أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - حسين علي الحمداني - الصحافة بعد المنصات والذكاء الاصطناعي














المزيد.....

الصحافة بعد المنصات والذكاء الاصطناعي


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8869 - 2026 / 10 / 25 - 19:35
المحور: الصحافة والاعلام
    


لم تعد الصحافة تعيش الأزمة التقليدية المرتبطة بتراجع المبيعات أو انحسار التوزيع الورقي، بل تواجه تحولاً يمس جوهر مهنتها: من ينتج الخبر؟ ومن يوزعه؟ ومن يستطيع إقناع الجمهور بأنه يقول الحقيقة؟
على مدى قرن ونصف تقريباً، امتلكت الصحف سلطة مهمة في اختيار الأخبار وصياغتها وتوزيعها. لكن ظهور الإنترنت، ثم منصات التواصل الاجتماعي، أنهى جانباً كبيراً من هذا الاحتكار. لم يعد القارئ مضطراً إلى انتظار الصحيفة الصباحية، بل بات يتلقى الأخبار عبر هاتفه، أحياناً قبل أن تتمكن المؤسسات الصحفية من نشرها.
لم تنتزع المنصات من الصحافة التوزيع وحده، بل غيّرت أيضاً معايير المنافسة. فالخبر الذي يثير الغضب أو الخوف قد ينتشر أسرع من تحقيق استقصائي يحتاج إلى أشهر من العمل. ومع تصاعد المنافسة على المشاهدات والتفاعلات، وجدت مؤسسات صحفية نفسها أمام إغراء تقديم السرعة والإثارة على حساب التدقيق والتفسير. وهنا بدأت المشكلة الأعمق: حين تتراجع الدقة، تتراجع الثقة، وحين تتراجع الثقة تفقد الصحافة جزءاً من مبرر وجودها.
ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليضيف تحدياً جديداً. فإذا كانت المنصات قد أعادت توزيع الخبر، فإن الأنظمة الذكية أصبحت قادرة على المساهمة في إنتاجه وتلخيصه وترجمته وتحليل كميات كبيرة من البيانات في وقت قصير. وهذا يضع بعض المهام الصحفية التقليدية، خصوصاً إعادة الصياغة والتلخيص ونقل البيانات الرسمية، أمام تحول لا يمكن تجاهله.
لكن الحديث عن نهاية الصحفيين بسبب الذكاء الاصطناعي ينطوي على مبالغة. فالقدرة على تركيب نص متماسك لا تعني بالضرورة امتلاك معلومات صحيحة، كما أن تلخيص تصريح رسمي لا يعادل التحقق من خلفياته أو مساءلة صاحبه. وقد ينتج النظام الذكي نصاً مقنعاً يتضمن معلومة خاطئة، أو يعجز عن فهم سياق محلي لا تتوافر عنه بيانات كافية.
المشكلة، إذن، ليست أن الآلة ستكتب بدلاً من الإنسان في كل المجالات، بل أن المؤسسات الصحفية قد تستخدمها لتقليل التكاليف من دون الاستثمار في التحقق والتحرير والعمل الميداني. عندها يصبح الذكاء الاصطناعي وسيلة لتوسيع إنتاج المحتوى المتشابه، بدلاً من أن يكون أداة لتحسين جودته.
في هذا السياق، تبرز أهمية الصحفي الذي يمتلك القدرة على الوصول إلى المصادر، والتحقق من المعلومات، وطرح الأسئلة التي لا تجيب عنها البيانات المنشورة. كما تزداد الحاجة إلى الصحفي المحلل الذي يربط الأحداث بسياقاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ويميز بين الوقائع والتفسيرات والاحتمالات. فالخبر وحده لا يكفي دائماً لفهم ما يحدث، والمعلومة المتاحة للجميع لا تصبح تحقيقاً صحفياً لمجرد إعادة نشرها.
غير أن امتلاك المعلومة الحصرية أو القدرة على التحليل لا يضمنان وحدهما النجاح. فالصحافة تحتاج أيضاً إلى استقلال تحريري، ومنهج واضح في تصحيح الأخطاء، وشفافية في التعامل مع المصادر، وقدرة على الفصل بين العمل الصحفي والمصالح السياسية والاقتصادية. وهذه عناصر لا تستطيع أي تقنية أن تعوض غيابها.
وتواجه المؤسسات الصحفية تحدياً اقتصادياً لا يقل خطورة. فقد انتقلت حصة كبيرة من الإعلانات الرقمية إلى المنصات، وأصبح القارئ قادراً على الحصول على ملخصات للأخبار من أدوات الذكاء الاصطناعي من دون زيارة المواقع التي أنتجتها. وإذا اتسع هذا السلوك، فقد تتراجع الزيارات التي تعتمد عليها مؤسسات كثيرة في تمويل عملها.
لكن الاشتراك المدفوع ليس الحل الوحيد، ولا يناسب جميع الأسواق والجماهير. فهناك نماذج تقوم على العضويات والتمويل المجتمعي والإعلانات والتمويل العام المنضبط بضمانات الاستقلال، إلى جانب الاشتراكات. والمهم هو إيجاد صيغة تمويل تتيح للصحافة إنتاج محتوى مهني مستقل، بدلاً من دفعها إلى مطاردة الانتشار السريع أو الارتهان للممولين.
أما التحدي الأخلاقي، فيتجاوز الأخبار المكتوبة إلى الصور والتسجيلات الصوتية ومقاطع الفيديو التي يمكن توليدها أو التلاعب بها باستخدام الذكاء الاصطناعي. وقد يصبح من الصعب على الجمهور التمييز بين تسجيل حقيقي وآخر مفبرك، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأحداث أمنية أو تصريحات سياسية حساسة. وهنا تكتسب الصحافة وظيفة إضافية تتمثل في التحقق الرقمي، ومقارنة المصادر، وفحص المواد المتداولة قبل نشرها، وتوضيح ما هو مؤكد وما لا يزال موضع شك.
إن الصحافة لا تواجه خياراً بسيطاً بين الإنسان والآلة، بل تواجه سؤالاً يتعلق بطبيعة دورها في مجتمع تتزايد فيه المعلومات ويصعب فيه أحياناً التمييز بين الصحيح والمضلل. وقد تتولى الأنظمة الذكية جانباً متنامياً من المهام الروتينية، لكن قيمة المؤسسة الصحفية ستتحدد بقدرتها على إنتاج معرفة موثوقة، ومساءلة أصحاب النفوذ، وكشف ما لا يظهر في البيانات المتاحة، وتفسير الأحداث من دون الخضوع لضغط اللحظة.
لم تقتل المنصات والذكاء الاصطناعي الصحافة، لكنهما كشفا ضعف نموذج يقوم على إعادة نشر المعلومات نفسها، والاعتماد على الإعلانات، ومنافسة الآخرين في السرعة وحدها. أما مستقبل الصحافة فلا يتوقف على قدرتها على إنتاج مزيد من الأخبار، بل على قدرتها على تقديم ما لا توفره وفرة الأخبار وحدها: المعلومة المتحقق منها، والسياق الذي يفسرها، والاستقلال الذي يحميها، والثقة التي تجعل الجمهور يعود إليها.
في عصر يستطيع فيه الجميع تقريباً نشر معلومة، وتستطيع فيه الآلات إنتاج نصوص لا تنتهي، قد لا تكون المشكلة الأساسية هي نقص الأخبار، بل صعوبة معرفة أيها يستحق التصديق. ومن هنا، تصبح الثقة ليست مجرد قيمة أخلاقية للصحافة، بل أساساً لمستقبلها المهني والاقتصادي أيضاً.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل نحن امام نسخة جديدة من الشرق الأوسط؟
- جريمة الكرك والخلايا النائمة: حين يستهدف الإرهاب المجتمع
- من مكة إلى الدوحة: التحالف الإسلامي من الدفاع إلى التصنيع
- مفهوم الأمن الخليجي
- اي دولة تريد؟
- ما المطلوب تعديله في الدستور العراقي؟
- فواتير حرب أوكرانيا
- يوم الفقراء العالمي
- مصر وحرب اليمن: بين عقدة الستينيات وضغوط باب المندب
- تونس بين شارعين: احتجاج 17 أكتوبر وامتحان الديمقراطية
- وزارة الذكاء الاصطناعي
- التوافق السياسي انقذ الدولة ام اغرقها؟
- العراق والخليج طبيعة العلاقة
- لا تخف من الجديد.. افهمه أولاً
- حرب اليمن فوضى تخدم مصالح أمريكا
- أسبوع الصواريخ على الرياض.. أين يقف الحلفاء؟
- سلاح الجغرافيا
- الاقتصاد العراقي: نجاح في إدارة الأزمة وفشل في علاجها
- واشنطن _ الرياض مفهوم الشراكة الجديد
- هل انتهى زمن زلينسكي؟


المزيد.....




- الملكة رانيا تعزي في ضحايا هجوم الكرك.. وولي عهد الأردن: موا ...
- حتى بلا فوز.. الجمود الانتخابي يمنح نتنياهو أشهرا لتوجيه ضرب ...
- الحوثيون: 56 غارة جوية سعودية على اليمن خلال 24 ساعة
- إيران تحذر ألمانيا من الانخراط في النزاع العسكري ضدها
- غزة وإيران والحوثيون.. الجامعة العربية تفتح ملفات ملتهبة أما ...
- بيسكوف: بوتين وترامب قد يعقدان لقاء ثنائيا على هامش قمة آبيك ...
- نتنياهو ينشر صورة لانفجار نووي فوق تل أبيب والمعارضة تتهمه ب ...
- سالفيني: إيطاليا لم تعد قادرة على مواصلة تقديم الأموال والأس ...
- بوتين: اتهام أوروبا لنا يعكس ضعف قادتها
- إسرائيل تمنع عودة المئات مع أهالي الخليل


المزيد.....

- مكونات الاتصال والتحول الرقمي / الدكتور سلطان عدوان
- السوق المريضة: الصحافة في العصر الرقمي / كرم نعمة
- سلاح غير مرخص: دونالد ترامب قوة إعلامية بلا مسؤولية / كرم نعمة
- مجلة سماء الأمير / أسماء محمد مصطفى
- إنتخابات الكنيست 25 / محمد السهلي
- المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام التقليدية في المجتمع. / غادة محمود عبد الحميد
- داخل الكليبتوقراطية العراقية / يونس الخشاب
- تقنيات وطرق حديثة في سرد القصص الصحفية / حسني رفعت حسني
- فنّ السخريّة السياسيّة في الوطن العربي: الوظيفة التصحيحيّة ل ... / عصام بن الشيخ
- ‏ / زياد بوزيان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - حسين علي الحمداني - الصحافة بعد المنصات والذكاء الاصطناعي