أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - المرأة المثقفة في رواية -الفردوس اليباب- ليلى الجهني















المزيد.....

المرأة المثقفة في رواية -الفردوس اليباب- ليلى الجهني


رائد الحواري

الحوار المتمدن-العدد: 8850 - 2026 / 10 / 6 - 13:05
المحور: الادب والفن
    


الأدب المعاصر يمتاز بالاختزال والتكثيف، ويمكن للمتلقي تناوله في أقل وقت، وهذا لا يعني أنه (مسلوق سلقا)، بل انه قدم بطريقة تناسب العصر والزمن، فوقت القارئ أصبح محدودا في زمن السرعة والفضاء المفتوح، وهذا يستدعي الاهتمام بالوقت وتوزيعه على أكثر من أمر/ مهمة/ حالة.
أعتقد أن رواية "الفردوس اليباب" رواية مهمة على أكثر من صعيد، فعل صعيد الموضوع تتحدث عن المجتمع السعودي وكيف ينظر للمرأة ويتعامل معها، وتدخلنا إلى نفسية المرأة الخاطئة ومعاناتها، وتعرفنا على بعض هموم/ طموحات المرأة في المجتمع الذكوري، وتكشف حقيقة المجتمع الذي يتعامل بأكثر من معيار تجاه الخطأ نفسه، فعندما تقوم به المرأة فهي (تُجلد) وتجلد نفسها حتى الموت، بينما عندما يقوم به (الرجل) لا تقع عليه أية عقوبة، وكأن شيئا لم يكن، هذا على صعيد الفكرة والموضوع، أما على صعيد طريقة تقديم الرواية فهي رواية حديثة، مختزلة ومكثفة، كما أن هناك ثلاث سرديات، "صبا" التي سردت أكثر من ستين في المئة من الأحداث، وهناك "خالدة" وختم السرد من خلال ضمير المخاطب.
المرأة والمجتمع
لكي نتعرف على معاناة المرأة نتوقف عند المجتمع وكيف يتعامل معها، تحدثنا "صبا" عن حياتها الخاصة وكيف كان الأب يتدخل، حتى في غرفتها الخاصة بها: "أن أعلق صورة صلاح السعدني في غرفتي، حين علقت الصورة أتدرين ماذا فعل أبي؟ أنزلها ومزقها أمام عيني ثم خرج دون أن ينبس بكلمة، لا ينبغي لشابة مؤدبة أن تسمح لرجل غريب بالنوم معها في غرفة واحدة، لم يدر أبي أني بدلت ملابسي أماه ثلاث مرات" ص8، اللافت في المقطع حجم السيطرة التي يمارسها الأهل على البنت، فإزالة الصورة يتجاوز كونها صورة، فالأب يعتبر صاحبها كائن حي، ولا يجوز/ يحق له التواجد في مكان فيه نساء، لهذا تم إخراجه من الغرفة بعد أن (أنهى وجوده) تماما، بتمزيق الصورة.
كما تتوقف "صبا" عند الممنوعات/ المحظورات التي تمارس على المرأة ـ علما بأن زمن أحدث الرواية بعد1990ـ: "لا الأمريكيات ولا غير الأمريكيات يحلمن بقيادة سيارة واحدة في شارع خلفي من شوارع جدة" ص10، وبهذا تكون "صبا" من أوائل النساء اللواتي تحدثن عن هموم المرأة السعودية وحقوقهن في ممارسة حياة عصرية بعيدا عن قيود متخلفة لا تتناسب مع الزمن، ولا مع العصر وما فيه من تغييرات وتطور.
وفيما يتعلق (بشرف) المرأة، فالمجتمع يرى شرفه في ما بين فخدي المرأة، والمرأة التي فضت بكارتها تصبح (بضاعة معطوبة) لا تصلح للاستخدام: "قبل ما تتجوز اسمع نصيحتي واكشف ع إللي هتتجوزها لأحسن تكون حبت ولعبت هي كمان، الاحتياط واجب ودا حقك، دا من أبسط حقوقك، إنت تلعب ما بهمش، لكن هي مهم، وبهم قوي...ولا إنت هتحط تعبك وشقاك في بضاعة معطوبة؟ وبعدين إللي لعبت قبلك هتلعب بعدك وهتلعب وهي معاك" ص47، نلاحظ كيف أن المجتمع يعتبر خطيئة (الرجل) أمر عادي، لكن المرأة جريمة، ويجب أن تعاقب عليها، والعقاب هنا يكون بحرمانها من أن تكون زوجة، حرمانها أن تكون أما لها عائلة/ أسرة، بينما يحق للفاعل/ للرجل معها أن يكون زوج وأبا ويكون أسرة!؟
هذا فيما يتعلق بالنظر للمرأة الخاطئة، أما فيما يتعلق بالعقوبة: "ارجموها...كيف نصلي على فاجرة مثلها وندفنها مع المسلمين سنرميها في البحر، لتأكلها الحيتان، لكن جثتها ستلوث البحر وسيغرقنا أيضا...ندفنها وسيريحنا الدود من أمرها" ص40، إذن المرأة الخاطئة هي قنبلة نووية تلوث الأرض ومن عليها، ويجب التخلص منها بطريقة لا تضر/ أو يتضرر منها الأخرين!؟
والمجتمع يعاقب المرأة بعد موتها، ويقتلها/ يجلدها بعد الموت: "يا لطيف انتحرت، أستر على ولاياك يا رب. بيقولوا كانت حامل" ص54، فالمجتمع الجاهل المتخلف، لا يكتفي بالقتل/ بالموت، بل يستمر في جلد الموت وإيذاءه حتى بعد الموت.
وعندما (تثور المرأة وتتحدث في السياسة) أو تتفاعل مع واقعها العربي ينظر إليها المجتمع بهذه الطريقة: "إش بها هادي اتجننت؟! ول، ول. فين أهلها؟ مفلتينها كده في الشارع ليه؟!.. وحدة ملعونة جاية تشبه نفسها بالأندلس والقدس، تفو. إش جاب لجاب يا بنت ال... روحي أرمي بلاويك على غيرنا. هادا إللي كسبناه من الدش، لعنة الله على اليهود، بناتنا اتفلتوا في الشوارع يصيحوا: واعرباه، وازفتاه، وامدري إشكلو؟ لا وأنت الصادق، هذا إللي كسبناه من تعليمهن، علم بنتك ولا اختك عشان تطلع بكره في الشارع تنادي: واعرباه. وش يدريك ساعتها عرباه هذا ولد من؟!" ص31، مشهد يبين حجم الهوة بين المرأة المتعلمة وبين المجتمع المتخلف، الذي لا يعرف حتى معنى "واعرباه" وهذا ما يجعل معاناتها أشد، فهي ممنوعة من التعبير عما تشعر به، وإذا ما عبرت، المجتمع لا يعرف/ لا يعلم/ لا يدري الأسباب وراء ثورتها أو تفاعلها، وينظر إليها كمجنونة!!
"صبا"
"صبا" بطلة الرواية ومركز أحداثها، سلمت نفسها لحبيبها "عامر" الذي تخلى عنها بعد أن أخذ حاجته منها، ورمها وجنينها في بئر ليس له قرار: "يا ستي ما حدا جبرك، وإذا كان ع الحب فالحب راح، ضاع، بح (وأشار بيديه) والنونو إللي فيبطنك اضحكي بيه على غيري، ولا دوري مين أبوه...وإذا قدرتي روحي وقولي إنك حامل مني يا ست صبا، أتحداك" ص6و7، وهذا ما جعل معاناتها أكبر، الرجل الذي أعطته نفسها وقدمت له جسدها تخلى عنها وأهملها، وهنا الصدمة الأولى ـ خيانة عامر وتخليه عنها ـ والثانية، صدمتها بأنها فقدت بكارتها، والثالثة هناك شاهد على جريمتها، بطنها، جنينها الذي أصبح جزءا منها.
بعد هذا الحدث تحدثنا "صبا" عما فيها من ألم/ من قهر/ من وجع: " أنما وحدي التي تعاميت ومضيت مدفوعة بإغراء التجربة، وأي تجربة؟!
آه رأسي، مطارق ضخمة تهوي عليه من كل الجهة، وصخب مريع، طنين وأزيز وهدير وأذناي تغليان" ص8، ما يميز الرواية أن "صبا" الضحية هي الساردة، هي من تحدث عن ألمها وليس السارد الخارجي، وهذا ما جعل معاناتها/ ألمها يصل إلى القارئ، فحالها يتماثل مع حال "زكي النداوي" في رواية "حين تركنا الجسر" ومع "رجب إسماعيل" بعد الاعتراف في رواية "شرق المتوسط" فرغم أن الشخصية تبدو (سلبية) إلا أنها تحمل داخل هذه السلبية إيجابية، وإيجابية مطلقة، الإيجابية التي نجدها في تألم الفاعل وألم الفعل، وكأن الألم يطهر الفاعلة من الخطيئة، ويجعلها طاهرة/ نقية/ صافية كصفاء الماء العذب.
الجنين ثمرة الحب بالنسبة "لصبا"، ثمرة تمردها، ثمرة تجربتها الأولى في الحياة، وكان يفترض أن يكون وساما لها، وليس ندبة أو بثور يشوهها ويشوه جسدها/ سمعتها/ مكانها: "قل لي، كيف تكون مصدر عذابي وأنت ثمرة لذتي المجنونة؟ كيف أكون سبب موتك وحبل الحياة يمتد مني إليك؟" ص13، نلاحظ أن المعاناة تزاد وتكبر، وكأن "صبا" تمهد القارئ ليتقبل جريمة ستقدم عليها لاحقا، فالخطيئة الأولى يمكن غفرها/ تجاوزها، لأنها خدعت من "عامر" الذي أغواها، لكن القتل مسألة أخرى، جريمة لا تغفر ولا تمحى، فهي تتحدث عن عملية قتل: "لن أقاومك، تعال، أنهش هذا الجسد المجروح عضوا عضوا، لم يبق شيء لم ينهشه الحزن...سأقول للمرأة: تمهلي وأنت تفصلين الروح عن الروح، تريثي وأنت تنزعين طفلي اللائذ بحماي، لا تمزقي الحلم فلم تريدين تشويه وجهه المعذب، وترفقي بي، لأن طفلي سيخرج من يديك إلى يدي الله لا ليشفع لي، ولكن ليلعنني. يا الله في السموات العلا، طفلي غاضب وأنا امرأة خاطئة وأنت بعيد قصي فكيف نلتقي" ص14و15، نلاحظ وضوح فكرة الألم الذي سيرافق جريمة التخلي عن الجنين، عن قتل الجنين والتخلص منه، لكن "صبا" الساردة تجاوزت الفكرة إلى الألفاظ، فمن خلال تكرارها "عضوا، الروح، طفلي" تؤكد علاقتها بالجنين، بالطفل الذي هو منها "طفلي" وهذا يقودنا إلى أنها لا تتحدث عن كونها فتاة بحثت عن اللذة فحسب، بل عن فتاة بحثت عن طبيعتها، عن غريزتها، عن كونها أم، وتريد أن تمارس دورها في الحياة، من هنا وجدناها تتحدث عن ألم فقدانها الجنين، أكثر من حديثها عن ألمها من خيانة "عامر" أو من فقدانها البكارة، فهي تتحدث عن كونها إنسانة، تتحدث عن مشاعرها كأم، تحمل الحب والعطاء لأطفالها، لكن في حالتها ـ الحمل خارج الزواج، وفي مجتمع ذكوري لا يرحم النساء ـ سيكون ممارسة هذا الدور شبهة مستحيل: "أضغط أناملي قليلا لعلني ألمسك، ثم اكف عن الملامسة وأترك كفي مبسوطة فوق بطني، تماما فوقك لعلها تكون الملامسة الأخيرة أو المحادثة الأخيرة للاعتذار" ص18، حديث "صبا" عن لحظة وداعها "للجنين" تؤكد أنها امرأة تريد أن تكون أما، وأن تمارس دورها/ حياتها ضمن هذا الدور، لهذا نجدها تتوقف عند مشاعرها تجاه طفلها.
لكن سطوة المجتمع التي جاءت آنفا تحول دون أن تكون أما عادية/ أما سوية، لهذا عليها أن تمحو آثار الخطيئة، وتزيل معالمها تماما:
"ـ بدون تخدير؟!
ـ التخدير في عمليات الخياطة بس!
آه، أين أنت الآن يا طفلي؟ بين يديها أم ما زلت عاقا بي؟
تتناول نقصها لتدخله هو الآخر، انتفض وأنا أقول: لا. تتجاهلني وتدخله، يصفعني الألم وأعرف أنك غاضب، وأعرف أني ملعونة، وأعرف أن أول اللاعنين هذه المرأة التي غرزت مقصها في لحمي لتمزقه" ص19، تشبث "صبا" بطفلها حتى أثناء التخلص منه، وحديثها عن الألم، الألم الجسدي والألم النفسي/ الروحي يشير إلى أننا أمام أم، أم متشبثة بالحياة وبدورها، وتريد أن ترى طفلها ينمو فيها وأمامها، لكن ـ كونها امرأة ـ تبقى عاجزة عن ممارسة هذا الدور، فهناك غول/ مجتمع لا يرحم الخاطئات، وينزل بهن أشد العقوبات، حتى بعد الموت يعاقبن ويعذبن ويجلدن: "هل سيسامحني؟ لم أرد التخلص منه، لكن هناك أمور أقوى من رغباتنا، لا أدري كيف أجعله يفهم أني احبه، ولذا ينبغي أن أطرحه بعيدا عني هل سيفهم؟" ص22، أهم ما في المقطع أن "صبا" تشير ـ بطريقة غير مباشرة ـ إلى نظرة المجتمع لأبن الزنا، فهو بنظر المجتمع ابن حرام، وستبقى هذه الصفة عالقة به مدى الحياة، لهذا ترى "صبا" أن رحمة بطفلها أن ينهي/ ينتهي وجوده قبل أن يكون، قبل أن يكتمل، فهي هنا تتجاوز ألمها ـ وتشير بطريقة ما إلا أنها يمكن أن تتحمل أذى المجتمع، وما سيقوله عنها وفيها: زانية/ عديمة الشرف، لكنها لا تقدر أن تتحمل أن يقال عن طفلها/ ابنها ابن زنا.
بعد الإجهاض تتفاقم أزمة "صبا" الجسدية والنفسية، فتقرر أن تنهي ألمها نهائيا، فتقوم بثورة/ بتمرد آخر، وتقرر الانتحار، وتختار رحيلها بنفسها، فلم يعد بها حاجة لحياة لا تكون فيها أما.
عامر
لم يعط "عامر" دورا في سرد الأحداث، وما وصلنا عنه، جاء من خلال "صبا وخالدة" وكأن الساردة بهذا الإهمال لدوره كسارد رئيس في الرواية تحقره، ولا تريده أن يلوث سرد الرواية كما لوث جسد "صبا وخالدة" فكلامه بمجمله يؤكد أنه شخصية انتهازية، تأخذ حاجتها من الآخرين ثم ترميهم، وكأنهم متخلفات توضع في سلة القمامة: "يا ستي ما حدا جبرك، وإذا كان ع الحب فالحب راح، ضاع، بح (وأشار بيديه) والنونو إللي فيبطنك اضحكي بيه على غيري، ولا دوري مين أبوه...وإذا قدرتي روحي وقولي إنك حامل مني يا ست صبا، أتحداك" ص6و7، ونجده يتفاخر بفعلته التي لا يحاسب عليها، فما دام القانون/ المجتمع لا يعاقبه فهو لا يأبه بالآخرين ولا بألمهم: "ألم أقل لك يا صبا؟ الحب مزبلة وأنا ديكها المؤذن" ص40، هذه العبارة تكررت أكثر من سبع مرات وهذا يؤكد تفاهة وسطحية وانتهازية عامر، وهذا ما جعل خطيبته "خالدة" تتركه رغم أنها قدمت له جسدها، فبعد أن كشفت وعرفت دناءة "عامر" قررت أن تقوم بواجبها تجاه (رجل) يتفاخر بحقارته: "كيف أعفر لرجل ولغ في دمائك البريئة حتى لو كان ابن خالتي وخطيبي اللعوب؟" ص59، فالنساء في الرواية كن أكثر (رجولة) من الرجال، وأقدر على الفعل، لهذا وجدنا "صبا" تقرر مغادرة الحياة لكي لا يتألم طفلها ولا يتأذى من مجتمع ذكوري لا يرحم النساء ولا أولادهن، وهنا نحن نرى "خالدة" تتخلى عن خطيبها ـ وهذا سيعرضها للقيل والقال ـ معتبرة أن هذا القرار أقل ما يمكن أن يؤخذ بحق "عامر" فهي ستتحمل ما سيقال عنها لاحقا، خاصة بعد أن أخذ "عامر" حاجتها منها، وما سيترتب على ذلك من عدم قبولها كزوجة، فهي تفضل أن تبقى محرومة من متعة الجسد، على أن تمتع جسدها برجل قتل رفيقتها ويؤذي روحها.
المثقف
من حديث "صبا" نصل إلى أنها امرأة مثقفة: "كنت اهرب وحدي إلى الشعر والروايات والقصص والأحلام" ص10، كما نجدها منتمية لواقعا العربي وتتفاعل معه: "كنت هاربة من نشرات الأخبار، من قانا، من جنون الدم إلى جنوب الحب" ص37، بمعنى أنها تمتلك معرفة/ علم/ ثقافة/ انتماء/ عطاء أكثر من مجتمعها، وهذا ما جعل ألمها النفسي أشد وقعا عليها، ثم قادها إلى أن تختار الموت، فكونها مثقفة يجعلها لا تحتمل ما سيقال فيها، كما أنها تريد حماية طفلها من المجتمع الذكوري، المجتمع الذي سيقول: ابن زنا/ ابن حرام"
فالبعد القومي/ العربي لم يقتصر على "صبا" فحسب بل نجده عند "خالدة" أيضا: "موت على ضفاف دجلة، فوق جنوب لبنان، في غزة، في القاهرة، في الرياض والخبر، تخيلي، حتى شوارعنا غدت مسارح للسيد المبجل الموت، حتى نحن صرنا نتحدث عن الإرهاب" ص65، فالانتماء جعل الكاتبة تخلط بين ثقافة "صبا" وثقافة "خالدة" مما جعلهما تتحدثان بلغة واحدة.
العنوان "الفردوس اليباب"
تستخدم السارد عبارة "الفردوس المفقود" في أكثر من موضع في الرواية، وهذا له علاقة بحدث الرواية وشخصيتها المركزية "صبا" "الفردوس المفقود من ورائي والبحر من أمامي وأنا أترنح في آخر سهل الحزن" ص27، ففي كل ذكر للفردوس المفقود/ اليباب كان يسبقه أو يتبعه حالة ألم/ قسوة تمر بها "صبا" حتى أن الساردة أكدت هذا الأمر وعلاقته بالملحمة التي كتبها "جون ملتون": "الفردوس المفقود الملحمة التي نشرت في 1667، ثم غدت فيما بعد رمزا لكل حلم ينهار" ص32، وهذا ما يوطد العلاقة بين العنوان ومتن الرواية وشخصياتها، فهي لم تجد الفردوس، بل وجدت الألم والقهر/ والوجع.
المكان
مكان الأحداث جدة، وقد توقف عنده الساردة في أكثر من موضع، فأحيانا جاء بطريقة محببة: "أجل، ربما ليس لي في هذه اللحظة غير جدة...ربما كان يجب أن أخلص لجدة وحدها وأكتب عنها" ص9، وأحيانا قدمت بحيادية: "جدة امرأة مثلي لكنها أذكى مني بكثير، إنها لا تسلم مفاتيحها لأحد ما كاملة، عشاقها كثر وكلهم يحسب أنه يعرفها بيد أنه لا يعرف غير وجه واحد" ص21، كما قدمت من خلال علاقتها بالأحداث المؤلمة التي وقعت "لصبا"، فجاءت ضمن واقع الألم الذي وجدته في "جدة": "ما أكثر اللذين كرهوها ففنوا وظلت هي، ما اكثر الذين لعنوها فاستمرت وتلاشوا" ص63، وقد ذكرت الإسكندرية وتوقفت عندها، ومرت مرور الكريم على مدن أخرى كثيرة، لكن مركز الحدث عن جدة.
الحيوان والحشرات
غالبية الروايات التي ذكرت فيها الحيوانات تحمل فكرة سوداء، فكرة القسوة والألم، في رواية "الفردوس اليباب" نجد هذا الأمر، فقد ذكر الأفعى، العقرب، الدود، الفئران، الكلاب، البغال والحمير، وإذا ما توقفنا عند الصورة التي جاءت بها: "مدينة للفئران والكلاب، ص16، "يتحول بساط الريح إلى أفعى بأربعة أنياب" ص24، "والألم عقرب أطبق كلابته بين رجلي" ص37، سيريحنا الدود من أمرها" ص40،"أنا تفاحة تدلت من غصنك لتنخرها الديدان" ص52، نصل إلى حجم السواد/ الألم الذي تحمله الرواية، فالحيوان والحشرات والزواحف جاءت لتؤكد حالة القتامة التي تمر بها "صبا" وتعكس أجواء وأحداث الرواية السوداء.
لغة السرد
هناك ثلاث سرديات في الرواية، "صبا" خالدة، ضمير المخاطب" لكن، المستويات الثلاث، كان يفترض أن يكون فيها السرد متباين، وتكون لغة السرد تتميز/ تختلف في طريقة عرضها للأحداث، لكننا وجدناها مجتمعة تستخدم عين اللغة، جاء على لسان "صبا": "الدانتيلا والشموع والفردوس المفقود، الدانتيلا! كيف تبدأ مراسم الرحيل بغير الدانتيلا؟ الدانتيلا والخيبة والظلام والبحر" ص27، ونجد "خالدة" تستخدم نفس اللغة: "قطعة أخرى من الدانتيلا بعروقها وورودها وخيوطها المتشابكة المعقدة" ص66، كما نجد التناص القرآني حاضرا في المستويات الثلاث، "صبا": "ربما سيغدو نيسا منسيا" ص51، مستوى "خالدة": "الزبد الهش الذي يذهب جفاء" ص64، مستوى ضمير المخاطب: "بقعة عماء فاقع لونها" ص77، كما نجد استخدام "الفردوس المفقود" من كل المستويات، وهذا يشير إلى عدم دقة الكاتبة في اختيار اللغة المناسبة للسارد الذي يقدم الأحداث، رغم هذه الهفوة تبقى الرواية مهمة على الصعيد النفسي، وعلى صعيد الموضوع والفكرة التي قدمتها.
الرواية من منشورات دائرة الثقافة والإعلام، حكومة الشارقة، الطبعة الأولى 1997.



#رائد_الحواري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجديد في كتاب -مشكاة في النور- كامل أبو صقر
- الأنا وحلول الشاعر في قصيدة -أنا موضع الجملة البكر- أحمد الخ ...
- التراث والحداثة في قصة -الشجعان والمارد العملاق- نزهة الرملا ...
- موت الشاعر في قصيدة -مات أنا- للأديب السوري سليمان أحمد العو ...
- حصار بيروت في رواية -حياة حصار- فيصل الحوراني
- القيم في رواية -الربان الجريء- عبد التواب يوسف
- الشاعر في ديوان -سراب التباريح- نمر سعدي
- الفن والمعرفة والانتماء في كتاب -أعطني فنا- حسن عبادي
- الحميمية في قصيدة -بين اسمين- عبد السلام عطاري
- الصراع في قصيدة -لا شيء ينقذنا- سامي عوض الله البيتجالي
- الناقد ما له وما عليه في كتاب -الرواية الفلسطينية إلى أين- ل ...
- السادية في رواية بين -المحبة والرغبة- محمد حافظ
- طبيعية المكان وطيبة السكان في رواية -جرن الدرويش- محمود منور ...
- المضمون والألفاظ في قصيدة -أحاول قربهم- علي البتيري
- السواد في قصة -عمارة العظم- زهدي الشيخ عيد
- الاحتلال والصراع الطبقي في قصة -طفل كناه ذات مساء- عبد المنع ...
- المرأة ورغباتها في -يخلق من الشبه ياسمين- ميادة مهنا سليمان
- العمل الفدائي في رواية -بعد الشاطئ الأخير- عدوان نمر عدوان
-  الانتفاضة والواقع العربي في ديوان -ثورة الحجر القدسي- حبيب ...
- عملية الساحل في رواية -عودة الأشبال- فاضل يونس


المزيد.....




- مخرج لاتفي يفوز بجائزة كبرى قدرها 400000 يورو في مهرجان أفلا ...
- تحرك برلماني بسبب “انقطاع الكهرباء” وتوقف الأنشطة المسائية ب ...
- -الموجة التاسعة- تستعيد بريقها بعد ترميم شامل في المتحف الرو ...
- وزير الثقافةوالسياحة: معركة استعادة الدولة لن تتوقف حتى تحري ...
- أكتوبر في الذاكرة الموسيقية: كيف صاغ الإبداع المصري عبور اله ...
- الشتات الفلسطيني.. كيف تحول الألم إلى مصدر للثقافة والمقاومة ...
- هوليوود تنقلب على عمالقة التكنولوجيا في موجة من الأفلام
- في مرادخاني.. كابل القديمة تروي حكايتها من جديد
- تكريم الأديبة أ. د. سناء الشّعلان في منتدى الفريق الإبداعيّ ...
- فيلم -Toy Story 5- مدبلجًا إلى اللهجة السعودية لأول مرة


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - المرأة المثقفة في رواية -الفردوس اليباب- ليلى الجهني