أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي الحمداني - تونس بين شارعين: احتجاج 17 أكتوبر وامتحان الديمقراطية















المزيد.....

تونس بين شارعين: احتجاج 17 أكتوبر وامتحان الديمقراطية


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8861 - 2026 / 10 / 17 - 21:00
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


شهدت تونس السبت ١٧ أكتوبر مسيرة احتجاجية حاشدة تُعد من أكبر التحركات المناهضة للرئيس قيس سعيد خلال السنوات الأخيرة. وجاءت المسيرة بدعوة من تسع منظمات وطنية ومكونات من المجتمع المدني، في مقدمتها الاتحاد العام التونسي للشغل، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وعمادة المحامين، والنقابة الوطنية للصحفيين.
انطلقت المسيرة من ساحة محمد علي الحامي باتجاه شارع الحبيب بورقيبة، الرمز الأبرز لثورة 14 يناير 2011، ورفعت شعارات تدعو إلى حماية الحريات والحقوق الاجتماعية، وتؤكد أن العمل والحرية والكرامة الوطنية مطالب لا تنفصل عن مستقبل البلاد.
أولاً: لماذا خرج الناس اليوم؟
تتقاطع وراء هذه الاحتجاجات أسباب سياسية واقتصادية واجتماعية، يصعب فصل بعضها عن بعض.
سياسياً، تتهم قوى معارضة ومنظمات حقوقية الرئيس قيس سعيد بتركيز السلطات في يده، وإضعاف استقلال القضاء، وتضييق المجال أمام الإعلام والعمل النقابي والمعارضة، منذ الإجراءات التي اتخذها في 25 يوليو 2021، وما أعقبها من حل البرلمان وإقرار دستور جديد. في المقابل، يرفض سعيد وصف إجراءاته بالانقلاب أو الاستبداد، ويقدمها باعتبارها مساراً لتصحيح عمل الدولة ومواجهة الفساد، مؤكداً أن الملاحقات القضائية تجري وفق القانون.
أما اقتصادياً واجتماعياً، فتتقدم معاناة المواطنين إلى واجهة المشهد: تراجع القدرة الشرائية، وارتفاع الأسعار، والبطالة، وتدهور بعض الخدمات العامة، والانقطاعات المتكررة للماء والكهرباء، ونقص الأدوية والمواد الأساسية. وهذه ليست مطالب سياسية مجردة، بل تفاصيل يومية تمس حياة الأسر وتزيد شعورها بالقلق على المستقبل.
ولعل أهمية مسيرة اليوم تكمن في اجتماع قوى سياسية ونقابية ومدنية مختلفة حول مطالب مشتركة، رغم الخلافات التي تفصل بينها. فحين تتراجع مساحة الحوار، تصبح الشوارع إحدى الوسائل المتاحة للتعبير عن الاعتراض.
ثانياً: الوجه الآخر للمشهد.. لماذا لا يزال قيس سعيد يحظى بالتأييد؟
لا يمكن، في المقابل، اعتبار خروج آلاف المتظاهرين دليلاً كافياً على انتهاء شعبية الرئيس. فهناك قطاعات من التونسيين ما زالت تنظر إليه بإيجابية، وإن كانت درجة هذا التأييد وحجمه يحتاجان إلى استطلاعات موثوقة لقياسهما.
تستند هذه النظرة إلى مجموعة من الاعتبارات؛ منها صورة سعيد بوصفه شخصية بعيدة عن شبكات الفساد المرتبطة بالنظام السياسي السابق، والغضب الذي أثاره أداء البرلمان خلال سنوات ما بعد الثورة، وخطابه السيادي الرافض للإملاءات الخارجية، وتأكيده دور الدولة في حماية الفئات الشعبية. ويضاف إلى ذلك ضعف الثقة لدى بعض المواطنين بالأحزاب التي تداولت السلطة بين عامي 2011 و2021، وعدم اقتناعهم بأن عودتها ستقدم حلاً مختلفاً للأزمات القائمة.
لكن فهم هذه الدوافع لا يعني التسليم بأن السياسات الحالية حققت أهدافها، مثلما أن نقد الرئيس لا يعني بالضرورة الدعوة إلى عودة المنظومة السياسية السابقة.
هنا تظهر صورة تونس بين شارعين: شارع يخشى أن تتحول السلطة إلى مركز مغلق لا يقبل الرقابة والاعتراض، وشارع آخر يتذكر إخفاقات المرحلة السابقة، ويرى أن استعادة هيبة الدولة والاستقرار أولوية لا تقل أهمية عن التعددية السياسية.
وبين الموقفين توجد فئات واسعة لا تريد الاختيار بين الحرية والخبز، أو بين الدولة والديمقراطية، بل تريد دولة قادرة على توفير الخدمات والعمل، وتحترم في الوقت نفسه الحقوق والحريات.
ثالثاً: إلى أين يمكن أن تتجه الأزمة؟
يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية، من دون التعامل مع أي منها بوصفه نتيجة مؤكدة.
المسار الأول هو الحوار الوطني، الذي يمكن أن يفتح باب التفاهم بين الرئاسة والاتحاد العام التونسي للشغل والمنظمات المدنية والقوى السياسية. ولن يكون الحوار مجدياً إذا اقتصر على اللقاءات الشكلية، بل يحتاج إلى ضمانات للحريات، واحترام استقلال القضاء، واتفاق على أولويات اقتصادية واجتماعية قابلة للتنفيذ.
أما المسار الثاني فهو التسوية الجزئية، عبر خطوات عملية لتخفيف الاحتقان، وتحسين الخدمات العامة، وتوسيع مساحة العمل الإعلامي والنقابي، ومعالجة بعض الملفات القضائية المختلف عليها، من دون تغيير جذري في بنية النظام السياسي. وقد يكون هذا المسار أقل كلفة في المدى القريب، لكنه لن يعالج الأزمة ما لم يقترن بإصلاحات أوسع.
والمسار الثالث هو استمرار الانسداد، مع تمسك كل طرف بموقفه، وتراجع الثقة بين مؤسسات الدولة والمنظمات والمجتمع، وتأجيل المعالجات الاقتصادية الضرورية. وفي هذه الحالة، قد تتراكم المشكلات الاجتماعية والسياسية حتى يصبح حلها أكثر صعوبة.
رابعاً: تونس مقارنة بليبيا ومصر وسوريا
تكتسب التجربة التونسية أهميتها من مقارنتها بما آلت إليه الأوضاع في بلدان عربية أخرى شهدت انتفاضات عام 2011. لكن المقارنة المنصفة تقتضي عدم اختزال تجارب هذه الدول في نتيجة واحدة، لأن لكل منها ظروفها وبنيتها السياسية والاجتماعية.
في ليبيا، أدى سقوط نظام معمر القذافي إلى انهيار أجزاء أساسية من مؤسسات الدولة، وتفكك القوة المسلحة، ودخول البلاد في انقسامات وصراعات متواصلة بين مراكز نفوذ متنافسة.
وفي مصر، أسفرت ثورة 25 يناير عن سقوط حسني مبارك، لكنها لم تؤسس لنظام ديمقراطي مستقر؛ إذ عادت المؤسسة العسكرية إلى صدارة السلطة، وتقلص المجال السياسي أمام المعارضة.
أما سوريا، فقد دخلت حرباً مدمرة استمرت أكثر من ثلاثة عشر عاماً، وانتهت بسقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، بعد خسائر بشرية ونزوح ودمار واسع النطاق.
تونس، في المقابل، تجنبت الحرب الأهلية والانهيار الشامل للدولة، وشهدت بعد الثورة انتقالاً سياسياً ودستورياً مهماً. وكان للحوار الوطني الذي رعاه الاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وعمادة المحامين والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية دور بارز في تجاوز أزمة سياسية حادة، وهو الدور الذي نال بسببه الرباعي الراعي للحوار جائزة نوبل للسلام عام 2015.
غير أن الحفاظ على مؤسسات الدولة لا يكفي وحده للحكم بنجاح التجربة الديمقراطية. فمنذ عام 2021، دخلت تونس مرحلة جديدة اتسمت بتركيز أكبر للسلطة وتراجع الضمانات المؤسسية للتعددية، وهو ما أعاد إلى الواجهة سؤال العلاقة بين الاستقرار السياسي والحقوق والحريات.
ومن هنا، فإن سلمية احتجاج اليوم تمثل عنصراً مهماً في المشهد التونسي، لكنها ليست دليلاً كافياً على سلامة المسار الديمقراطي. فالاختبار الحقيقي هو قدرة المؤسسات على حماية حق الاحتجاج، وضمان حرية التعبير والتنظيم، وإيجاد حلول للخلافات بعيداً عن الإقصاء والعنف.
الخلاصة
إن امتحان الديمقراطية التونسية اليوم ليس مجرد سؤال عن بقاء الرئيس قيس سعيد أو رحيله، ولا عن عودة الأحزاب القديمة أو استمرار النظام الحالي. إنه سؤال أعمق يتعلق بقدرة المجتمع والدولة على بناء صيغة سياسية تحقق الاستقرار من دون التضحية بالحريات، وتحمي الدولة من التفكك من دون تحويلها إلى سلطة لا تخضع للمساءلة.
فالديمقراطية لا تُقاس بعدد الانتخابات وحدها، كما لا تُقاس هيبة الدولة بقدرتها على فرض الصمت. إنها تُقاس بقدرة المواطن على الاعتراض من دون خوف، ومحاسبة المسؤول من دون انتقام، والحصول على حقوقه الأساسية من دون أن يتحول الفقر والبطالة إلى قدر دائم.
وإذا كانت ثورة 14 يناير قد فتحت أمام التونسيين باب الأمل، فإن مسؤولية المرحلة الراهنة هي منع إغلاق ذلك الباب، لا باسم الحنين إلى الماضي، ولا باسم الحزم، بل عبر التوفيق بين الحرية والكرامة المعيشية، وهما مطلبان لا يستقيم أحدهما من دون الآخر.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وزارة الذكاء الاصطناعي
- التوافق السياسي انقذ الدولة ام اغرقها؟
- العراق والخليج طبيعة العلاقة
- لا تخف من الجديد.. افهمه أولاً
- حرب اليمن فوضى تخدم مصالح أمريكا
- أسبوع الصواريخ على الرياض.. أين يقف الحلفاء؟
- سلاح الجغرافيا
- الاقتصاد العراقي: نجاح في إدارة الأزمة وفشل في علاجها
- واشنطن _ الرياض مفهوم الشراكة الجديد
- هل انتهى زمن زلينسكي؟
- مطار الرياض الوجه الآخر لحرب الممرات
- الحرب والناخب الأمريكي
- نهاية عصر الحصانة
- هل تتدخل تركيا والباكستان في حرب اليمن؟
- هل العالم يتحمل كلفة الحرب الأمريكية الإيرانية؟
- رفع سعر الدولار.. تخفيض الرواتب
- المستشار الذي لا يملك ضميرا
- بكين_واشنطن نقاط الالتقاء والاختلاف
- عندما يتضاعف الفساد
- هل يدفع الناخب الأمريكي فاتورة الحرب على إيران


المزيد.....




- الحوثيون يعلنون إسقاط طائرة استطلاع سعودية من طراز -كاريال- ...
- -عدوى فرنسية-.. أحداث شغب ونهب بمدينة ميلانو الإيطالية تسفر ...
- الدفاعات الجوية الروسية تسقط 87 مسيرة كانت متجهة إلى موسكو م ...
- روبيو يبرر تعليق العقوبات على روسيا: الديزل سيباع بطريقة أو ...
- روبيو: لا علاقة للبيت الأبيض بتقييد عمل -ستارلينك- في أوكران ...
- احتجاجات فرنسا: حريق يُدمر بلدية ليموج
- تنظيم الدولة يعلن قتل 21 عسكريا بهجوم على قاعدة للجيش في نيج ...
- بعد 65 عاما.. الشرطة الأمريكية تحل لغز جريمة قتل وهوية القات ...
- معرض باريس للسيارات يشعل المشهد العالمي بموجة من الطرازات ال ...
- عاجل | وزير الخارجية الأمريكي: طالبنا إسرائيل باتخاذ إجراءات ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين علي الحمداني - تونس بين شارعين: احتجاج 17 أكتوبر وامتحان الديمقراطية