أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - حسين علي الحمداني - المستشار الذي لا يملك ضميرا














المزيد.....

المستشار الذي لا يملك ضميرا


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8853 - 2026 / 10 / 9 - 01:12
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


لم يعد العالم يُحكم فقط من غرف الاجتماعات المغلقة، ولا من مكاتب المسؤولين، بل بدأ يدخل إلى غرفة صغيرة بلا نوافذ، يجلس فيها مستشار لا ينام، ولا يتعب، ولا يطلب أجراً.
هذا المستشار اسمه الذكاء الاصطناعي.
هو ليس حاكماً، ولم يلبس يوماً بدلة عسكرية، ولم يلق خطاباً، ولم يطلب من أحد أن يصفق له. لا يريد منصباً ولا كرسياً. كل ما يريده هو أن تسأله، وعندما تسأله يجيب.
لكن إجابته ليست عادية. فهو يستطيع أن يقرأ في ثوانٍ ما يحتاج الإنسان إلى سنوات لقراءته، ويجمع بين معلومات في الطب والاقتصاد والسياسة والقانون والتاريخ والأدب، ثم يقدم لك خلاصة تبدو وكأنها جاءت من عقل يعرف كل شيء.
ولهذا بدأ الإنسان يمنحه مكانة لم يكن يمنحها لأي مستشار من قبل.
الرئيس يسأله كيف يخاطب شعبه، والتاجر يسأله كيف يزيد مبيعاته، والطبيب يستعين به في قراءة المعلومات الطبية، والصحفي يسأله عن صياغة الخبر، والشاب يسأله ماذا يكتب لحبيبته. وفي المستقبل قد تصل الخوارزميات إلى قرارات أكثر حساسية تمس الوظيفة والحرية والأمن والحرب.
في البداية بدا الأمر مريحاً. مستشار حاضر طوال الوقت، لا ينام ولا يتعب، ويجيب في ثوانٍ عن أسئلة تحتاج من الإنسان ساعات أو أياماً.
لكن المشكلة ليست في قدرته على الإجابة، بل في غياب الضمير.
فالذكاء الاصطناعي لا يملك ضميراً بالمعنى الإنساني. لا يشعر بالألم، ولا يعرف معنى الظلم كما يعرفه الإنسان، ولا يتحمل مسؤولية القرار. وهو يتعلم من عالم صنعه البشر؛ عالم فيه العلم إلى جانب الجهل، والعدالة إلى جانب الظلم، والحقيقة إلى جانب الكذب، والتقدم إلى جانب الحروب والعنصرية والانحياز.
فإذا كانت المعلومات التي يتعلم منها منحازة، فقد يعيد إنتاج الانحياز بصورة أكثر أناقة وإقناعاً. وإذا دخلت الأكاذيب إلى البيانات، يستطيع أن يعيد ترتيبها بطريقة تجعلها تبدو أكثر صدقاً.
هو لا يكذب بالضرورة، لكنه لا يعرف وحده لماذا يجب أن تكون الحقيقة أهم من المصلحة.
وهنا تكمن المشكلة.
فالآلة يمكن أن تقول لك إن شخصاً ما أقل ملاءمة لوظيفة، لكنها لا تعرف بالضرورة ماذا يعني أن يُظلم إنسان بسبب قرار خوارزمي. ويمكن أن تقترح هدفاً عسكرياً، لكنها لا تشعر بما يعنيه وجود أطفال داخل ذلك المكان. ويمكن أن تختار خبراً لأنه الأكثر مشاهدة، لكنها لا تعرف وحدها أن الخبر الأكثر انتشاراً ليس بالضرورة الخبر الأكثر أهمية.
الخطر الحقيقي إذن لا يبدأ عندما يصبح الذكاء الاصطناعي أذكى من الإنسان، بل عندما يصبح الإنسان أقل تفكيراً بسبب ذكاء الآلة.
نحن الذين قد نحول المستشار إلى وصي.
نأخذ توصيته في التوظيف فنرفض إنساناً لأن الخوارزمية قالت إنه غير مناسب. ونأخذ توصيته في الإعلام فنحذف خبراً لأنه لا يحظى بالتفاعل الكافي. ونأخذ توصيته في الحرب فنضغط على زر لأن الشاشة قالت: هدف مؤكد.
عندها لا يكون الذكاء الاصطناعي قد استولى على السلطة، بل نكون نحن قد سلمناه جزءاً منها.
ولهذا لا تكمن المشكلة في أن يكون لدينا مستشار ذكي، بل في أن يكون هذا المستشار هو صاحب القرار الأخير.
الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يجمع المعلومات، ويقارن الاحتمالات، ويكشف الأخطاء، ويقترح الحلول. لكنه لا يستطيع أن يحمل وحده المسؤولية الأخلاقية عن النتائج.
لذلك تبقى القاعدة الأهم: المستشار يؤخذ برأيه، ولا يؤخذ بقراره.
يمكننا أن نستخدم الذكاء الاصطناعي في التعليم والطب والإدارة والاقتصاد والإعلام، وأن نستفيد من قدرته الهائلة على المعرفة والتحليل، لكن علينا أن نضع أمامه دائماً شيئاً لا يستطيع امتلاكه مهما تطور: الضمير الإنساني.
فالآلة قد تعرف الكثير، لكنها لا تعرف وحدها ما الذي ينبغي أن نفعله.
وهنا يجب أن يبقى الإنسان حاضراً.
لأن أخطر لحظة في عصر الذكاء الاصطناعي ليست عندما تفكر الآلة مثل الإنسان، بل عندما يتوقف الإنسان عن التفكير.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بكين_واشنطن نقاط الالتقاء والاختلاف
- عندما يتضاعف الفساد
- هل يدفع الناخب الأمريكي فاتورة الحرب على إيران
- اليوم العالمي للمعلمين... واقع المعلم العراقي
- تحديات العملية التربوية في العراق
- هل يمكن انسنة الذكاء الاصطناعي؟
- تأثير الانسحاب الأمريكي على كردستان
- تحديات العام الدراسي
- 3 تشرين الأول.. يوم استعاد العراق حقه التاريخي
- كيف تبني دول الخليج امنها؟
- اليوم العالمي للاعنف
- المجتمع المدني والدولة
- الدين والدولة في العالم العربي
- من يقود الشرق الأوسط؟
- الانسحاب الأمريكي والسيادة العراقية
- الذكاء الاصطناعي ليس بديلا للعقل
- الانسحاب الأمريكي قراءة في التوقيت والدلالات
- ظاهرة الانتحار في العراق
- وزير التسوق
- أربيل بعد الانسحاب الأمريكي.. ماذا بقي من المظلة؟


المزيد.....




- بالأسماء.. أكبر الرابحين والخاسرين بتحليل للانتخابات النصفية ...
- حقيبة فاخرة تحظى بشهرة عالمية.. أين تُصنع؟
- ترامب يتباهى ببناء قاعة الرقص في اليوم التالي لهزيمة الانتخا ...
- الجمهوريون ينقلبون بسرعة ضد وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث ...
- الإعلام الإسرائيلي يتحدث عن فشل المناطق التجريبية في لبنان
- إيران بعد -التجديد-.. هل يختار ترامب التفاوض أم التصعيد العس ...
- أين ومتى رصدت القُبلة الأولى؟
- بعد الانتخابات الأميركية.. غموض يلفّ مستقبل الحرب مع إيران و ...
- الهجرة غير النظامية من ليبيا إلى أوروبا .. شبكات تهريب وأربا ...
- مباشر: حرائق بناقلتي نفط وقاطرة بحرية في مضيق هرمز وكوريا ال ...


المزيد.....

- تحلل اللاهوت الليبرالي: صعود وسقوط الهيمنة الاقتصادية الأمري ... / مجدى عبد الهادى
- ألمانيا..الحياة والمجهول / ملهم الملائكة
- كتاب : العولمة وآثارها على الوضع الدولي والعربي / غازي الصوراني
- نبذ العدمية: هل نكون مخطئين حقًا: العدمية المستنيرة أم الطبي ... / زهير الخويلدي
- Express To Impress عبر لتؤثر / محمد عبد الكريم يوسف
- التدريب الاستراتيجي مفاهيم وآفاق / محمد عبد الكريم يوسف
- Incoterms 2000 القواعد التجارية الدولية / محمد عبد الكريم يوسف
- النتائج الايتيقية والجمالية لما بعد الحداثة أو نزيف الخطاب ف ... / زهير الخويلدي
- قضايا جيوستراتيجية / مرزوق الحلالي
- ثلاثة صيغ للنظرية الجديدة ( مخطوطات ) ....تنتظر دار النشر ال ... / حسين عجيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - حسين علي الحمداني - المستشار الذي لا يملك ضميرا