فرست مرعي
كاتب
(Farsat Marie)
الحوار المتمدن-العدد: 8855 - 2026 / 10 / 11 - 16:27
المحور:
القضية الكردية
تعيش كردستان العراق، في ظل التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي شهدتها العقود الأخيرة، مرحلة دقيقة من التفاعل بين الأصالة والمعاصرة، وهي مرحلة تطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الهوية الكوردية، وموقع الإسلام في تشكيل الوعي الفردي والجماعي، وحدود الانفتاح على الغرب، ومدى قدرة المجتمع الكوردي على تحقيق التوازن بين المحافظة على جذوره الدينية والثقافية وبين الاستفادة من منجزات الحضارة الحديثة. ولم يعد هذا التفاعل مجرد قضية ثقافية أو اجتماعية، بل أصبح مسألة تتصل بمستقبل المجتمع، وبخياراته السياسية والفكرية، وبمدى استقلال قراره في عالم تتشابك فيه المصالح والتحالفات.
لقد ارتبط المجتمع الكردي تاريخياً بالإسلام ارتباطاً عميقاً، وأسهم الدين في تشكيل بنيته الاجتماعية والأخلاقية والثقافية. وكان للعلماء والفقهاء والمتصوفة الكرد دور بارز في نشر العلوم الشرعية وترسيخ القيم الدينية، فضلاً عن إسهامهم في بناء المؤسسات التعليمية والاجتماعية. ولم يكن الإسلام في التجربة الكردية مجرد مجموعة من الشعائر والطقوس، بل مثّل في مراحل تاريخية عديدة إطاراً للقيم والتضامن الاجتماعي، ومصدراً للمعرفة والهوية والانتماء الحضاري. وقد أسهمت الطرق الصوفية والمدارس الدينية والمساجد في ترسيخ هذه العلاقة، إلى جانب دور العائلة والعشيرة والمجتمع المحلي في نقل الموروث الديني من جيل إلى آخر.
ومع ذلك، فإن التحولات التي شهدتها كردستان خلال القرن العشرين، ولا سيما في ظل صعود الحركات القومية، وتطور الفكر السياسي الحديث، ثم تأسيس إقليم كردستان بعد عام 1991م، أدت إلى إعادة ترتيب العلاقة بين الدين والقومية والسياسة. فقد أصبحت الهوية القومية الكردية، في بعض الخطابات السياسية والثقافية، تحتل موقعاً مركزياً، في حين تراجعت مكانة الدين في بعض المؤسسات والدوائر الفكرية، أو جرى التعامل معه باعتباره مكوناً اجتماعياً وثقافياً أكثر من كونه مرجعية فكرية وأخلاقية شاملة.
ولا يعني ذلك أن المجتمع الكردي قد تخلى عن دينه، فالمظاهر الدينية ما تزال حاضرة في الحياة اليومية، كما أن الصلاة والصيام والحج والمناسبات الإسلامية تحتفظ بمكانتها لدى شرائح واسعة من المجتمع. غير أن التحدي الذي يستحق التأمل يتمثل في الفجوة المحتملة بين الالتزام بالشعائر والوعي بمضامين العقيدة الإسلامية ومقتضياتها الأخلاقية والفكرية. فالممارسة التعبدية، على أهميتها، لا تختزل الدين كله، كما أن المحافظة على بعض الشعائر لا تعني بالضرورة امتلاك رؤية متكاملة تجاه قضايا الإنسان والمجتمع والسياسة والحضارة.
ومن هنا تبرز أهمية السؤال عن طبيعة العلاقة بين التدين الفردي والوعي العقدي، وعن مدى انعكاس المبادئ الإسلامية على المواقف الفكرية والسياسية. فالعقيدة، في التصور الإسلامي، ليست مجرد قضايا نظرية منفصلة عن واقع الإنسان، وإنما هي أساس لتكوين منظومة من القيم والمواقف، من بينها العدل والاستقلال في الإرادة والوفاء بالعهود ورفض الظلم، إلى جانب الاعتزاز بالهوية الحضارية والانفتاح على التجارب الإنسانية النافعة.
وفي هذا السياق، لا بد من التمييز بين ضعف المعرفة الدينية وبين الاختلاف في الاجتهادات الفكرية والسياسية. فليس كل من يتبنى موقفاً سياسياً مؤيداً للغرب ضعيف العقيدة، وليس كل من ينتقد السياسات الغربية راسخاً في الوعي الديني بالضرورة. إن الحكم على مستوى الوعي العقدي يحتاج إلى دراسة علمية واجتماعية، لا إلى تعميمات تنطلق من المواقف السياسية وحدها. لكن من المشروع، في المقابل، مناقشة مدى تأثير الثقافة الغربية في بعض النخب والشرائح الاجتماعية، ومدى قدرة المجتمع على التمييز بين الاستفادة من الخبرات الغربية وبين تبني أنماط فكرية تتعارض مع منظومته الدينية والأخلاقية.
مثّل الدعم الخارجي عاملاً مهماً في مسار الحركة الكردية في العراق، ولا سيما خلال ستينيات القرن العشرين والنصف الأول من سبعينياته، إذ برزت إسرائيل منذ عام 1963 في تقديم أشكال من الدعم السياسي والعسكري للحركة الكردية بقيادة الملا مصطفى بارزاني، في إطار حساباتها الإقليمية وصراعها مع العراق. كما دخلت الولايات المتحدة الأمريكية، بصورة أكثر وضوحاً، على خط دعم الحركة خلال الفترة 1972–1975م، بالتنسيق مع إيران الشاه، التي اضطلعت بالدور المباشر والأكثر أهمية في تقديم المساعدات العسكرية واللوجستية. غير أن هذا الدعم ظل مرتبطاً بحسابات المصالح الإقليمية والدولية، ولم يستند إلى التزام ثابت بتحقيق الأهداف السياسية الكردية؛ فقد شكّل توقيع اتفاقية الجزائر بين العراق وإيران في 6 آذار 1975م نقطة تحول حاسمة، إذ أفضى إلى وقف الدعم الإيراني المباشر للحركة الكردية، وتبع ذلك انهيار الثورة الكردية المسلحة في العام نفسه.
وفي مراحل لاحقة، تجددت أهمية العلاقات الكردية مع الولايات المتحدة والغرب، ولا سيما بعد حرب الخليج عام 1991م، ثم بعد عام 2003م، وصولاً إلى التعاون العسكري مع الولايات المتحدة والتحالف الدولي في مواجهة تنظيم داعش منذ عام 2014م، وهو ما أسهم في تعزيز الموقع الأمني والسياسي لإقليم كردستان العراق، مع بقاء هذه العلاقات خاضعة لتوازنات المصالح والتحولات الإقليمية والدولية.
غير أن العلاقات الدولية لا تقوم على المبادئ وحدها، بل تحكمها المصالح المتغيرة وحسابات القوة والأمن والنفوذ. ومن هنا، فإن الاعتماد المفرط على الحماية الخارجية يثير تساؤلات تتجاوز الجانب العسكري إلى مسألة الاستقلال السياسي والاستراتيجي. فالدول الكبرى قد تدعم حلفاءها في مرحلة معينة، لكنها قد تعيد النظر في التزاماتها عندما تتغير أولوياتها أو تتبدل موازين القوى. ولذلك، فإن بناء مستقبل كردستان لا يمكن أن يعتمد على ضمانات خارجية وحدها، مهما بلغت أهمية الشراكة مع الولايات المتحدة أو غيرها من الدول.
وهنا تلتقي المسألة السياسية مع المسألة الفكرية. فالانفتاح على الغرب ليس في ذاته مشكلة، بل إن الاستفادة من العلوم والتكنولوجيا والإدارة الحديثة والتعليم والبحث العلمي تمثل ضرورة لأي مجتمع يسعى إلى التقدم. وقد قدمت التجربة الغربية إنجازات مهمة في مجالات متعددة، يمكن الإفادة منها دون التخلي عن الخصوصية الثقافية والدينية. لكن الإشكالية تبدأ عندما يتحول الانفتاح إلى تبعية، أو عندما تصبح المعايير الخارجية المرجع الوحيد في تقييم الذات والمجتمع، أو عندما يجري التعامل مع النموذج الغربي باعتباره نموذجاً كاملاً لا يقبل النقد والمراجعة.
ومن المهم أيضاً ألا يُختزل الغرب في صورة واحدة؛ فهو فضاء متنوع يضم تيارات فكرية وفلسفية وسياسية مختلفة، كما توجد داخله اتجاهات دينية ومحافظة وعلمانية وليبرالية، تتباين في رؤاها ومواقفها. ولذلك، فإن التعامل الواعي معه يقتضي التمييز بين القيم الإنسانية المشتركة، والإنجازات العلمية والحضارية، وبين السياسات التي قد تتعارض مع مصالح الشعوب أو تتناقض مع مبادئ العدالة وحق تقرير المصير. فالنقد الموضوعي للسياسات الغربية لا يعني رفض الحضارة الحديثة، مثلما أن التعاون مع الدول الغربية لا يستلزم تبني جميع تصوراتها الفكرية والثقافية.
أما على المستوى الاجتماعي، فإن مظاهر الحداثة المتسارعة، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وتزايد التواصل مع المجتمعات الخارجية، قد أسهمت في إحداث تغيرات في أنماط التفكير والسلوك، ولا سيما لدى الأجيال الشابة. وقد فتحت هذه التحولات آفاقاً جديدة للتعليم والعمل والتعبير الفردي، لكنها أوجدت أيضاً تحديات تتعلق بالتوازن بين الحرية والمسؤولية، وبين الحقوق الفردية والقيم الاجتماعية، وبين المحافظة على الهوية والانخراط في العالم المعاصر.
وليس من المنهج العلمي اعتبار كل تغير اجتماعي انحرافاً عن الأصالة، أو النظر إلى كل موروث باعتباره صالحاً لمجرد أنه موروث. فالأصالة الحقيقية لا تعني الجمود، كما أن المعاصرة لا تعني القطيعة مع التاريخ. إن المجتمع الذي يتمسك بتراثه دون مراجعة قد يعجز عن الاستجابة لمتطلبات العصر، بينما المجتمع الذي يندفع وراء مظاهر الحداثة دون امتلاك مرجعية فكرية واضحة قد يفقد جزءاً من تماسكه وهويته. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مشروع ثقافي وتربوي يربط بين المعرفة الدينية والوعي التاريخي والتفكير النقدي، ويمنح الأجيال الجديدة القدرة على الاختيار الواعي بدلاً من الاكتفاء بالتقليد أو الرفض المطلق.
وفي هذا الإطار، تبرز مسؤولية المؤسسات التعليمية والدينية والثقافية في كردستان. فالمدرسة والجامعة والمسجد ومراكز البحث والإعلام ليست مجرد مؤسسات منفصلة، بل هي فضاءات تسهم مجتمعة في تشكيل الوعي العام. ومن الضروري تطوير الخطاب الديني بحيث يتجاوز الاقتصار على الوعظ والشعائر إلى مناقشة الأسئلة الفكرية المعاصرة، وتعزيز المعرفة بالعقيدة ومقاصد الشريعة، وترسيخ قيم الحوار والتسامح واحترام التنوع. كما أن المؤسسات الأكاديمية مطالبة بدراسة التحولات الدينية والاجتماعية في المجتمع الكردي دراسة ميدانية بعيدة عن الأحكام المسبقة، للكشف عن طبيعة التدين لدى الأجيال المختلفة، ومصادر التأثير الفكري والثقافي فيها.
ومن جهة أخرى، فإن تعزيز الهوية الإسلامية لا ينبغي أن يكون على حساب الهوية القومية الكردية، أو أن يتحول إلى وسيلة لإقصاء المكونات الدينية والقومية الأخرى. فالتجربة الكردية تتميز بتنوع ديني وثقافي واجتماعي، وقد عاشت في فضائها التاريخي جماعات مسلمة ومسيحية وإيزيدية وغيرها. ولذلك، فإن أي مشروع ثقافي أو حضاري ناجح ينبغي أن يحافظ على حقوق الجميع، وأن يجعل المواطنة والعدل والتعايش أساساً للعلاقات الاجتماعية والسياسية. كما أن الاعتزاز بالإسلام لا يتعارض مع الاعتزاز باللغة الكردية والتراث القومي، بل يمكن أن يشكلا معاً عنصرين متكاملين في بناء الشخصية الكردية، ما دامت العلاقة بينهما قائمة على الاحترام والتوازن.
إن الإشكالية الحقيقية التي تواجه كردستان ليست الاختيار بين الإسلام والحداثة، ولا بين الشرق والغرب، وإنما كيفية بناء شخصية اجتماعية وسياسية قادرة على الاستفادة من منجزات العصر دون فقدان مرجعيتها الأخلاقية والحضارية. وهذا يتطلب الانتقال من التدين الشكلي إلى الوعي الديني المسؤول، ومن الاعتماد السياسي غير المدروس على القوى الخارجية إلى بناء مؤسسات قوية وعلاقات دولية متوازنة، ومن الانبهار بالنماذج الأجنبية إلى التعامل النقدي معها.
وفي المحصلة، فإن الأصالة والمعاصرة ليستا بالضرورة طرفين متناقضين، بل يمكن أن تتحولا إلى عنصرين متكاملين إذا أُحسن فهم العلاقة بينهما. فالأصالة تمنح المجتمع جذوره وذاكرته ومرجعيته القيمية، والمعاصرة توفر له أدوات التطور والتجديد ومواجهة تحديات العصر. وبين هذين البعدين، تقف كردستان أمام مسؤولية تاريخية تتمثل في صياغة مشروع حضاري يحافظ على خصوصيتها الإسلامية والقومية، ويؤسس في الوقت نفسه لمجتمع منفتح وعادل وقادر على حماية مصالحه.
إن الولاء الحقيقي لا ينبغي أن يكون للقوى الخارجية، ولا للشعارات السياسية المجردة، وإنما للقيم والمبادئ التي تحفظ كرامة الإنسان وحقوق المجتمع واستقلال قراره. ومن منظور إسلامي، فإن الانتماء العقدي يقتضي أن تكون مرجعية المسلم في قيمه الأساسية نابعة من إيمانه، دون أن يمنعه ذلك من التعاون مع الآخرين في المصالح المشتركة. وبذلك تستطيع كردستان أن تتعامل مع الغرب بوصفه شريكاً يمكن التعاون معه، لا مرجعية مطلقة ينبغي الخضوع لها، وأن تنفتح على العالم دون أن تفقد ذاتها، وأن تحافظ على هويتها دون أن تنعزل عن حركة التاريخ
#فرست_مرعي (هاشتاغ)
Farsat_Marie#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟