أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي الحمداني - مصر وحرب اليمن: بين عقدة الستينيات وضغوط باب المندب















المزيد.....

مصر وحرب اليمن: بين عقدة الستينيات وضغوط باب المندب


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8862 - 2026 / 10 / 18 - 11:00
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


عادت عبارة «حرب اليمن» إلى القاموس السياسي المصري بعد تصريحات لافتة لوزير الخارجية بدر عبد العاطي والرئيس عبد الفتاح السيسي. فقد تحدث عبد العاطي عن استعداد مصر لتقديم مختلف أشكال الدعم للسعودية، فيما أكد السيسي أن مصر لن تسمح بالمساس بأمن المملكة، مشيراً إلى إمكانية طلب تفويض من مجلس النواب إذا اقتضت الظروف ذلك.
وأثار الحديث عن جلسة برلمانية لهذا الغرض تساؤلات بشأن طبيعة الدور المصري المحتمل، وحدود انخراط القاهرة في المواجهة الدائرة في المنطقة. لكن انعقاد البرلمان أو مناقشة التفويض لا يعنيان بالضرورة اتخاذ قرار بالحرب.
أولاً: لماذا تتردد القاهرة؟ عقدة اليمن
لا يمكن فهم الموقف المصري من دون العودة إلى تجربة 1962-1967. فبعد ثورة 26 سبتمبر التي أطاحت بالإمامة في اليمن، أرسل جمال عبد الناصر قوات مصرية لدعم النظام الجمهوري، ووصل حجم القوات في ذروة التدخل إلى عشرات الآلاف من الجنود.
ما بدأ بوصفه تدخلاً لدعم نظام سياسي تحول إلى حرب استنزاف طويلة، استهلكت الموارد وأرهقت القوات المسلحة المصرية، في وقت كانت فيه المنطقة تتجه نحو مواجهة كبرى انتهت بحرب يونيو 1967. ومن هنا ترسخت في الذاكرة المصرية المقارنة بين اليمن وفيتنام، بوصفهما تجربتين للاستنزاف العسكري بعيداً عن الحدود الوطنية.
ومنذ انطلاق عملية عاصفة الحزم عام 2015، حافظت القاهرة على معادلة تقوم على دعم السعودية سياسياً، والمساهمة في حماية أمن الملاحة البحرية، مع تجنب الانخراط في حرب برية داخل اليمن.
وهذه المعادلة ليست مجرد موقف عابر، بل تعبير عن درس استراتيجي لم تنسه مصر: قد يكون دعم الحلفاء ضرورياً، لكن تحويل الدعم إلى تدخل بري مفتوح يحمل تكاليف يصعب التحكم فيها.
ثانياً: لماذا يُعاد فتح الملف الآن؟
ثمة ثلاثة عوامل تدفع القاهرة إلى إعادة حساباتها، من دون أن تعني بالضرورة التخلي عن حذرها التقليدي.
1. الاقتصاد قبل الأيديولوجيا
كان تدخل الستينيات مرتبطاً بصراع إقليمي وأيديولوجي واسع، أما اليوم فإن أي تحرك مصري محتمل يرتبط، قبل كل شيء، بحماية المصالح الوطنية.
فقناة السويس ليست مجرد ممر ملاحي، بل أحد أهم مصادر الدخل الاستراتيجي لمصر. وقد تضررت إيراداتها بشدة خلال أزمة البحر الأحمر في 2024 و2025، بعدما دفعت هجمات الحوثيين شركات شحن إلى تحويل مسارات سفنها نحو رأس الرجاء الصالح، بما زاد زمن الرحلات وتكاليفها.
لهذا لم يعد أمن باب المندب قضية يمنية أو خليجية فحسب، بل أصبح جزءاً مباشراً من معادلة الأمن الاقتصادي المصري. فأي اضطراب طويل في الملاحة ينعكس على إيرادات القناة، ويضع ضغوطاً إضافية على الاقتصاد المصري.
2. تغير طبيعة التهديد
تتزايد المخاوف عندما تمتد الهجمات إلى المدن والمطارات والمنشآت الاقتصادية، بدلاً من بقائها محصورة في نطاق الاشتباكات الحدودية. وفي حال تأكد اتساع نطاق استهداف الأراضي السعودية والملاحة البحرية، فإن ذلك يرفع مستوى التهديد ويزيد الحاجة إلى تنسيق دفاعي إقليمي.
لكن طبيعة هذا التنسيق تظل مرتبطة بحجم الهجمات، وقدرات الدفاع المتاحة، ومواقف الدول المعنية. ولا يعني الحديث عن مشاورات بين الرياض وحلفائها أن قراراً اتُّخذ سلفاً بشأن مشاركة عسكرية مباشرة.
3. البحث عن منظومة أمن إقليمي
تدرك السعودية أن الاعتماد على القوى الدولية وحدها لا يضمن الاستجابة لكل تطورات المنطقة بالسرعة المطلوبة. لذلك تكتسب المشاورات مع دول تمتلك قدرات عسكرية مؤثرة، مثل مصر وتركيا وباكستان، أهمية متزايدة.
وفي هذا السياق، يبرز الحديث عن اتفاقيات أو ترتيبات للدفاع المشترك، لكن من الضروري التمييز بين التشاور السياسي والتنسيق العسكري وبين وجود تحالف ملزم يحدد مسبقاً كيفية التدخل عند وقوع هجوم.
فبناء منظومة أمن إقليمي لا يتحقق بمجرد إعلان المواقف، بل يحتاج إلى تفاهمات واضحة بشأن طبيعة التهديدات، وآليات اتخاذ القرار، وحدود التزامات كل دولة.
ثالثاً: ما شكل التحرك المصري المحتمل؟
هنا تكمن المسألة الأكثر حساسية، سياسياً ودستورياً. فالموقف المصري المعلن يركز على حماية أمن السعودية، لكن ترجمة هذا الالتزام إلى إجراءات عملية تبقى مرتبطة بطبيعة التطورات والقرارات الرسمية.
وتنظم المادة 152 من الدستور المصري إجراءات إعلان الحرب وإرسال القوات المسلحة في مهمة قتالية خارج حدود الدولة، بما يتضمن اشتراطات تتعلق برأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة مجلس النواب بأغلبية الثلثين. لذلك فإن الحديث عن التفويض البرلماني ينبغي فهمه في سياقه الدستوري، لا بوصفه دليلاً كافياً على حسم خيار التدخل العسكري.
ويمكن تصور ثلاثة مستويات للتحرك المصري، مع التأكيد أن هذه احتمالات تحليلية وليست قرارات معلنة:
المستوى الأول: الدعم السياسي والدبلوماسي.
ويشمل إدانة الهجمات، وتأكيد التضامن مع السعودية، وتكثيف الاتصالات الإقليمية والدولية لاحتواء التصعيد، إلى جانب دعم الجهود الرامية إلى حماية الملاحة ومنع اتساع رقعة المواجهة.
المستوى الثاني: التعاون الدفاعي والبحري.
قد يتخذ التعاون، إذا استدعت الظروف ذلك، أشكالاً غير قتالية أو محدودة، مثل تبادل المعلومات، والتنسيق في مراقبة المجال البحري، وتعزيز حماية السفن والممرات الملاحية، أو تقديم أشكال أخرى من الدعم الدفاعي وفق الاتفاقات والقرارات الرسمية.
ويمثل هذا المستوى خياراً أقل كلفة من التدخل البري، لأنه يسمح للقاهرة بالمساهمة في حماية مصالحها ومصالح حلفائها، من دون التورط تلقائياً في حرب مفتوحة داخل الأراضي اليمنية.
المستوى الثالث: التدخل العسكري المباشر.
يبقى هذا الخيار الأكثر كلفة وتعقيداً، ولا يمكن افتراض اللجوء إليه لمجرد تصاعد التهديدات. فهو يتطلب وضوح الهدف العسكري، وتحديد نطاق المهمة ومدتها، وتقدير مخاطر توسيع الحرب، فضلاً عن استكمال الإجراءات الدستورية اللازمة.
وإذا طُرح مثل هذا الخيار، فإن السؤال الأساسي لن يكون فقط عن قدرة مصر على المشاركة، بل عن حدود المهمة: هل يتعلق الأمر بحماية الملاحة والمواقع الاستراتيجية، أم بمواجهة عسكرية أوسع قد تعيد إنتاج تجربة الاستنزاف التي تحاول القاهرة تجنبها منذ عقود؟
وهذا الفارق جوهري؛ لأن حماية ممر ملاحي محدد تختلف استراتيجياً وعملياتياً عن خوض حرب برية مفتوحة يصعب تحديد نهايتها.
الخلاصة: ردع محسوب وليس حرباً جديدة
الموقف المصري، في جوهره، محاولة لتحقيق توازن دقيق بين التضامن مع السعودية وحماية المصالح الوطنية، وبين تجنب الانجرار إلى مواجهة طويلة يصعب التحكم في تكاليفها ونتائجها.
فالقاهرة تعرف أن أمن باب المندب يرتبط مباشرة بأمن قناة السويس، وأن استمرار الاضطراب في البحر الأحمر ليس أمراً يمكن تجاهله. لكنها تعرف أيضاً أن تجربة اليمن في الستينيات أثبتت أن التفوق العسكري لا يكفي وحده لضمان نهاية سريعة للحروب.
مصر بين ماضٍ يخيفها وحاضر يضغط عليها. ماضٍ يقول إن اليمن كان استنزافاً طويلاً، وحاضر يقول إن ترك باب المندب رهينة للاضطراب قد يستنزف قناة السويس واقتصادها.
وبين الاثنين، تحاول القاهرة البحث عن معادلة ثالثة: لا حرب شاملة تكرر تجربة 1962، ولا صمت يترك مصالحها الاستراتيجية عرضة للخطر، بل ردع محسوب يحمي الأمن الإقليمي والملاحة، من دون أن يغرق مصر مجدداً في رمال اليمن.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تونس بين شارعين: احتجاج 17 أكتوبر وامتحان الديمقراطية
- وزارة الذكاء الاصطناعي
- التوافق السياسي انقذ الدولة ام اغرقها؟
- العراق والخليج طبيعة العلاقة
- لا تخف من الجديد.. افهمه أولاً
- حرب اليمن فوضى تخدم مصالح أمريكا
- أسبوع الصواريخ على الرياض.. أين يقف الحلفاء؟
- سلاح الجغرافيا
- الاقتصاد العراقي: نجاح في إدارة الأزمة وفشل في علاجها
- واشنطن _ الرياض مفهوم الشراكة الجديد
- هل انتهى زمن زلينسكي؟
- مطار الرياض الوجه الآخر لحرب الممرات
- الحرب والناخب الأمريكي
- نهاية عصر الحصانة
- هل تتدخل تركيا والباكستان في حرب اليمن؟
- هل العالم يتحمل كلفة الحرب الأمريكية الإيرانية؟
- رفع سعر الدولار.. تخفيض الرواتب
- المستشار الذي لا يملك ضميرا
- بكين_واشنطن نقاط الالتقاء والاختلاف
- عندما يتضاعف الفساد


المزيد.....




- بعد هزيمة حزبه في الانتخابات.. ترامب يوضح مصير وزير دفاعه
- صور-رومانسية- لبيرلا حرب مع جوزيف عطية على أنغام -عم حبو كتي ...
- أوروبا.. آمال بعودة العلاقات عبر الأطلسي
- زعيم الديمقراطيين في الكونغرس الأمريكي يتعهد بوقف حرب إيران ...
- سلام يحذر من جر لبنان لحرب جديدة
- ممداني يشير إلى دلالة كبيرة وراء فوز عبدول السيد على -حيتان ...
- سوريا تشدد على مواطنيها في مصر: احملوا وثائقكم واحذروا الشائ ...
- الرياض ودمشق.. التعاون وملفات الإقليم
- مقتل شخصين في إطلاق نار بمجمع مكاتب -سيتي بنك- بفلوريدا
- رغم هزيمة الجمهوريين: ترامب يدافع عن حرب إيران ويدعم وزير ال ...


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي الحمداني - مصر وحرب اليمن: بين عقدة الستينيات وضغوط باب المندب