على ظهورهم بعد أن تأخر الوقت، وكأن الليل لم يكن يحمل لهم سوى عتابٍ أبويٍّ عابر.
وفي الجهة الأخرى، كان أحد الأبناء يملك حبيبةً تنتظر رسائله، لتضعها تحت وسادتها كزهرةٍ باتت خميلتها من القماش.
تسلل أحد الجنود إلى سياج المعسكر، وكانت البوابة لا تبعد عنه سوى بضعة أمتار. وما إن اقترب حتى بدأت حرب السكاكين الخفية بينه وبين جنديين كانا يحرسون المكان. دقائق قليلة، وسقط الجنديان اليهوديان عند البوابة، وسُلِبت منهما أسلحتهما وبدلاتهما العسكرية.
لم تكن لدى الأبطال سوى ثماني قطع من السلاح وبضعة سكاكين بيضاء الحافة. ارتدى اثنان منهم البدلات العسكرية، ودخلا المعسكر بهدوء؛ هدوء سرطانٍ بدأ من موضعٍ صغير ثم أخذ ينتشر حتى آخر أطراف الإنسان، ذلك الذي يحدث للأطفال حين يمسهم الفقر، وحين يصبح الطعام العفن جزءًا من يومهم.
بدأت معركة من أشد المعارك في أحد ممرات المعسكر، بين غرف القادة السافلين. وفي الخارج، بدأ البطلان الآخران بدكّ المعسكر من خلف السياج، يضربان الحراس التافهين الذين زادت أوزانهم حتى بدت أثقل من الأسلحة التي يحملونها.
جرح الأبطال الذين احتلوا نصف المعسكر من الداخل، وأصابتهم خيبةٌ تشبه خيبة الانتصار حين يأتي ناقصًا. لكن لم يكن ذلك مهمًا؛ فالشهادة وسط العدو كانت بالنسبة إليهم أعظم انتصار.
دخل الآخران إلى المعسكر بعد أن أُسكتت النيران من الخارج، واستمرت المعركة بين الممرات والغرف حتى لم يبقَ داخل المعسكر سوى ثلاثين جنديًا يهوديًا.
اشتدت المعركة، وسقط عددٌ من الجنود في منتصف الممر، وكان الموت يقترب من الجميع دون أن يميز بين من جاء ليقاتل ومن جاء لينجو.
لكن هنا حدث ما لم يكن بالحسبان.
أيُعقل هذا؟ هل هي معجزة من الله؟ أم أنها معركة البقاء، حين يُجبر الإنسان على أن يختار بين أن يقتل أو يُقتل؟
يا إلهي... أيُعقل أن يستشهد أربعة جنود مقابل معسكرٍ كان يضم مئةً وعشرين جنديًا؟
انتهت المعركة، واهتز الخبر في العالم بأسره. كتبت عنهم الصحف، وتحدثت عنهم نشرات الأخبار، وأطلقوا عليهم تسميةً واحدة:

الأوباش.

قالوا إنهم أوباش.
ربما كانوا كذلك في نظرهم.
أما نحن... فنحن الأوباش

لكن ماذا حدث بعد ذلك؟

لقد تصالحت الدولتان.

ماذا حدث أيضاً؟

معركةٌ يموت فيها أربعة جنود، ويسقط فيها مئة وعشرون من جنود المعسكر، ويُفجَّر معسكرٌ بأكمله، ثم تتصالح الدولتان، ويُنعت ذلك العمل بالإرهاب؟

أهكذا تنازل العالم عن أربعة أبطال؟
نعم، ذلك حدث بالفعل.

خسرت المرأة زوجها، ولم ينم الأطفال بعدها كما كانوا يفعلون من قبل. وبات الأب يفخر بأبنائه، لكنه أصبح يفخر بهم وهو جالس على كرسيٍّ متحرك، فقد أصبح عاجزًا عن الحركة والكلام كليًا.
أما الأم، فقد ماتت بحسرة، وتركت خلفها سربًا من الكلمات المرثية لابنها. كلماتٌ لا يسمعها أحد، إلا جدران البيت التي كانت تنتظر عودته كل ليلة.
كانت تلك ليلةً مات فيها أربعة، ونام فيها كثيرون دون أن يعرفوا شيئًا عن الحكاية.
فالأرض لا تنسى من دافع عنها، لكن نحن من ننسى.
لإننا آخر رصاصة حق في التاريخ ولربما نكون. نحن الأوباش..



#جعفر_حيدر (هاشتاغ)       Jafar_Haidar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سياسي أمني: ضربات داعش للقوات العراقية يفتح ملف عودة النفوذ ...
- سَتُحذف فلسطين دبلوماسياً _سياسياً
- معركة الأطفال
- في حضرة المجهول: رحلتي إلى الله
- تحقيق صحفي: خيوط متشابكة... قراءة في قضايا بان وسارة وريهام
- الاقتتال الداخلي بين أفراد المجتمع العراقي بسبب العولمة السي ...
- حين تتفتح الورود من دماء الشهداء
- الحملة السياسية الأمنية للزيدي: قيادة ذاتية أم تخطيط ومسرحية ...
- تشييع خامنئي في العراق: بين الموقف السياسي والتفسير الخاطئ
- عاشوراء.. حين تتكلم المدينة
- عاشوراء في مدينة التراب
- حين تتكاتف الأيادي: طريق الشعوب نحو السلام والتنمية
- رقية التي ترى الحياة في الأشياء الصغيرة
- الدوغمائية: حين يتحول الإنسان إلى سجين لفكرة
- أسباب الكراهية بين السنة والشيعة: دراسة تاريخية وفكرية
- أسباب الكراهية بين السنة والشيعة: دراسة تاريخية واجتماعية
- نحنُ ما نكتبه: كيف تتحول القضايا إلى حضارات خالدة
- النظريات الأممية : الأمة العربية الأسلامية _ الأمة العراقية ...
- دخول العاطفة المذهبية في التحليل السياسي
- المحاصصة الطائفية وتوزيع الفساد بالتساوي


المزيد.....




- نوبل الأدب 2026.. تتويج الكندية آن كارسون وأسئلة الإبداع في ...
- الكاتبة الكندية آن كارسون تفوز بجائزة نوبل في الأدب لعام 202 ...
- ماتريوشكا.. كيف تحولت دمية عمرها 136 عاما إلى رمز روسي؟
- سترة مايكل جاكسون الشهيرة في -ثريلر- تدخل المزاد بأكثر من 10 ...
- الشاعرة الكندية آن كارسون تفوز بجائزة نوبل في الأدب لعام 202 ...
- -ثقافة الأرز- و-لون القطة لا يهم-.. كيف هزمت دول شرق آسيا ال ...
- الكندية آن كارسون تُتوج بجائزة نوبل للآداب 2026
- شاعرة تحاور الإغريق بلغة اليوم.. الكندية آن كارسون تفوز بنوب ...
- مشهد الطعام الفرنسي أصبح تحت رحمة ثقافة الطعام الأمريكية.. م ...
- صورة للفنان المصري عادل إمام داخل سيارة يلوح بيده.. ما الحقي ...


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جعفر حيدر - آخر معارك الأوباش