|
|
ما المطلوب تعديله في الدستور العراقي؟
حسين علي الحمداني
الحوار المتمدن-العدد: 8863 - 2026 / 10 / 19 - 12:59
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
منذ إقرار الدستور العراقي عام 2005، تتكرر بعد كل انتخابات برلمانية أزمة تشكيل الحكومة، وتدخل البلاد في أشهر من المفاوضات والتجاذبات السياسية، قبل أن تنتهي العملية عادة بتسوية شاملة لتوزيع الرئاسات الثلاث والمناصب الحكومية. ولم تعد هذه الظاهرة مجرد تأخير إجرائي، بل أصبحت جزءاً من أزمة النظام السياسي نفسه، بما تتركه من آثار على الاستقرار المؤسسي وثقة المواطنين بالعملية الديمقراطية. وعلى الرغم من أن تشكيل الحكومة يرتبط بعوامل سياسية وحزبية متعددة، فإن آلية انتخاب رئيس الجمهورية تمثل إحدى العقد الأساسية في هذا المسار. فالمادة 70 من الدستور تجعل انتخاب الرئيس من اختصاص مجلس النواب، وتشترط في الجولة الأولى أغلبية ثلثي أعضائه. وقد أدى ذلك عملياً إلى جعل انتخاب الرئيس مرتبطاً بتوافقات الكتل السياسية، وبالتفاهمات داخل المكونات قبل الانتقال إلى التفاهمات الوطنية العامة. وهكذا أصبح انتخاب رئيس الجمهورية، الذي يفترض أن يمثل وحدة الدولة ويسهر على ضمان الالتزام بالدستور، جزءاً من مفاوضات تشكيل السلطة، بدلاً من أن يكون استحقاقاً دستورياً مستقلاً عنها. هل يمكن تغيير هذه المعادلة من خلال تعديل دستوري ينقل انتخاب رئيس الجمهورية من البرلمان إلى الشعب مباشرة، ويفصل موعد انتخابه عن موعد الانتخابات البرلمانية؟ الانتخاب المباشر بوصفه مدخلاً للإصلاح يقوم المقترح على انتخاب رئيس الجمهورية بالاقتراع العام المباشر، بالتزامن مع انتخابات مجالس المحافظات، حيثما تجري، أو في موعد وطني ثابت يسبق الانتخابات البرلمانية بنحو عامين. بهذه الآلية، يكون العراق قد حسم استحقاق رئاسة الجمهورية قبل الدخول في مفاوضات تشكيل مجلس النواب الجديد. وعندما تعلن النتائج النهائية للانتخابات التشريعية، يكون رئيس الجمهورية قد اكتسب شرعيته الشعبية، ويستطيع مباشرة مهامه الدستورية، وفي مقدمتها تكليف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل الحكومة ضمن مدة محددة. لا يعني ذلك أن الانتخاب المباشر سيُنهي جميع الخلافات السياسية، أو أنه سيمنع التفاوض بين الأحزاب، لكنه يفصل بين استحقاقين مختلفين، ويحد من استخدام انتخاب الرئيس ورقةً للمساومة في مفاوضات تشكيل الحكومة. كما أن شرعية الرئيس المستمدة من الناخبين قد تمنحه استقلالية أكبر في ممارسة صلاحياته الدستورية، شرط ألا تتحول هذه الشرعية إلى أساس لإنشاء سلطة تنفيذية موازية لسلطة مجلس الوزراء. مشروع التعديلات الدستورية استناداً إلى المادة 126 من الدستور، التي تجيز اقتراح التعديل من رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء مجتمعين، أو من خُمس أعضاء مجلس النواب، يمكن طرح مشروع متكامل لتعديل المواد 64 و70 و72 و76، مع مراجعة الأحكام المرتبطة بها، ولا سيما شروط الترشيح وأحكام تولي المنصب. أولاً: تعديل المادة 70 — انتخاب رئيس الجمهورية يقترح أن يكون نص المادة على النحو الآتي: ينتخب رئيس الجمهورية بالاقتراع العام المباشر السري من الشعب العراقي، وفقاً لقانون ينظم إجراءات الترشيح والاقتراع والفرز وإعلان النتائج والطعون الانتخابية. يفوز بمنصب رئيس الجمهورية المرشح الذي يحصل على الأغلبية المطلقة للأصوات الصحيحة في عموم العراق، بشرط حصوله على ما لا يقل عن 15% من الأصوات الصحيحة في ثماني محافظات على الأقل. إذا لم يحصل أي مرشح على الأغلبية المطلوبة، أو لم يحقق المرشح المتقدم شرط الانتشار الجغرافي المنصوص عليه في الفقرة السابقة، تجري جولة إعادة بين المرشحين الحاصلين على أعلى الأصوات، خلال مدة لا تتجاوز خمسة عشر يوماً. يفوز في جولة الإعادة المرشح الذي يحصل على أكثرية الأصوات الصحيحة، شريطة تحقيق شرط الانتشار الجغرافي المنصوص عليه في الفقرة الثانية، وفق آلية يحددها القانون. ويهدف هذا الشرط إلى منع انحصار المنافسة الرئاسية في قاعدة انتخابية محلية أو جغرافية ضيقة، ودفع المرشحين إلى بناء تحالفات وطنية تتجاوز حدود محافظاتهم ومكوناتهم. لكن فاعلية هذا الضمان تتوقف على دقة صياغته القانونية وعلى وضع آلية واضحة للتعامل مع احتمال عدم تحقق الشرط في جولة الإعادة. ثانياً: تعديل المادة 72 — مدة الولاية الرئاسية يقترح أن تكون مدة ولاية رئيس الجمهورية أربع سنوات، تبدأ من تاريخ أدائه اليمين الدستورية، ويجوز إعادة انتخابه لولاية ثانية فقط. ويستمر الرئيس في أداء مهامه حتى أداء الرئيس المنتخب الجديد اليمين الدستورية، وفق أحكام دستورية تنظم حالات انتهاء الولاية وخلو المنصب والتأخر في انتخاب الخلف. ويحقق هذا التعديل استقلال مدة الولاية الرئاسية عن دورة مجلس النواب، بحيث لا تنتهي ولاية الرئيس لمجرد انتهاء الدورة البرلمانية أو انتخاب مجلس جديد. ثالثاً: تعديل المادة 76 — تحديد مدد تشكيل الحكومة يقترح أن تكون إجراءات تشكيل مجلس الوزراء على النحو الآتي: يكلف رئيس الجمهورية، خلال مدة لا تتجاوز سبعة أيام من تاريخ إعلان المحكمة الاتحادية العليا النتائج النهائية للانتخابات التشريعية، مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل مجلس الوزراء. يقدم رئيس مجلس الوزراء المكلف تشكيلته الوزارية والمنهاج الوزاري إلى مجلس النواب خلال مدة لا تتجاوز ثلاثين يوماً من تاريخ التكليف، لنيل الثقة وفقاً للدستور. إذا أخفق المكلف الأول في تشكيل الحكومة أو لم تنل تشكيلته ثقة مجلس النواب، يكلف رئيس الجمهورية، خلال سبعة أيام، مرشحاً آخر وفق آلية دستورية تحدد الكتلة النيابية التي يحق لها تقديمه. إذا أخفق المكلف الثاني أيضاً في تشكيل الحكومة ضمن المدة الدستورية، تطبق أحكام حل مجلس النواب وإجراء انتخابات مبكرة، وفق الضوابط المنصوص عليها في المادة 64 المعدلة، على أن تجرى الانتخابات خلال مدة لا تتجاوز ستين يوماً من تاريخ الحل. إن تحديد مدد واضحة يمنع استمرار التكليفات إلى أجل غير معلوم، لكنه لا يكفي وحده لضمان نجاح النظام. ولذلك ينبغي أن تقترن المدد بآلية قانونية قابلة للتنفيذ، تضمن عدم استخدام حل البرلمان وسيلةً للضغط على النواب أو لتجاوز نتائج الانتخابات. رابعاً: تعديل المادة 64 — حل مجلس النواب عند تعذر تشكيل الحكومة بما أن المادة 64 الحالية تنظم حل مجلس النواب، فلا بد من تعديلها لتنسجم مع الآلية المقترحة في المادة 76. ويجب أن يحدد التعديل الحالات التي يجوز فيها حل المجلس، والجهة التي تتخذ القرار، والإجراءات السابقة عليه، وضمانات عدم التعسف في استخدام هذه الصلاحية، فضلاً عن تحديد موعد الانتخابات الجديدة واستمرار الحكومة في تصريف الأعمال اليومية. ولا ينبغي أن يصبح حل البرلمان نتيجة آلية لمجرد اختلاف سياسي عابر؛ بل يجب أن يكون إجراءً دستورياً أخيراً بعد استنفاد فرص تشكيل الحكومة، وبما يحفظ استقرار الدولة وحق الناخبين في اختيار ممثليهم. لماذا يمكن أن يكون الانتخاب المباشر في مصلحة الكرد أيضاً؟ قد يثير المقترح مخاوف لدى بعض القوى الكردية، بالنظر إلى أن منصب رئاسة الجمهورية ارتبط منذ عام 2005 بالتوازنات السياسية بين المكونات، وبالعرف الذي منح المنصب لشخصية كردية. لكن الانتخاب المباشر لا يستهدف مكوناً بعينه، ولا يفترض إقصاء الكرد عن رئاسة الجمهورية. بل يفتح المنافسة أمام جميع العراقيين على أساس المواطنة والبرنامج السياسي والقدرة على بناء قاعدة انتخابية وطنية. ويمكن للمرشح الكردي، شأنه شأن أي مرشح آخر، أن يفوز إذا استطاع الحصول على تأييد يتجاوز حدود قاعدته التقليدية. كما أن انتقال شرعية الرئيس من التوافقات البرلمانية إلى أصوات الناخبين قد يمنحه استقلالية أكبر عن الخلافات الحزبية الداخلية. ومع ذلك، لا يجوز افتراض أن أي مكون يمتلك مسبقاً فرصة مضمونة للفوز؛ فذلك يتوقف على المنافسة الفعلية، وتوزيع الأصوات، وقواعد الانتخاب المعتمدة. والأهم أن تكون الضمانات متساوية لجميع المواطنين والمكونات، وألا تتحول شروط الانتشار الجغرافي إلى وسيلة للإقصاء. هل ينتقل العراق إلى نظام شبه رئاسي؟ إن انتخاب رئيس الجمهورية مباشرة لا يجعل العراق تلقائياً دولة ذات نظام شبه رئاسي. فطبيعة النظام السياسي تتحدد بتوزيع الصلاحيات بين الرئيس ورئيس مجلس الوزراء ومجلس النواب، وبكيفية تشكيل الحكومة ومسؤوليتها وآليات الرقابة عليها. وإذا كان الهدف هو الحفاظ على النظام البرلماني، فيمكن انتخاب الرئيس مباشرة مع إبقاء صلاحياته الدستورية ضمن الحدود الحالية، وتأكيد أن رئيس مجلس الوزراء هو المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للدولة، وفق المادة 78. أما إذا أريد الانتقال إلى نظام شبه رئاسي، فإن الأمر يحتاج إلى مراجعة أوسع للصلاحيات التنفيذية، وعلاقة الرئيس بالحكومة والبرلمان، وآليات حل الخلافات بين المؤسسات، وليس مجرد تعديل طريقة انتخاب الرئيس. ولهذا فإن الخيار الأكثر وضوحاً في هذه المرحلة هو فصل انتخاب رئيس الجمهورية عن الانتخابات البرلمانية، مع الإبقاء على النظام البرلماني، ما لم يتوافر توافق وطني أوسع على تغيير بنية النظام السياسي برمتها. من النص الدستوري إلى الإرادة السياسية إن تعديل الدستور ليس إجراءً سهلاً، ولا يكفي تقديم مقترح إلى مجلس النواب لضمان إقراره. فالمادة 126 تتطلب موافقة ثلثي أعضاء المجلس، والاستفتاء الشعبي، ومصادقة رئيس الجمهورية، مع مراعاة بقية القيود الدستورية ذات الصلة. كما أن تعديل الأحكام التي تمس صلاحيات الأقاليم قد يستلزم موافقات إضافية وفق المادة نفسها. لكن صعوبة التعديل لا تعني استحالة النقاش فيه. فالدساتير ليست نصوصاً جامدة خارج الزمن، بل قواعد تنظم الدولة، ويمكن مراجعتها عندما تكشف الممارسة عن مشكلات بنيوية تستدعي الإصلاح، ضمن الإجراءات الدستورية. إن جوهر هذا المقترح ليس تغيير اسم المنصب أو انتزاعه من مكون وتسليمه إلى آخر، بل إعادة تعريف العلاقة بين الناخبين ومؤسسات الدولة، ومنع بقاء انتخاب رئيس الجمهورية جزءاً من المساومات التي ترافق تشكيل الحكومات. لقد أظهر العقدان الماضيان أن الديمقراطية لا تقاس بصناديق الاقتراع وحدها، بل أيضاً بقدرة النظام السياسي على تحويل نتائج الانتخابات إلى مؤسسات فاعلة ضمن مدد معقولة. ومن هنا، فإن انتخاب رئيس الجمهورية مباشرة، وفصل موعده عن الانتخابات البرلمانية، وتحديد سقف زمني لتشكيل الحكومة، تمثل أفكاراً تستحق النقاش الوطني والقانوني الجاد. فالعراق لا يحتاج إلى تكرار الأزمة نفسها بعد كل انتخابات، بل إلى مراجعة دستورية تضمن أن تكون المنافسة السياسية وسيلة لتشكيل الدولة، لا سبباً لتعطيلها.
#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
فواتير حرب أوكرانيا
-
يوم الفقراء العالمي
-
مصر وحرب اليمن: بين عقدة الستينيات وضغوط باب المندب
-
تونس بين شارعين: احتجاج 17 أكتوبر وامتحان الديمقراطية
-
وزارة الذكاء الاصطناعي
-
التوافق السياسي انقذ الدولة ام اغرقها؟
-
العراق والخليج طبيعة العلاقة
-
لا تخف من الجديد.. افهمه أولاً
-
حرب اليمن فوضى تخدم مصالح أمريكا
-
أسبوع الصواريخ على الرياض.. أين يقف الحلفاء؟
-
سلاح الجغرافيا
-
الاقتصاد العراقي: نجاح في إدارة الأزمة وفشل في علاجها
-
واشنطن _ الرياض مفهوم الشراكة الجديد
-
هل انتهى زمن زلينسكي؟
-
مطار الرياض الوجه الآخر لحرب الممرات
-
الحرب والناخب الأمريكي
-
نهاية عصر الحصانة
-
هل تتدخل تركيا والباكستان في حرب اليمن؟
-
هل العالم يتحمل كلفة الحرب الأمريكية الإيرانية؟
-
رفع سعر الدولار.. تخفيض الرواتب
المزيد.....
-
-حدث كل شيء فجأة-.. ناجون يروون لـCNN لحظات تصادم قطارين في
...
-
إثيوبيا تتسلم مقاتلات -سو-35- وأنظمة دفاع جوي -إس-400- ضمن ص
...
-
زجاج -صيني- يتحول إلى ترند خلال الاحتجاجات الفرنسية
-
الجيش الإسرائيلي يعلن اغتيال 3 قادة بارزين في حركة -حماس-
-
الحوثيون ينفذون تحذيرهم ويقصفون مطار عدن بعد طلب إخلائه لوجو
...
-
بوتين: الأطباء الروس على أتم الاستعداد لمساعدة إفريقيا في مو
...
-
بوتين: نشهد قيام نظام عالمي متعدد الأقطاب وأفول عهد تقرير كت
...
-
عون: لا حلول مستدامة بالحرب بل بالتفاوض
-
روسيا وليبيا.. الشراكة النامية
-
الرئيس الإسرائيلي: سأفعل كل شيء كي لا نعود إلى صناديق الاقتر
...
المزيد.....
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
المزيد.....
|