أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - مالك الجبوري - يونس بحري بين الوثيقة والأسطورة (الجزء الأول)















المزيد.....

يونس بحري بين الوثيقة والأسطورة (الجزء الأول)


مالك الجبوري

الحوار المتمدن-العدد: 8863 - 2026 / 10 / 19 - 17:57
المحور: سيرة ذاتية
    


سبع عشرة لغة ومئات الزوجات… كيف تُصنع شخصية خارقة؟

حين تُروى حياة الصحفي والرحالة العراقي يونس بحري، تتزاحم الأرقام والمغامرات حتى يكاد الإنسان يختفي خلفها: سبع عشرة لغة، وجنسيات متعددة، وعشرات الزوجات أو مئاتهن، وأبناء منتشرون في أنحاء العالم، وسباحة عبر البحار من دون تدريب، وعلاقات بالملوك والزعماء. تبدو كل حكاية تمهيداً لحكاية أشد غرابة، وكأن قيمة الرجل تتوقف على قدرته على تجاوز حدود الممكن باستمرار.
لكن السؤال التاريخي يبدأ عند النقطة التي تنتهي فيها دهشة المستمع: ما الذي ثبت من هذه الأخبار؟ ومن رواها أول مرة؟ وهل لدينا شهادات مستقلة، أم نصوص كثيرة تعيد إنتاج رواية واحدة؟
لا يقتضي طرح هذه الأسئلة إنكار موهبة بحري أو مغامراته، بل يقتضي الفصل بين التجربة والصورة التي تشكلت حولها. فقد يكون الإنسان صاحب حياة استثنائية، وتكون بعض الأخبار المنسوبة إليه مبالغاً فيها في الوقت نفسه.
لا تتكون الأسطورة من الأكاذيب وحدها. قد تبدأ بواقعة صحيحة، ثم تتسع بالتأويل والاختصار والإضافة. وقد يروي صاحبها نادرة على سبيل المزاح، فيحفظها الآخرون خبراً، أو يتحدث عن نفسه بلغة المبالغة، فيتعامل معها قارئ متأخر باعتبارها شهادة دقيقة.
لهذا فإن مذكرات بحري وأحاديثه مصادر ضرورية، لكنها تحتاج إلى المقارنة. فما يقوله الإنسان عن حياته يكشف تجربته، ويكشف أيضاً الطريقة التي يريد أن يُرى بها. وهناك فرق بين أن نقول «فعل بحري كذا»، وأن نقول «يروي بحري أنه فعل كذا». حذف هذه المسافة الصغيرة قد يغير طبيعة المعلومة كلها.
ويزداد الأمر تعقيداً عندما تُنقل الأخبار من المذكرات إلى المقالات، ثم إلى الموسوعات وصفحات التواصل، فتضيع الإحالة الأولى، ويبقى تكرار الرواية حاضراً كأنه دليل على صحتها.
تورد كتابات عن بحري أعداداً مختلفة للغات التي عرفها. لكن الإشكال لا يقتصر على الاختلاف بين خمس عشرة وست عشرة وسبع عشرة؛ إذ تظل كلمة «الإتقان» نفسها بحاجة إلى تعريف.
فمن يعرف عبارات تساعده على السفر لا يمتلك بالضرورة القدرة على كتابة مقال، ومن يجري محادثة قد لا يستطيع قراءة نص متخصص. وتعلّم اللغة بالمعايشة ممكن، وقد يبلغ صاحبه مستوى عالياً، لكن كثرة الأسفار لا تكفي وحدها لإثبات هذا المستوى.
هنا تكتسب شهادة ابنه لؤي أهمية خاصة. ففي الجزء الثاني من حوار أجرته معه حياة عبد علي هاشم، ونشرته «الزمان» في عددها الصادر يوم 9 يوليو/تموز 2024، يذكر الإنجليزية والفرنسية والألمانية، إضافة إلى العربية، وبعض الجمل بالإسبانية والإيطالية، ويتحفظ بشأن التركية. ويقدّر معرفته بأربع أو خمس لغات. هذه شهادة بحسب معرفة الابن، لكنها تعارض تقديم رقم السبع عشرة بوصفه حقيقة متفقاً عليها.
وتوجد رسالة مصورة بالإنجليزية، منسوبة إلى بحري وموجهة إلى جولي، بتاريخ 14 يونيو/حزيران 1939. نصها مفهوم، مع أخطاء لغوية وتراكيب غير سليمة. وتشير رسالة ماجستير للباحث لوسيان كيركهوف إلى رسالة بالتاريخ نفسه، تتناول تنظيم البث العربي في وزارة الدعاية الألمانية. هذه إحالة مفيدة لتتبّع أصل المراسلة، وإن كانت لا تعني أننا عاينّا الأصل الأرشيفي أو أثبتنا مطابقة النسخة المتداولة له.
وبفرض صحة نسبتها وكتابته لها بنفسه، فهي شاهد على استعمال الإنجليزية في التواصل، وليست برهاناً على إتقان لغات أخرى. كما أن أخطاء رسالة شخصية واحدة لا تكفي لنفي قدرته على التخاطب. القراءة النقدية تلتزم بما تسمح به المادة، ولا تحولها إلى أداة للتعظيم أو الانتقاص.
تتضخم صورة بحري أكثر حين يصل الحديث إلى النساء والأبناء. غير أن الأرقام المتفاوتة تفرض سؤالاً بسيطاً: هل هي حصيلة إحصاء، أم أقوال منسوبة إليه، أم نوادر تراكمت في التداول؟
في الجزء الأول من حوار «الزمان»، المنشور على موقعها بتاريخ 7 يوليو/تموز 2024، يقدم لؤي رواية مختلفة. فهو يقول إنهم ثلاثة أبناء، وإنه يعرف زواج والده من امرأتين أو ربما ثلاث، مع إقراره بعدم امتلاك معلومات موثقة عن بعض تفاصيل زواجه من الهولندية.
لا تجعل صلة القرابة صاحبها عارفاً بكل علاقة خفية أو واقعة حدثت بعيداً عنه. لكن وجود هذه الشهادة يمنع إخفاء الخلاف وتقديم الأرقام الضخمة باعتبارها مستقرة. ولا يمكن ترجيح الرواية الأكثر إثارة لمجرد أنها أشهر.
من المفيد إخراج الرسامة الهولندية جولي فان دير فين من موقع الاسم العابر في حكايات بحري. فالموقع المخصص لحياتها وأعمالها ينشر سيرة يقول القائمون عليه إنها كتبتها صيف 1990، ويعرض صوراً ومواد تركتها لديهم. وهذا يمنحنا رواية من جانبها، مع ضرورة تذكر أنها ذكريات متأخرة منشورة بوساطة أشخاص عرفوها، وليست سجلاً رسمياً لكل الأحداث.
بحسب هذه السيرة، التقت بحري في مونت كارلو عام 1928، وخُطبت له في لاهاي عام 1929، ثم تزوجا في برلين يوم 29 ديسمبر/كانون الأول 1939، وانفصلا في أبريل/نيسان 1940. وتروي أنها تحققت من بعض أقواله لدى القنصلية الهولندية، فوجدت بعضها صحيحاً وبعضها غير صحيح، ومنها ما يتعلق بمنصب أبيه. ينبغي نقل ذلك بوصفه روايتها، لا حكماً مستقلاً على جميع أخباره.
وتحيل دراسة كيركهوف، في الصفحة 48 والهامش 158، إلى وثيقة زواج بالقنصلية الأفغانية في برلين بتاريخ 29 ديسمبر 1939. هذه قرينة بحثية أقوى من تعليق مجهول على صورة، وإن كانت إحالة الباحث إلى الوثيقة تختلف عن معاينتنا لها مباشرة.
بهذا تصبح لدينا علاقة محددة يمكن تتبّعها، بدلاً من أرقام تعجز الروايات المتداولة عن تقديم سجل لها.
أما قصة الفوز بعبور المانش من دون تدريب، فينبغي فحصها بتحديد تاريخ الحدث وطبيعته والجهة المنظمة ونتيجته وما نُشر عنه آنذاك. فالعبور الفردي غير المسابقة، والمشاركة غير الفوز.
لم تتوافر في المصادر التي اعتمدناها هنا وثيقة رياضية مستقلة تكفي لحسم هذه الرواية. لذلك لا نعلن أنها مستحيلة أو مختلقة، ولا نعرضها إنجازاً مؤكداً. تعليق الحكم نتيجة مشروعة عندما لا تكفي الأدلة.
تقدم محاضرة سيّار الجميل، الملقاة في تورنتو عام 2011، مثالاً على التوتر بين النقد والانبهار. فهو يحذر من النقل غير الممحص، ويشكك في بعض الأخبار، ويدعو إلى البحث في الوثائق. لكنه يستخدم أيضاً لغة الاحتفاء بالشخصية الخارقة، ويسأل، بعد سرد الأرقام المنسوبة إلى بحري، عما إذا كان صدق جزء يسير منها يكفي لاعتباره أعجوبة.
المشكلة أن افتراض صحة جزء لا يحدد أي جزء صح. فالتحقيق يحتاج إلى فحص الادعاءات واحداً واحداً، لا الاحتفاظ بحصة غير معلومة منها باعتبارها صحيحة.
ومن التفاصيل التي تستدعي المراجعة تحديد اللقاء الأول بجولي في 29 فبراير/شباط 1929، وهو تاريخ غير ممكن تقويمياً، لأن السنة ليست كبيسة. قد يكون خطأ نقل، ولا ينفي أصل اللقاء، لكنه يبين أن دقة الصياغة الظاهرية لا تضمن دقة الخبر.
لا يفكر المجتمع بصوت واحد، ولا يجوز تحميل العراقيين جميعاً مسؤولية صورة صنعها بعض الرواة والكتّاب والمعجبين. الأدق تتبّع الأدوار: صاحب المذكرات، وناقل النادرة، ومحرر المقال، والقارئ الذي يعيد النشر.
قد تبدأ المعلومة بعبارة «يقول بحري»، ثم تصبح «يُقال عنه»، وتنتهي إلى «لقد فعل». لم تظهر وثيقة جديدة؛ الذي تغير هو درجة اليقين في العبارة.
وقد يدفع الاعتزاز بشخصية عراقية لافتة إلى التساهل مع أخبارها، فيُفهم طلب الدليل بوصفه انتقاصاً. لكن قيمة بحري لا تتوقف على صحة كل غرائبه، كما أن سقوط رواية لا يسقط حياته كلها.
غياب الدليل لا يثبت الكذب، لكنه يمنع تقديم الادعاء باعتباره حقيقة محسومة. وهذا هو الفاصل الذي ينبغي الحفاظ عليه لاستعادة الإنسان من وراء الأسطورة، ثم الانتقال إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا فعل بصوته وقلمه، ولأي سلطة استخدم موهبته؟



#مالك_الجبوري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من مشانق الثورة إلى مجازر 2026… تاريخ الجمهورية الإسلامية ال ...
- من مشانق الثورة إلى مجازر 2026… تاريخ الجمهورية الإسلامية ال ...
- هل يحتاج تعظيم علي بن أبي طالب إلى تعطيل العقل؟
- من تصفية حزب توده إلى مجزرة السجون: اكتمال دولة الخوف (1982– ...
- الثورة التي أعدمت أبناءها: كيف احتكر الخميني ثورة 1979؟
- أسلحة إيران–كونترا: هل غيّرت ميزان الحرب العراقية–الإيرانية؟ ...
- إيران–كونترا: هل كان الخميني يجهل صفقة السلاح مع أميركا وإسر ...
- إيران–كونترا: كيف اشترت طهران السلاح الأميركي عبر إسرائيل؟ : ...
- إيران–كونترا: حين سقطت شعارات العداء أمام مصالح الدول: الجزء ...
- الحشد الشعبي وإشكالية حصر السلاح: بين الشرعية القانونيةوالسي ...
- الحرب بين واشنطن وطهران لم تنتهِ بعد… وفرحة الانتصار لا تزال ...
- الاتفاق الإيراني – الأمريكي: نهاية للحرب أم صفقة لتبادل المص ...
- حين تصبح القواعد الإسرائيلية “قوات مجهولة الهوية”: فضيحة الص ...
- هرمز لم يعد سيف إيران… كيف تحولت ورقة طهران إلى عبء عليها ؟
- رئيس وزراء ورجل أعمال؟ تضارب المصالح وحدود تفضيل المصلحة الع ...
- العراق تحت ضغط الدولار: الاقتصاد كساحة صراع بين الدولة والمي ...
- قاآني في بغداد… القرار العراقي بين يد الدولة وظل الحرس الثور ...
- الشجرة الخبيثة: قراءة سوسيولوجية في أسطورة وطنية
- هدنة الأكاذيب… حرب خسرها الجميع ويُعلنها كل طرف انتصارًا
- النصر كخدعة كبرى: كيف تُدار الهزائم في العقل العربي


المزيد.....




- مسلحون مجهولون يطلقون النار على تايغر شروف ممثل بوليوود المش ...
- المفوضية الأوروبية ترفض مقترحا أمريكيا لاستئناف شراء الغاز ا ...
- عاصفة مدمرة تجتاح شرق إسبانيا وتخلف قتلى وفيضان الأنهار وتشل ...
- ولية عهد هولندا تحصل على رتبة رقيب في القوات المسلحة
- لافروف يؤكد استعداد روسيا للمساعدة في إيجاد حلول للنزاع بين ...
- تروكيا.. الحلقة الـ65
- -البديل من أجل ألمانيا- يعلق على سير قضية تفجير خطوط غاز -ال ...
- لافروف يكشف الهدف من محاولات دفع القضية الفلسطينية إلى هامش ...
- الدفاع السورية تعلن مقتل جندي بيد مجهولين في ريف دير الزور
- عجمان تحيي الطرب الإماراتي القديم


المزيد.....

- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / المهندس صباح يوسف ابراهيم
- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / مذكرات وذكريات مهندس في العراق
- الدنمارك، نسير معاً، كل بمفرده / حكمة اقبال
- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - مالك الجبوري - يونس بحري بين الوثيقة والأسطورة (الجزء الأول)