مالك الجبوري
الحوار المتمدن-العدد: 8854 - 2026 / 10 / 10 - 15:03
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الجزء الثالث : حين خرج القتل من السجون: الاغتيالات المتسلسلة وقمع الجامعات والحركة الخضراء 1989–2009
لم تؤدِّ وفاة آية الله الخميني في حزيران/يونيو 1989 إلى نهاية الدولة الأمنية التي نشأت بعد الثورة، بل دشنت مرحلة جديدة أعادت فيها الجمهورية الإسلامية تنظيم مؤسساتها وأساليب قمعها. فبعد أن استخدم النظام خلال الثمانينيات المحاكم الثورية والإعدامات الجماعية والسجون لتصفية خصومه، اتجه في التسعينيات إلى وسائل أكثر تنوعاً: اغتيال المعارضين في الخارج، تصفية الكتّاب والمثقفين داخل البلاد، فرض الرقابة على الصحافة، وقمع الجامعات والحركات الاجتماعية. لم يعد العنف محصوراً خلف جدران السجون، بل انتقل إلى المنازل والشوارع والمطاعم الأوروبية والحرم الجامعي.
جاء علي خامنئي إلى منصب المرشد الأعلى بعد وفاة الخميني، رغم أنه لم يكن يمتلك المكانة الدينية نفسها التي كان يتمتع بها مؤسس الجمهورية الإسلامية. ولتسهيل وصوله، عُدّل الدستور وأُسقط عملياً الشرط الديني الصارم الذي كان مطلوباً في المرشد. وفي الوقت نفسه أُلغي منصب رئيس الوزراء، وانتقلت صلاحياته إلى رئاسة الجمهورية، فتشكلت معادلة جديدة بين خامنئي، الذي احتفظ بالسلطة العليا والإشراف على القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وعلي أكبر هاشمي رفسنجاني، الذي تولى رئاسة الجمهورية ورفع شعار إعادة الإعمار بعد الحرب مع العراق.
لكن إعادة الإعمار الاقتصادي لم تترافق مع انفتاح سياسي حقيقي. بقيت المؤسسات غير المنتخبة، وفي مقدمتها مكتب المرشد والحرس الثوري ووزارة الاستخبارات ومجلس صيانة الدستور، قادرة على تعطيل أي تحول يمس جوهر النظام. وبدلاً من الإعدامات الواسعة والمعلنة، توسعت عمليات ملاحقة المعارضين بوسائل أكثر سرية، وخصوصاً أولئك الذين واصلوا نشاطهم من خارج إيران.
في تموز/يوليو 1989 اغتيل عبد الرحمن قاسملو، الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، مع اثنين من رفاقه داخل شقة في فيينا. كان قاسملو قد دخل في مفاوضات مع ممثلين عن الحكومة الإيرانية على أمل التوصل إلى تسوية تتعلق بحقوق الأكراد، لكن الاجتماع انتهى بمقتله. وعلى الرغم من الشبهات القوية التي أحاطت بأعضاء الوفد الإيراني، تمكن المشتبه بهم من مغادرة النمسا من دون محاكمة. تحولت المفاوضات، التي كان يفترض أن تكون طريقاً إلى الحل السياسي، إلى فخ أنهى حياة أحد أبرز قادة المعارضة الكردية الإيرانية.
وفي آب/أغسطس 1991 اغتيل شابور بختيار، آخر رئيس وزراء في عهد الشاه وأحد المعارضين البارزين للجمهورية الإسلامية، داخل منزله قرب باريس. تمكن القتلة من دخول المنزل والوصول إليه رغم الإجراءات الأمنية، ولم يُكتشف مقتله إلا بعد مرور وقت على تنفيذ الجريمة. شكّل اغتياله دليلاً جديداً على قدرة شبكات مرتبطة بالنظام على ملاحقة المعارضين حتى داخل الدول الأوروبية.
بلغ هذا النشاط ذروة أخرى في أيلول/سبتمبر 1992، عندما قُتل أربعة من قادة المعارضة الكردية الإيرانية داخل مطعم ميكونوس في برلين. لم تبقَ القضية في حدود اتهام منفذين أفراد، بل تحولت إلى محاكمة سياسية وأمنية واسعة كشفت طبيعة عمليات الاغتيال الإيرانية في أوروبا. وفي حكمها الصادر عام 1997، خلصت المحكمة الألمانية إلى أن الجريمة نُفذت بقرار صادر عن مستويات عليا في السلطة الإيرانية. وأدت القضية إلى أزمة دبلوماسية حادة بين إيران والدول الأوروبية، بعدما أصبح من الصعب التعامل مع الاغتيالات باعتبارها حوادث منفصلة أو تصرفات فردية.
لم تكن ملاحقة المعارضين في الخارج منفصلة عن قمع الداخل. ففي التسعينيات نما تيار ثقافي وصحفي طالب بتوسيع الحريات، وإنهاء الرقابة، وإخضاع الأجهزة الأمنية للقانون. وظهرت مجلات وصحف وكتابات حاولت مناقشة قضايا الدولة والدين وحقوق الإنسان، كما بدأت قطاعات من الشباب والطلبة والنساء تطالب بإصلاحات تتجاوز الحدود الضيقة التي رسمها النظام.
أثار انتخاب محمد خاتمي رئيساً للجمهورية عام 1997 آمالاً واسعة في إمكان تحقيق انفتاح تدريجي. رفع خاتمي شعارات المجتمع المدني وسيادة القانون وحوار الحضارات، وحصل على دعم الشباب والنساء والطلبة والمثقفين. غير أن رئاسته كشفت سريعاً حدود سلطة المؤسسات المنتخبة، لأن الأجهزة الأمنية والقضائية والمؤسسات الخاضعة للمرشد بقيت قادرة على إغلاق الصحف واعتقال الناشطين ومنع الإصلاحات الأساسية.
في هذه الأجواء وقعت الجرائم التي عُرفت باسم «الاغتيالات المتسلسلة». ففي عام 1998 قُتل عدد من المثقفين والناشطين السياسيين في عمليات متقاربة أثارت صدمة واسعة. كان من أبرز الضحايا داريوش فروهر، وزير العمل السابق وأحد قادة المعارضة الوطنية، وزوجته بروانة إسكندري، اللذان قُتلا داخل منزلهما بطريقة وحشية. وبعد ذلك عُثر على جثتي الكاتبين محمد مختاري ومحمد جعفر بويَنده، وقد تعرضا للخطف والخنق.
لم يكن اختيار الضحايا عشوائياً. فقد كانوا يمثلون أصواتاً سياسية وثقافية مستقلة، ويحاولون الدفاع عن حرية التعبير وتأسيس فضاء عام خارج سيطرة المؤسسة الدينية والأمنية. ولذلك لم تكن عمليات قتلهم مجرد جرائم جنائية، بل رسائل موجهة إلى مجتمع المثقفين بأكمله: يمكن للنظام أن يصل إلى الكاتب والمعارض في منزله، وأن يحول الاختلاف الفكري إلى حكم بالموت من دون محاكمة.
أمام تصاعد الغضب الشعبي وضغط الصحافة الإصلاحية، اضطرت وزارة الاستخبارات في كانون الثاني/يناير 1999 إلى الاعتراف بأن عناصر من داخلها شاركت في تنفيذ الاغتيالات. لكنها حاولت حصر المسؤولية في مجموعة وصفتها بأنها «عناصر مارقة» تصرفت من تلقاء نفسها. لم يكن هذا التفسير مقنعاً لكثير من المعارضين والحقوقيين، لأن طبيعة العمليات، وتعدد الضحايا، واستخدام الإمكانات الأمنية، أشارت إلى وجود شبكة أوسع من مجموعة صغيرة خرجت عن الأوامر.
أُعلن لاحقاً عن وفاة سعيد إمامي، وهو مسؤول سابق في وزارة الاستخبارات وأحد أبرز المتهمين بتنظيم العمليات، داخل السجن. قالت السلطات إنه انتحر، لكن وفاته زادت الشكوك وأغلقت الباب أمام معرفة الجهات التي أصدرت الأوامر. جرت محاكمة بعض المتهمين، إلا أن التحقيق لم يصل إلى المسؤولين السياسيين والأمنيين الكبار، وبقيت الحقيقة مجزأة ضمن رواية رسمية سعت إلى حماية بنية النظام وحصر الجريمة في المنفذين المباشرين.
وفي الوقت الذي كانت فيه قضية الاغتيالات المتسلسلة تهز الرأي العام، أصبحت الجامعات ساحة مواجهة جديدة. ففي تموز/يوليو 1999 أُغلقت صحيفة «سلام» الإصلاحية، فخرج طلبة جامعة طهران في احتجاجات سلمية دفاعاً عن حرية الصحافة. اقتحمت قوات الأمن وعناصر من الباسيج السكن الجامعي ليلاً، واعتدت على الطلبة وحطمت الغرف وألقت بعض المحتويات من النوافذ. أدى الهجوم إلى مقتل الطالب عزت إبراهيم نجاد، وسقوط جرحى واعتقال المئات، مع استمرار الخلاف بشأن العدد الكامل للضحايا.
أشعل اقتحام السكن الجامعي احتجاجات امتدت عدة أيام وانتقلت إلى مدن أخرى. للمرة الأولى منذ السنوات الأولى للثورة، ظهرت حركة طلابية واسعة تتحدى سلطة الأجهزة الأمنية في الشارع. لكن حكومة خاتمي لم تستطع حماية الطلبة أو محاسبة المسؤولين عن الهجوم، بينما تمكنت المؤسسات الأمنية من سحق الاحتجاجات واعتقال ناشطيها. وكانت النتيجة رسالة مزدوجة: الرئيس المنتخب يستطيع الحديث عن الإصلاح، لكنه لا يستطيع فرضه عندما يعترض عليه مركز السلطة الحقيقي.
خلال السنوات التالية أُغلقت عشرات الصحف، واعتُقل صحفيون ومدونون وناشطون، وتعرضت الجمعيات الطلابية لضغوط متزايدة. ومع ذلك لم تختفِ المطالب بالإصلاح، بل تراكمت تحت السطح حتى انفجرت بصورة غير مسبوقة عقب الانتخابات الرئاسية في حزيران/يونيو 2009.
أعلنت السلطات فوز محمود أحمدي نجاد بولاية رئاسية ثانية، لكن سرعة إعلان النتائج والفارق الكبير المعلن بينه وبين منافسيه أثارا اتهامات واسعة بالتزوير. خرج مئات الآلاف من الإيرانيين، وربما أكثر، إلى شوارع طهران ومدن أخرى تحت شعار «أين صوتي؟». وتشكلت الحركة الخضراء حول المرشحين مير حسين موسوي ومهدي كروبي، لكنها سرعان ما تجاوزت الاعتراض على نتائج الانتخابات إلى المطالبة بالحرية والمحاسبة وإنهاء تدخل الأجهزة الأمنية في الحياة السياسية.
واجهت السلطة المتظاهرين بالرصاص والهراوات والاعتقالات وقطع وسائل الاتصال والتضييق على الصحافة. شارك الحرس الثوري والباسيج وقوات الأمن في تفريق التجمعات وملاحقة الناشطين. وتحولت صورة الشابة ندا آغا سلطان، التي أصيبت بالرصاص وسقطت في أحد شوارع طهران، إلى رمز عالمي للاحتجاجات بعد انتشار تسجيل مصور للحظات موتها. لم تعد ندا مجرد ضحية، بل أصبحت دليلاً على استعداد السلطة لاستخدام القوة القاتلة ضد جيل لم يحمل السلاح، وإنما طالب بحقه في معرفة مصير صوته.
اعترفت السلطات الإيرانية بمقتل 36 شخصاً خلال الأحداث، بينما تحدثت مصادر مرتبطة بالمعارضة عن نحو 72 قتيلاً، وبقي العدد الحقيقي موضع خلاف نتيجة الرقابة ومنع التحقيق المستقل. كما اعتُقل الآلاف، وأُجبر بعض الناشطين والسياسيين في محاكمات جماعية متلفزة على تقديم اعترافات شككت منظمات حقوقية في صدقيتها وظروف انتزاعها.
أصبح معتقل كهريزك رمزاً آخر لهذه المرحلة. فقد نُقل إليه عدد من المتظاهرين، وتحدث ناجون عن التعذيب والضرب والإهانات والاعتداءات الجنسية. وتوفي معتقلون نتيجة التعذيب وسوء المعاملة، ما أثار غضباً واسعاً حتى داخل بعض أوساط النظام. اضطرت السلطات إلى إغلاق المعتقل والإعلان عن محاكمة عدد من المسؤولين، لكن المحاسبة بقيت محدودة ولم تقترب من القيادات التي اتخذت قرار سحق الاحتجاجات.
تكشف المرحلة الممتدة من عام 1989 إلى عام 2009 أن الجمهورية الإسلامية لم تتخلَّ عن القمع بعد انتهاء سنوات الثورة والحرب، بل أعادت توزيع أدواره بين المؤسسات الأمنية والقضائية والدينية. انتقل القتل من الإعدامات الجماعية داخل السجون إلى الاغتيالات السرية في المنازل والمطاعم الأوروبية، ثم عاد إلى الشوارع والجامعات ومراكز الاحتجاز عندما واجه النظام احتجاجات شعبية واسعة.
تغيرت أسماء الرؤساء والحكومات، وارتفعت شعارات الإعمار والإصلاح والمجتمع المدني، لكن السلطة الفعلية بقيت في يد المرشد والحرس الثوري والأجهزة الأمنية والمؤسسات غير المنتخبة. أثبتت تجربتا 1999 و2009 أن النظام قد يسمح بانتخابات وصحافة وهوامش محدودة من النقاش، لكنه يغلق هذه الهوامش بالقوة عندما تتحول إلى حركة مستقلة تهدد احتكاره للسلطة.
لم يتوقف القمع بعد موت الخميني، ولم تختفِ الدولة الأمنية مع انتخاب رئيس إصلاحي. لقد تغيرت الوسائل والأسماء فقط، بينما بقيت القاعدة ثابتة: كل إصلاح مسموح به ما دام لا يمس مركز الحكم، وكل صوت يمكن التسامح معه ما دام لا يتحول إلى قوة اجتماعية. وعندما خرج الإيرانيون من الخوف إلى الشارع، خرج القتل بدوره من السجون لملاحقتهم.
#مالك_الجبوري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟