|
|
العمل الفدائي في رواية -بعد الشاطئ الأخير- عدوان نمر عدوان
رائد الحواري
الحوار المتمدن-العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 15:09
المحور:
الادب والفن
في هذه رواية يتناول السارد أحداث عملية الساحل التي قامت بها مجموعة "دير ياسين، كمال عدوان في عام 1978حيث قادت "دلال المغربي" مجموعة من الفدائيين ـ ثلاثة عشر مقاتلا ـ من جنسيات متعددة، لبنان، اليمن، تونس، فلسطين، على متن سفينة تحمل العالم اليوناني، أوصلتهم إلى نقطة محددة، لتنتقل المجموعة بعدها من خلال زوارق مطاطية إلى شاطئ حيفا، تل أبيب، وصلت المجموعة الشاطئ بعد رحلة في غاية الصعوب، حتى أنها كادت أن تفقد عنصرين من عناصرها بسبب الأمواج العاتية، لكن تماسك أفراد المجموعة ووحدتهم حالت دون ذلك، فرغم وصولها منهكة إلى شاطئ حيفا، إلا أنها قامت بالمهمة الموكل لها على أكمل وجه، محققة خسائر كبيرة في صفوف الاحتلال. الرواية تؤكد أن الأدب الفلسطيني أدب حي، أدب واكب الأحداث الخطرة في مسيرة الشعب الذي يتعرض لأطول احتلال، وأشرس وأبشع احتلال عرفته البشرية، فأن يتم تناول حدث من أكثر من أديب/ روائي، فهذا مؤشر على اهتمام الروائي الفلسطيني بالأحداث، وتدوين بطولات الفدائيين/ المقاومين منذ انطلاقة الثوة وحتى اليوم. هدف العملية العمليات الفدائية لها أهداف محددة، ولم تكن معزولة عن الصراع الدائر بيننا وبين العدو، من هنا، العمل الفدائي عمل عسكري يخضع لشروط وأنظمة الجيش، فالعدو عندما يحقق إنجازا ما، علينا الرد عليه، واستعادة ما فقدناه، من هناك كانت عملية الساحل ردا على عملية "فردان" التي سقط فيها ثلاثة من قادة الثورة "كمال ناصر، كمال عدوان، محمد يوسف النجار: "إذا كان يهود بارك عندكم يختفي بزي امرأة ليغتال ويهرب، فنحن نرسل مقاتلة حقيقية هي من أجرأ بناتنا...أريد للعملية ألا تكون إبرة تسبب وخزة في جسد الفيل، بل مثل مسلة تغضبه إلى الحد الذي يكشف فيه عن كل ما لدية من قوة" ص18و19، هذا ما قاله "أبو جهاد" عن العملية والهدف منها، وهذا ما تحقق وبان وظهر للعدو قبل الصديق، فالاحتلال ظهر على حقيقته، وأنه لا يضع/ لا يبالي بقتل الإسرائيليين أنفسهم إذا ما دعت الضرورة لذلك، فغالبية من قتل من الرهائن جاء على يد جنود الاحتلال الذين أرادوا إنهاء العملية وإيقافها قبل أن تصل تل أبيب ـ مهما كانت الخسائر ـ فقد تحول الهدف من (تحرير الرهائن) إلى إيقاف العملية، وعدم وصول المجموعة إلى المكان المحدد لها، من هنا كانت الخسائر فادحة في صفوف الجنود والرهائن. ولكن، العملية تضمن مجموعة (كبيرة) من المقاتلين، ثلاث عشر مقاتلا، ويمكن تحميلها/ إعطائها أهدافا أخرى: "الوصول إلى تل أبيب، واحتجاز رهائن في الكنيست، والمطالبة بالأفراج عن المساجين في السجون الإسرائيلية" ص53، وإذا ما توقفنا عند الهدف الثاني، سنصل إلى أن العملية كانت كبيرة، وأن قيادة الثورة تضع ثقتها/ إيمانها/ قناعتها أنها عملية ناجحة، بمعنى أن العملية تجاوزت ـ فكرة الرد: النار بالنار ـ إلى التقدم خطوة إلى الأمام، وتحرير عدد من أسرى الثورة من سجون الاحتلال. الرحلة الرحلة لم تكن سهلة، فالطريق طويل، والأخطار كثيرة، وبوارج وسفن الاحتلال تراقب، والرحلة على مرحلتين، المرحلة الأولى كانت أسهل، سفينة فيها كل وسائل الحماية، لكن الخطورة في المرحلة الثانية، زوارق مطاطية عليها اجتياز طريق طويل وصعب، والطقس متقلب، شتاء: 11/3/1978، فالعملية تقرر تنفيذها قبل هذا الوقت، لكن الأحوال الجوية حالت دون ذلك، مما استدعى تأجيلها، فعودة المجموعة في السابق كانت (عودة طبيعية) لا تحمل خطورة، لكن بعد مرحلة الزوارق أصبحت العودة بمثابة انتحار للمجموعة: "حين ابتعدت الباخرة عن المقاتلين الذين بقوا متعلقين بأضوائها، كانت الساعة الثامنة مساء، والليل بدأ يسير بطيئا مثلا بالانتظار والريح والمطر والأمواج التي تعصف بالزورقين" ص35، ضمن هذه الأجواء الخطرة سارت الزوارق المطاطية، وبما أن هناك أسلحة (ثقيلة) بالنسبة للزوارق، وهذا فاقم مشكلة وزاد العبء على المقاتلين الذي عليهم حماية أنفسهم من الهلاك، وحماية الأسلحة من الغرق. ينفذ الوقود من أحد الزورقين، مما استدعى سحبه بواسطة الزورق الآخر، كما أن الظلام والأمواج جعلتهم في متاهة لا يعرفون مكانهم ولا موقعهم: "نفذ الديزل من أحد الزوارق فربطوه بالآخر حتى نفذ وقود الآخر، شعروا باليأس المقيت ينمو سريعا، أدركوا أنهم تائهون وهالكون في البحر الذي تكسرت على أمواجه سفن لا تحصى، شعروا بأن البحر هو قبرهم" ص37، توقُف السارد عند ظروف الرحلة والصعوبات التي مرت بها، يشير إلى طبيعة العمل الفدائي والظروف القاسية والمستحيلة التي تجاوزها الفدائيون قبل أن يصلوا مكان العملية، فبمجرد وصولهم للمكان كان ذلك يعتبر إنجازا لهم، وهذا ما أكده السارد عندما تابع الرحلة: "فاستخدموا المجاديف والأيدي، واستمروا يعبرون البحر، نام بعضهم برهة من الزمن، وأفاق تحت هول البرق والرعد وجحيم الموقف، اجتمعوا مرة أخرى واختلفوا على الاتجاه، قال لهم اليمني: انظروا إلى سواد السحب التي تدل على المصانع في اليابسة، وانظروا إلى الدلافين التي تتجه في اتجاه السحب السوداء، هذه إشارات السماء" ص39، إذا ما توقفنا عند هذا المشهد نتأكد أننا أمام مجموعة من بشر، يتعبون/ يتألمون/ ييأسون، لكنهم مؤمنون بعملهم، من هنا وجدنا "أبو أحمد" اليمني يمدهم بالإيمان، ويؤكد لهم أن الله جعل السماء حرسة لهم ومرشدة. إذن الإيمان كان بوصلة المجموعة، الإيمان من يرشدها لعبور الطريق ووصول الهدف، وهذا ما كان فعلا: "ففي الساعة الثالثة إلا ربع صباحا، ووسط هذه الظلمات: البحر والتيه والعواصف والبأس، سُمع أبو احمد اليمني الذي كان يقف في الوسط يصرخ: "هيو ظو، هيو ظو، يا الله هية ظو" ص41و42، إذا ما توقفنا عند هذا المشهد سنجد فيه أكثر من فرح، فرح بالنجاة من الغرق، الفرحة الأمل بالله، فرحة لقاء/ مشاهدة/ وصول أرض فسطين، فرح بدء تنفيذ العملية، من هنا ترك السارد "أبا أحمد" يتحدث بلغته، معبرا عن هذه الفرح بطريقته الخاصة. لكن، المجموعة لم تكن متأكدة من المكان، فهي ما زلت في البحر، ولا تعرف تفاصيله، والعدو يتربص بها، فانتابها الشك، والحذر مطلوب في هكذا حال: "فقسموا أنفسهم إلى قسمين، القسم الأول مجموعة الاقتحام، وتسير في المقدمة، والقسم الآخر يتبعه بحوالي كيلو متر، فإذا حصل لهم كمين أو اشتباك ستقوم وحدة المساندة بالمناورة" ص44، فالحرص على النفس لم يكن؛ لأن الحياة عزيزة/ غالية ويجب المحافظة عليها فحسب، بل لأن هناك مهمة موكلة على عاتق المجموعة، وعليها تنفيذها، فالمحافظة على الأسلحة مهمة كحال المحافظة على عناصر المجموعة، ودون الأسلحة لن تكون العملية. فالمحافظة على النفس وعلى السلاح هما أساس نجاح العملية: "فابتعدوا عن الحوامة، ووجهوا قاربهم في اتجاه الساحل الذي وصلوه قبل أن يصل الزورق المقلوب، وقفزوا إلى البحر على الساحل وسحبوهم، وسحبوا الأسلحة التي كانت مربوطة بالقارب، أرتمى الأخرون على الشاطئ يتلقطون أنفاسهم، أخذ من كان يشعر في نفسه بقوة ما يسعف وائل الذي بقى مغمى عليه، كانوا مرهقين ووائل لا صوت له، فقط بقية نفس" ص45و46، إذن حافظت المجموعة على عناصرها كما حافظت على سلاحها، فهما معا يستطيعان تحقيق الهدف، وضرب العدو في عقر داره. لحظ الوصول بعد أن حطت المجموعة اليابسة، وتأكدت أنها في منطقة عسكرية من خلال حركة الطائرات وآثار جنازير دبابات على الأرض، أصاب دلال نشوة الوصول إلى الأرض المحرمة/ الأرض المحتلة: "سمعوها تركض في اتجاههم وهي تصرخ بصوت عال: يا شباااب، إحنا في فلسطين/ يا شباااب إحنا في فلسطين، وما أن ذكرت اسم فلسطين حتى شعروا بأن تعبهم تبخر من لحظته، وكأنهم لم يتوهوا في البحر أبدا، هبوا من أماكنهم كالطيور، ولم يعرفوا من أين أتتهم هذه القوة الخارقة التي أزالت الغم والتعب اللذين كابدوهما لأيام ثلاثة طوال عبورهم البحر" ص47، نلاحظ أثر قوة حضور المكان، فالتعب النفسي والجسدي زال تماما بعد ذكر الاسم فلسطين، فالمجموعة بدت بكامل قواها وطاقتها، وما كان فيه من تعب وإرهاق ويأس انتهى ولم يعد، وهنا نصل إلى أثر المكان على الفدائي الذي يعتبر وصوله إلى فلسطين إنجازا، فكيف إذا ما قام بعملية فدائية؟؟ العملية بعد أن حطت المجموعة أرض فلسطين، وعرفت ـ بعد استجواب صحفية أمريكية ـ أنها موجودة بين حيفا وتل أبيب بدأت العملية، يتم إيقاف حافلة بعد إطلاق النار عليها، تقوم "دلال" بإخبار الرهائن بالعملية والهدف منها: "نحن فرقة فدائية فلسطينية، جئنا للسيطرة على رهائن لمبادلتهم بإخوتنا الذي يعتقلون ظلما في السجون الإسرائيلية، وإذا ما التزمتم بالهدوء وتعاونتم معنا فسنحرص على ألا يصاب أحد بمكروه، أما الذي لن يلتزم فسيؤذي نفسه" ص54، الهدف من هذه الكلمات إلزام الرهائن بما يطلب منهم، وعدم القيام بأي محاولة لهرب أو تعكير مسار العملية؛ لأن الموت سيكون مصير كل من يقدم على المحاولة. رفع علم فلسطين على الحافلة: "رفعت دلال بزتها، وأخرجت من تحتها قطعة قماش، يا لها من قطعة قماش! وتقدمت بها إلى الأمام وزرعتها في مقدمة الحافلة، ثم وقفت دلال ورفعت يدها بالتحية العسكرية، فرفع المقاتلون العرب من اللبنانيين والفلسطينيين واليمني بدورهم أيديهم تحية للعلم الفلسطيني الذي بدأ يرفرف على مقدمة الحافلة...فمنذ ثلاثين عاما لم يرفع العلم الفلسطيني في تلك الأرض...كيف خطر ببالها أن تفعل ذلك! إني في لبنان لم أشعر بهذه المشاعر الدافئة التي يجب أن ترافقنا أينما حللنا في ربوع الوطن العربي" ص55و56، هذا الأمر كان مهما للمجموعة، فهي لم تأت لتقوم بعملية عابرة، بل جاءت لتثبت وجود قوات الثورة على أرض فلسطين، والعملية كبيرة جدا بالنسبة لقدرات الثورة، فكان لا بد من رفع العالم كتعبير عن حجم القوة التي دخلت فلسطين. سيطر الفدائيون على حافلة ثانية، وضعوا الرهائن الذين أصبحوا تسعين رهينة في حافلة واحدة، وهنا اقترح "فياض" تغيير مسار العملية، لكن دلال تصر على الخطة المعدة من قبل أبو جهاد، وتبدأ الشرطة الإسرائيلية والجيش مطاردة الحافلة، كانت المجموعة تمتلك مدفع هاون، وقذائف صاروخية، وهذا مكنهم من تجاوز كل الحواجز والكمائن التي نصبها الاحتلال: "تمكنت قواتنا من تدمير شاحنتين تقلان جنود العدو الصهيوني تدميرا كاملا، ولا زالت قواتنا مستمرة في تنفيذ مهمتها" ص60، هذا ما جاء في بيان صدر عن إذاعة الثورة الفلسطينية، فالمعركة مستمرة ومتواصلة، وليست عابرة، لهذا صدر أكثر من بيان وفي اكثر من وقت، كتأكيد على حجم ونوعية العملية الكبيرة التي اخترقت فيها قوات الثورة حدود فلسطين واشتبكت مع قوات العدو: "وصلوا حاجزا آخر، فأطلقوا عليه قذائف أصابته إصابة مباشرة، وأجهزوا عليه من الجوانب والخلف، وشاهدوا قطع السيارات تتطاير، وقتلوا خمسة عشر عسكريا" ص60، المعركة استمر لمدة طويلة، فكانت "دلال" التي احتفظت بجهاز إرسال لاسلكي، ترسل تفاصيل العملية لأبو جهاد مباشرة، وهو بدوره يتلوها كبيان عسكري صادر عن قيادة الثورة، هذا الأمر أربك العدو، وجعل المجموعة تنتشي فرحة ـ كيف تصل المعلومات إلى القيادة، فكل أجهزة الإرسال تم إغراقها في البحر بعد أن ركبوا الزوارق ـ لكن، كان هناك اتفاق بين دلال وأبو جهاد على أن تحتفظ بجهاز إرسال، يخبر القيادة بمجرى العملية والحيثيات التي تحصل، فهذه المفاجأة كانت داعمة لمعنويات المقاتلين، ومربكة لجنود الاحتلال الذين كانوا يسقطون تواليا، ويسمعون أخبار المنازلة عبر الإذاعة. قلنا إن الاحتلال لا يبالي بقتل الإسرائيليين أنفسهم إذا وقع في ورطة، فالرهائن كان يمكن أن ينجوا لو وافقت دولة الاحتلال على مطالبهم ـ إخراج مجموعة من أسرى الثورة من سجون الاحتلال ـ لكن عنادها وغطرستها حال دون ذلك، فسقط عدد كبير من الرهائن بنيران جنود جيش الاحتلال: "استمرت الحافلة في المسير، وأمسى إطلاق الرصاص عليها جنونيا، فبعد تدمير الحواجز ركب الجنون الجيش الإسرائيلي، فامتلأ المكان بالمدفعية والدبابات والطائرات العمودية، وصار الجيش يطلق الرصاص على من في الحافلة من فدائيين ورهائن إسرائيليين، فقتلوا عددا منهم، لكن الحافلة بقيت تسير دون أن تردعها الحواجز. بيان رقم 5 ما زالت قوة دير ياسين (من قوات الداخل) تعمل في المنطقة الواقعة ما بين حيفا وتل أبيب بحرية، وقد قامت القوة بمهاجمة الأهداف جميعها، وجرت معركة تحت الجسر الواقع في غرب بلدة الطيرة قرب حيفا مما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 15 من جنود العدو الصهيوني" ص 62، استخدام السارد أكثر من طريقة سرد، السرد الروائي، وبيان منظمة التحرير أراد به تأكيد واقعية العملية، وأيضا تأكيد حجم الخسائر الكبيرة التي وقعت في صفوف الجيش، كما أن هذا التنوع في السرد يعطي الرواية سمة فنية تجميلية، بحيث يكون هذا المزج بين السرد الروائي والبيان السياسي بمثابة تمرد/ ثورة/ اختراق لبنية الرواية، فكما اخترقت المجموعة حدود فلسطيني، اخترق السارد بناء الرواية، من خلال وجود (جسم غريب) فيها وعليها، بيان سياسي. تستمر المعركة على هذا الشكل إلى أن يتم إيقاف الحافلة بعد عطب عجلاتها، لتأخذ المنازلة شكلا آخر جديدا، ويصبح لقاء الفدائي بعده لقاء مباشرا، يتم أطلاق النار على الحافلة عشوائيا، يقتل عدد كبير من الرهائن، تتطور المعركة من جانب الاحتلال حتى انه يرمي الحافلة بقذيفة مدفع تحترق مقدمة الحافلة، وتشتعل النيران، ليبدا الجيش بمطالبة المجموعة بالاستسلام، تستبسل المجموعة في المعركة، ويبدأ أفرادها بالسقوط تواليا، يرسم لنا السارد مشهد استشهاد دلال مسلطا الضوء على بطلة العملية والرواية معا: "انطلقت في اتجاههم صليات رصاص، فوقعوا على الأرض، وتدلى رأس دلال إلى الأسفل، أخذا يطلقان الرصاص على الجيش ورمى أبو إصبع بقنبلة يدوية في اتجاه دورية تقدمت، فأصابوه في كتفه...اقتربت دورية إسرائيلية من مؤخرة الحافلة، فرفعت دلال نفسها، وزحفت في اتجاهها ورمت القنبلتين وهي تهتف: النصر لفلسطين، قاتلوهم حتى تحرير فلسطين، فأصابتها رصاصة في العنق، وهوت على الأرض التي أحبتها" ص66، ليأتي بعدها يهود بارك، ويقوم بتمزيق ثيابها ليتأكد أن هناك امرأة في المجموعة، ثم يفرغ مسدسه في جسدها. أبو جهاد بعد قراءة أكثر من رواية متعلقة بالعمليات الفدائية والعمل الفدائي، وجدت أن غالبة هذه العمليات قامت بها حركة فتح "جرمق، سافوري، في ظل خيمة" لمهند الأخرس، "مجموعة عكا 878" لتوفيق فياض، "مليحة، الشمس تولد من الجبال" لمحمد البيروتي، "عودة الأشبال" لفاضل يونس، ورواية "بعد الشاطئ الأخير" لعدوان نمر عدوان، اللافت في هذه الرواية توقفها عند شخصية القائد "أبو جهاد" مخطط العملية وصاحب فكرتها، فالسارد يتعمد وضع هالة عليه من خلال عدم كشف شخصيته مباشرة، فبعد أن يسمعنا حديثه/ قوله/ حكمه يبين لنا من هو المتحدث: "وفي مرة أخرى، وحينما كانت دلال تقف بجانب البحر في المعسكر التدريبي، شعرت برجل يقف إلى جانبها، كانت تحدق في الأفق بعيدا، وتستمع إلى صوت البحر، قال لها: "ماذا تفعلين؟ قالت بفكر كيف اعبر البحر، أجابها: لا تفكري بذلك، اقتحميه وستعبرين كما تريدين، نفذي ما أقوله، وستجدين نفسك في فلسطين لا محالة. فالت له دلال: طيب، عندما نعبر البحر، ألا تخاف أن نتوه، وألا نصل النقطة التي حددتها، ويجوز أن نصل غزة، قال: العدو في غزة هو نفسه في تل أبيب" ص19، بعدها يعلمنا السارد أن هذا الرجل هو أبو جهاد، هذا التقديم يتماثل مع طريقة التقديم السينمائي، حيث يقوم المخرج بإظهار شيء من جسد البطل قبل أن يظهره كاملا على الشاشة، وهذا ما فعله السارد في الرواية. وإذا ما توقفنا عند هذه الشخصية سنجد اهتمام السارد بالحكم التي قالها، فعندما تحدث عن عدالة العالم استخدم معرفته وثقافته العالمية: "لقد طبق علينا قانون "ساكسونيا" الألمانية: المستضعف يربط بشجرة ويجلد حتى يأكل السوط ظهره أو يعدم حسب كبر ذنبه، أما ذوو الجاه فيؤتى بالسارق منهم أو القاتل ليقف في الشمس ثم يحكمون على ظله بالسجن إذا كان سارقا أو بالقتل إذا كان قاتلا" ص20، وعندما (احتج) بعض أفراد المجموعة على وجود "دلال" في العملية، رد عليهم بقصة الجبل الذي يُرى من بعيد، وكيف أن النمل ما هم إلا رجال يتسلقونه، ثم حسم الأمر بقوله: "دلال هي مش مجرد بنت، هاي رصاصة متفجرة، هاي سهم مسموم في قلب العدو، وللعلم هي ستعلمك معنى الرجولة في المعركة" ص21، ولم يقتصر الأمر عند هذا بل تعداه إلى اهتمامه وحرصه على نجاح العمل الفدائي، فكان يرفض وجود أخوة في العملية الواحدة، وسبب ذلك: "تأتي لحظات في المعركة ينظر فيها الإخوة إلى بعضهم، وتأتي عيونهم بعيون بعض، وهذا يوفر للعدو فرصة الصيد السهل" ص24، كما نجده رجلا يحافظ على القيم الإنسانية ويزرعها في الفدائيين: "لا تقتلوا الرهائن، حاولوا الحفاظ عليهم أحياء، أجعلوا فوهات البنادق في اتجاه الخارج، انتصروا على قهركم، إن الذي ينتصر على العدو بطل، لكن الذي ينتصر على قهره شبه إله" ص26، كما أنه لم يعين مباشرة قائدا للمجموعة، بل ترك الأمر مفتوحا، لكنه أشار إلى اللجوء إلى "دلال" عندما يحدث خلاف: "إذا اختلفتم في شيء فردوه إلى دلال؛ لأن قلبها يمتلك حاسة الإنصات إلى صوت فلسطين، انتم تصيبون الأهداف البعيدة المرئية، أما دلال فتستطيع أن ترى ما هو غير مرئي، وتستطيع أن تحس بالهواجس، قلبها يرى قبل أن يرى عقلها" ص27، بعد هذه الحكم والمأثورات يبدأ السارد بالحديث عن "أبو جهاد" بصيغة الغائب: "آمن أبو جهاد بأن الربح الثمين يحتاج إلى تضحية ثقيلة" ص29. عندما يتم إيقاف السفينة من قبل البحرية، ويُستجوب قبطانها، يرد عليهم بالإنجليزية، لكن المجموعة تتفاجأ بأنه فلسطيني، وعندما سؤل عن عدم التحدث بالعربية أجاب: "طلب مني أبو جهاد ألا أكلم أحدا إلا بالإنجليزية" ص34، فالحرص على نجاح العملة استدعى إخفاء جنسية القبطان من خلال استخدامه الإنجليزية، وهذا ما كان. وعدما اشتدت الضيق على المجموعة تغذت/تقوت "دلال" بقول القائد: "إن عملية هبوط الجبل أكثر خطورة من صعوده" ص47، وبعد نجاح العملية والخسائر الفادحة التي ألحقتها بالعدو، صرخ يهود بارك: "صراخا جنونيا: أبو جهاد "سنأتيك أينما كنت، وفي أي أرض حللت" ص72، كل هذا يشير إلى أن السارد قدم شخصية القائد بصورة تليق به، فكان محجوبا وظاهرا، حاضرا وغائبا، وكان فاعلا بقوله/ بفكره/ بتوصياته التي كانت طريقا وسببا لنجاح العملية وتحقيق (نصف) أهداف العملية ـ إثارة العدو بحيث يظهر على حقيقته ـ طريقة تقديم الرواية السارد يستخدم أكثر من طريقة لعرض للأحداث، فمرة يسرد رواية من خلال السارد العليم الذي يتحدث عن رواية واقعية، ومرة من خلال أنا السارد ـ الفصل قبل الأخير في الرواية ـ حيث حديث "دلال" عن نفسها بعد الموت، ـ سرد متخيل ـ، وأيضا من خلال وجود بينات سياسية، فتنوع السرد الخارجي/ العالم، وأنا السارد يعطي الرواية لمسة فنية، وتحررها من الهيمنة الكليلة للسارد ونلاحظ وجود بيانات سياسية ـ متعلقة بالعملية ـ يمثل حالة من (التمرد/ الثورة/ الاقتحام) في بنية الرواية، فالسارد أراد بها ـ ليس توثيق العملية كما حدثت فحسب ـ بل اختراق بنية الرواية ذاتها، فكما اخترقت المجموعة حدود فلسطين وعبرتها، وقامت بالعملية النوعية، وزينت فلسطين برفع علمها على أرضها، عملت البيانات عين الفعل في بنية الروائية، فأضافت لمسة جمالية عليها من خلال هذه البيانات التي زينت الرواية، وجعلها بمثابة وثيقة أدبية لعملية واقعية. الصورة رغم أن الرواية واقعية، وأحداثها منقولة/ مأخوذة عن حدث واقعي، إلا أن السارد استخدم صورة أدبية، ويعود هذا الاستخدام إلى وجود الشهداء، فعندما توقف عند استشهاد "دلال" قدم الحدث بهذا الشكل: "شعرت بانتمائها إلى هنا، ربما عادت مياه الجبل الجليدي إلى القطب الأم بعد ردح من الزمن على شكل ثلج جليدي مرة أخرى، وتوحدت مع الزمان والمكان، كأنها تدخل غيمة مارد جبار، وتفقأ عينيه وتشرم أنفه، لحقت بذلك صورة والدها التي جاءت من بعيد تظللها، شاهدته يأتي إليها داخل غيمة، وكبرت الغيمة وغطتها، ولم تعد ترى شيئا، حاولت أن تسترجع صورة الواقع، غير أن نعاسا أخذها معه إلى الأبدية" ص66و67، قبل هذه المشهد لم يستخدم السارد الصور، لكن، في حالة استشهاد "دلال" دفعه الحدث إلى (احترام/ وتقدير) الشهيدة من خلال لغة جديدة، لغة أدبية يخفف بها على نفسه، ويخفف على المتلقي الذي سيتألم على فقدان/ رحيل زهرة فلسطين. الفانتازيا الفانتازيا تأتي عندما يكون هناك حدث خطر، مهم/ صاعق، فالسارد من خلالها يحاول (التخفيف) من حدة الصعقة/ الصدمة التي أصابته، كما انه من خلالها يعبر عن رفضه (التسليم) بالحدث، فموت زهرة مثل "دلال" لا يمكن القبول به أو التسليم به، لهذا (أعادها) السارد حية كما كانت، لتحدثنا عما أصابها بعد رحليها في عملية بعث من الموت يشبه انبعاث عشتار من باطن الأرض: "أنا قابع هناك معلقة بين الحياة والموت، لقد حكموا عليّ بأن أظل أعاني برد الثلاجات الذي يلسع جسدي، وأعاني لؤم النظرات التي كانوا يرمقونني بها، وكانوا أحيانا يشتمون ويبصقون، وكان بصاقهم ينساب على قفص الزجاج الذي زرعوني فيه" ص77، مثل هذا المشهد يقودنا إلى ـ العقل الباطن للسارد ـ الذي يرفض التسلم بموت "دلال" فأحياها من جديد، وجعلها تتحدث عن ألمها ومعاناتها في مقبرة الأرقام، مستحثا القارئ على الفعل والعمل لتحريرها، وتخليصها مما هي فيه. مأساة الفلسطيني مستمرة بعد أن يتم استبدال جثامين أسرى إسرائيليين لدى المقاومة اللبنانية، يتم تحرير جثمان "دلال" من مقابر الأرقام، يحفر لها قبر ليتم دفنها في لبنان، لكن بعد تحليل، يُكتشف أن الجثمان ليس لها، وهنا تحدث فاجعة، تتوفى أمها وتدفن في القبر الذي حُفر "لدلال" أعتقد أن الهدف من هذا الحدث تنبيه القارئ إلى أن هناك جثامين شهداء ما زلت بحاجة إلى تحرير من المجهول، وعلينا يقع ثقل إعطائها حقها بالدفن كما يليق بالشهداء، بمعنى أننا بحاجة إلى عمليات أخرى، يتم بها تحرير الأسرى الأحياء والأموات. الرواية من منشورا مركز أوغاريت الثقافي، رام الله، فلسطين، الطبعة الأولى 2012.
#رائد_الحواري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الانتفاضة والواقع العربي في ديوان -ثورة الحجر القدسي- حبيب
...
-
عملية الساحل في رواية -عودة الأشبال- فاضل يونس
-
المثير والمدهش في - بحر عكا- زياد خداش
-
الذاكرة الخصبة في كتاب -أسماء في الذكارة- محمود شقير
-
الفقدان في رواية -كوكوش- ياسين غالب
-
الأرض والإنسان في رواية -الولد الأحمر- خالد أبو عجمة
-
الواقعية وإشارات أخرى في رواية -لذة القهر- للكاتب أنس أبو سع
...
-
فلسطين والفلسطيني في ديوان -أنا والأرض غربة- حبيب الشريدة
-
كتاب الفانتازيا الإسلامية فراس حج محمد
-
تنوع الشكل والمضمون في مجموعة -هل أنت بخير- نبيل جديد
-
العمل الفدائي في رواية -مجموعة عكا 778- توفيق فياض
-
قراءة في كتاب محمد القيسي دراسة في شعره ونثره للناقد إبراهيم
...
-
كتاب حزيران الذي لا ينتهي شظايا ذاكرة 1967-1982 عادل الأسطة
-
التكرار والمضمون في قصيدة -طابور الخير والحب والحياة- عبد ال
...
-
أيلول الأسود في رواية -حبيبتي ميليشيا- توفيق فياض
-
بيان الشاعر في -المناشير- عيسى الرومي
-
عقد الخوف في قصة -عقدة العصفور- كميل أبو حنيش
-
طبيعة الصراع في مسرحية -البيت المسكون- سعادة أبو عراق
-
اللغة وأصحابها في كتاب -ماء الكلام- وليد حسين الخطيب
-
حرب غزة في رواية -بنت الأجيال- عامر أنور سلطان
المزيد.....
-
سوريا ضيف شرف معرض عمّان الدولي للكتاب في دورته الـ25
-
بورنهام يتراجع عن دعمه إعادة منحوتات البارثينون إلى اليونان
...
-
-على غفلة-.. الكهرباء تطفئ حفل مروان خوري وتضع حدا للسهرة (ف
...
-
200 فنان عالمي يطالبون مهرجان فينيسيا بوقفات جادة دعما لفلسط
...
-
نجم أمريكي يتعرض لموقف محرج على المسرح (فيديو)
-
فرنسا تستقبل 44 عالما وفنانا فلسطينيا من قطاع غزة
-
مركز دراسة الرأي العام يؤكد النزعة نحو ارتفاع عدد الراغبين
...
-
مصر.. اكتشاف مقبرة فرعونية في البوباسطيون
-
تشاركها المخرجة اللبنانية مونيا عقل.. بطلة -تايتانيك- تعود ل
...
-
أساتذة مؤهلون وطلاب مجتهدون.. كيف تزدهر العربية في شوارع كاب
...
المزيد.....
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
المزيد.....
|