أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جعفر حيدر - آخر بقايا العالم














المزيد.....

آخر بقايا العالم


جعفر حيدر
كاتب في الشأنين الإجتماعي والسياسي، وكاتب قصصي وأدبي.

(Jafar Haidar)


الحوار المتمدن-العدد: 8855 - 2026 / 10 / 11 - 16:23
المحور: الادب والفن
    


بقلم: جعفر حيدر
في الساعة الثالثة وسبع عشرة دقيقة بعد منتصف الليل، انطفأت المدينة دفعةً واحدة، لا كأن الكهرباء انقطعت، بل كأن أحداً ضغط على زرٍّ كبير وأطفأ الحياة كلها، اختفت أضواء الشوارع، انطفأت واجهات المحال، غرقت العمارات في السواد، وحتى شاشة الإعلان الضخمة التي كانت تبتسم للناس طوال النهار وتخبرهم بأن المستقبل أجمل اختفت فجأة،
يا ألهي..ماذا يحدث؟ ربما كانت تلك أول مرةٍ تقول فيها الحقيقة؛ المستقبل كان مظلماً فعلاً. في أحد الأزقة بقيت نافذةٌ واحدة مضاءة، نافذة صغيرة في بيتٍ قديم، وحيدة وسط بحرٍ أسود، كأنها عينٌ رفضت أن تغمض رغم أن المدينة كلها قررت النوم، أيُعقل؟ هي؟ كان الضوء ضعيفاً إلى درجة أنه بالكاد يصل إلى الشارع، لكنه كان واضحاً بما يكفي ليجعل المارة يتساءلون عن سرّه، وفي الداخل لم يكن هناك شيءٌ يستحق كل هذا الضوء؛ مصباحٌ صغير، طاولةٌ خشبية، دفترٌ مفتوح، وصورةٌ قديمة موضوعة بجانب كوب ماء، أشياء عادية جداً، لكنها في تلك اللحظة بدت كأنها آخر بقايا العالم قبل أن ينتهي. مرّت سيارة مسرعة أمام البيت، ثم اختفى صوتها، وعاد الصمت، ذلك الصمت الذي لا يشبه الهدوء أبداً، بل يشبه شيئاً ينتظر حدوثه، ثم بدأ المطر ينزل ببطء، قطرةً بعد أخرى، حتى تحولت الأزقة إلى مرايا سوداء تعكس النافذة الوحيدة، وكان المشهد جميلاً بطريقةٍ حزينة؛ مدينةٌ كاملة غارقة في الظلام ونافذةٌ صغيرة تقاوم وحدها، وكأن البشرية قررت أن تختصر كل تاريخها في مترٍ مربع من الضوء. مرّت دقائق طويلة، ثم انفتح باب البيت قليلاً، وخرج منه ضوءٌ أصغر، كأن أحداً حمل المصباح إلى الخارج، لكن لم يخرج أحد؛ فقط ظهر على الأرض شيءٌ ملفوف ببطانية قديمة، وُضع بهدوء أمام الباب، ثم عاد الضوء إلى الداخل، وبقي الشيء في الخارج تحت المطر. في تلك اللحظة بدا المشهد كأنه لقطةٌ سينمائية لا تحتاج إلى مخرج؛ المطر، والظلام، والنافذة، والبطانية المبللة، وشارعٌ لا يعرف ماذا ينتظر. وبعد دقائق، توقفت سيارة إسعاف في نهاية الشارع، أضاءت مصابيحها الحمراء الجدران للحظات، ثم توقفت أمام البيت، ونزل منها رجلان مسرعان، حمل أحدهما البطانية، بينما وقف الآخر أمام الباب يصرخ طالباً فتحه، لكن لم يجب أحد. كُسر الباب، دخل الضوء الأبيض إلى الغرفة، ثم خرج بعد لحظات حاملاً شيئاً لا يمكن للمدينة أن تعيده مهما دفعت من المال. كان طفلاً صغيراً ملفوفاً ببطانية، جسداً هادئاً أكثر مما ينبغي، بينما بقي الدفتر مفتوحاً فوق الطاولة، وكانت الصفحة الأخيرة تحمل كلمات قليلة كُتبت بخطٍ متعب: "غداً سأشتري له مصباحاً جديداً، هذا المصباح لا يكفي." عندها فقط صار كل شيء مفهوماً؛ النافذة لم تكن مضاءة لأن البيت بخير، ولم يكن هناك أحد ينتظر الصباح، ولم يكن الضوء علامةً على الحياة كما ظن الجميع، بل كان مجرد محاولةٍ أخيرة من أمٍّ أو أبٍ لأن يظل الليل بعيداً عن طفلٍ لم يستطع المرض أن يترك له حتى فرصةً عادلة كي يكبر. خرج المسعفون، وأُغلق الباب، وبقي المصباح مضاءً في الغرفة الفارغة، وهنا كانت السخرية الأكثر قسوة؛ المدينة التي تنفق الملايين على أضواء الشوارع، وتضع المصابيح فوق الجسور وتحتها، وتحتفل كل عام بأنها مدينةٌ حديثة، لم تستطع أن تجعل هذا الضوء يصل في الوقت المناسب إلى سرير طفل. وفي الصباح عادت الكهرباء، أضاءت الشوارع والمحال والشاشات، وعادت المدينة إلى ضجيجها كأن شيئاً لم يحدث، وظهرت الإعلانات من جديد وهي تتحدث عن الحياة الجميلة والمستقبل المشرق، بينما بقيت النافذة الصغيرة مضاءةً رغم أن البيت لم يعد يحتاج إلى الضوء، لأن صاحب الغرفة رحل، ولأن بعض الأنوار لا تُطفأ عندما يموت أصحابها؛ تبقى معلقةً في الذاكرة، تذكّرنا بأن أكثر الأشياء قسوةً في هذا العالم ليست أن يموت طفل، بل أن يعود كل شيءٍ إلى طبيعته بعد موته وكأن شيئاً لم يحدث.



#جعفر_حيدر_علي_الفتلاوي (هاشتاغ)       Jafar_Haidar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- آخر معارك الأوباش
- سياسي أمني: ضربات داعش للقوات العراقية يفتح ملف عودة النفوذ ...
- سَتُحذف فلسطين دبلوماسياً _سياسياً
- معركة الأطفال
- في حضرة المجهول: رحلتي إلى الله
- تحقيق صحفي: خيوط متشابكة... قراءة في قضايا بان وسارة وريهام
- الاقتتال الداخلي بين أفراد المجتمع العراقي بسبب العولمة السي ...
- حين تتفتح الورود من دماء الشهداء
- الحملة السياسية الأمنية للزيدي: قيادة ذاتية أم تخطيط ومسرحية ...
- تشييع خامنئي في العراق: بين الموقف السياسي والتفسير الخاطئ
- عاشوراء.. حين تتكلم المدينة
- عاشوراء في مدينة التراب
- حين تتكاتف الأيادي: طريق الشعوب نحو السلام والتنمية
- رقية التي ترى الحياة في الأشياء الصغيرة
- الدوغمائية: حين يتحول الإنسان إلى سجين لفكرة
- أسباب الكراهية بين السنة والشيعة: دراسة تاريخية وفكرية
- أسباب الكراهية بين السنة والشيعة: دراسة تاريخية واجتماعية
- نحنُ ما نكتبه: كيف تتحول القضايا إلى حضارات خالدة
- النظريات الأممية : الأمة العربية الأسلامية _ الأمة العراقية ...
- دخول العاطفة المذهبية في التحليل السياسي


المزيد.....




- بعد جدل الاعتذار.. علي الحجار يعود إلى مهرجان الموسيقى العرب ...
- في الحاجة إلى صوت جيل جيلالة
- شخصية الميرزا في رواية -سلسلة النار-.. من بلاط الصفويين إلى ...
- -قطع اليد عقابا على التقصير- أو نشر ثقافة العمل على الطريقة ...
- تركي آل الشيخ يرد على بيان لنقابة المهن التمثيلية في مصر
- الأحزاب العربية وحسابات المنافسة بين نتنياهو وآيزنكوت مع تق ...
- يحيى الفخراني يختتم عروض «الملك لير» على خشبة المسرح القومي ...
- بين الوحدة والتشرذم.. كيف تطور التمثيل العربي في الكنيست؟
- ركين سعد تنوه لدور الهيئة الملكية الأردنية للأفلام في دعم -ب ...
- آلية توزيع المقاعد ونظام التمثيل النسبي في انتخابات الكنيست ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جعفر حيدر - آخر بقايا العالم