|
|
أيلول الأسود في رواية -حبيبتي ميليشيا- توفيق فياض
رائد الحواري
الحوار المتمدن-العدد: 8781 - 2026 / 7 / 29 - 14:56
المحور:
الادب والفن
قبل الدخول إلى الرواية أنوه إلى أن ما جرى في أيلول عام 1970 مماثل ومشابه تماما لما يجري في لبنان الآن، فهناك توافق بين الحكومة اللبنانية وأمريكية وإسرائيلية على ضرورة نزع سلاح حزب الله، لتكون الكلمة الأولى والأخيرة لجيش الاحتلال، من خلال استخدامهم مصطلحات وفقرات تبدو للوهلة الأولى موضوعية "الدولة مسؤولة عن أمن البلد، الجيش هو حامي البلاد، حصر سلاح في يد الجيش" وغيرها من العبارات التي تعتبر كلمة حق أريد بها باطل، فكلنا يعلم أن الجيوش العربية ومنها الجيش اللبناني وجدوا للاستعراضات والمراسم وليس للحروب، ووجدت لحماية الأمن العام في البلد، وما يؤكد هذا القول، الحروب التي خاضتها الجيوش العربية، فكل الحروب خسرتها، وما ضياع فلسطين والجولان وسيناء إلا صورة عن حقيقة وطبيعية هذه الجيوش. وبما أن المقاومة تمثل خروج على ما هو رسمي، وهي صوت وموقف الشعب والجماهير في عدم الإذعان للأعداء، فكان لا بد من تطويعها بكل السبل والوسائل والطرق، لتكون الحكومة/ الجيش هما صاحبا الكلمة الوحيدة في البلد!! وما يحسب للأدب الفلسطيني توقفه عند محطات مفصلية من تاريخ الثورة الفلسطينية، فهناك "آه يا بيروت، الرب لم يسترح في اليوم السابع" لرشاد أبو شاور، "نشيد الحياة" ليحيى يخلف، "تحت ظل خيمة" لطلال الأخرس، "مليحة، الشمس تولد في الجبال" لمحمد البيروتي، لكن، يمكننا القول إن رواية "حبيبتي ميليشيا" أول رواية توقفت بتفاصيل دقيقة وشاملة عند أحداث أيلول، فرغم توقف "رشاد أبو شاور" في رواية "البكاء على صدر الحبيب" ومهند الأخرس في رواية "تحت ظل خيمة" عند بعض الأحداث، إلا أنها لم تستوف كامل التفاصيل كما هو الحال في هذه الرواية. الفدائي قبل الدخول إلى العمل الفدائي نتوقف عند أسباب ودافع ومبررات العمل الفدائي: "عشرون عاما من القهر والغربة تحت سنابك الخيل، نحلم بالعودة إلى عين حوض، ولم نعد، وابتعدت، صار الحلم في يدي الآن بندقية، وفي يد عز الدين قذيفة، وكلانا يخطو نحو عين حوض، ولا بد أن نصل" ص71، إذن ما دفع الفلسطيني للقيام بالعمل الفدائي هو تقاعس الجيوش العربية عن تحرير فلسطين، وهزيمتها في عام ال67، كما أن المعاناة والمعاملة القاسة التي وجدها الفلسطيني من الأنظمة العربية أدت به إلى التمرد والثورة، فهو أصبح بلا وطن/ بلا أرض/ بلا بيت/ بلا كيان يدافع عنه، فكان عليه أخذ حقوقه بنفسه، من هنا لجأ إلى البندقية كوسيلة تحرير، وإلى الثورة ككيان يحقق أمله/ حلمه في الخلاص من بؤس التشرد والذل. العمل الفدائي أنبل وأشرف ظاهرة وجدت في القرن الماضي، حيث خرجا لفدائي من الرماد/ من الدمار/ من التشرد والضياع ليقوم بثورة من اللاشيء/ من الصفر، ويواجه أقوى جيش في المنطقة، ويحقق الانتصارات. فالفدائي لم يكن رجلا عاديا، بل رجل متميز، يتمتع بصفات وأخلاق وعطاء فريد، كما أن له رؤية فكرية فيما يجري، يحدثنا السارد عن خروج الفينيق من الرماد: "ـ جئت أبحث عن الثوار في الجبال ـ كيف عرفت؟ ـ جاؤوا بواحد منهم قبل عام...قال وهو يلفظ أنفاسه: "إذا ما بقيت حيا وخرجت، أبحث عنهم في جبال السلط، كان اسمه فيصل. نظر عامر إليه طويلا، وتابع سرحان ـ ألا تعرف أحدا منهم؟ ـ لا أحد يعرفهم هنا. ـ ومكانهم؟ ـ الجبال ـ إذن نصعد الجبال ـ ستقود الجيش إليهم لو فعلت، أنهم يبحثون عنهم ـ وما العمل؟ ـ ننتظر، أنني أفكر في الأمر منذ زمن، وقد اختزنت من أصابع الديناميت التي كنت أستعملها في الكسارات" ص9و10، إذن العمل الفدائي لم يكن سهلا، بل فيه مواجهة للعديد من الموانع والصعاب والجهات، فالفدائي مطلوب للجيش لأنه يخترق الحدود التي يحميها ويحرسها، كما أن مصدر تسليحه محدود، أصابع الديناميت حصل عليها "عامر" من خلال عمله في الكسارات، وأيضا مصادر التموين ـ الماء والغذاء ـ محدود جدا خاصة لمن يعيش في الجبال ـ فهي مناطق مقطوعة، كما أن دخوله الأرض المحتلة فيه أكبر خطر يهدد حياته. ومن كان يقع من الفدائيين في يد الجيش مصيره الجفر، السجن القاس كقسوة الصحراء التي هو فيها، أو التعذيب في دائرة المخابرات وعلى يد مديرها "محمد رسول الكيلاني": "ـ عذبوه؟ ـ حتى الموت، حين ألقوا القبض عليه كان جريحا، قال أنه كان يغطي انسحاب الرفاق في اشتباكهم مع العدو في الأرض المحتلة ـ من عذبه؟ مهاوش!؟ ـ وفي حضور محمد رسول" ص15، هذه إحدى الحقائق التي يجب معرفتها، فالفدائي حتى بعد أن ينجو من العدو كان عليه النجاة أيضا من الجيش على ضفة النهر الشرقية، لأنه إذا ما وقع في يد أحد الجيشين، غربي النهر أم شرقه، ستكون النهاية بالنسبة له. ونلاحظ سعادة الفدائي وهو يمارس دوره كمقاوم للاحتلال، سعادته وهو يعبر الأرض المحتلة، تلك الأرض التي هُجر منها غصبا وكرها: "أنه عبر النهر وخاض معركة ضارية مع العدو في الأرض المحتلة، وقد استشهد اثنان من الرفاق، وأنه سيعبر النهر ثانية، ثم أنهى رسالته بأنه الآن سعيد، وان فلسطين جميلة، ولا داعي للقلق عليه" ص70و71، هذه رسالة كتبها "عز الدين" لوالده يتحدث فيها عن مشاركته في الثورة، فرغم استشهاد رفاقه، إلا أنه مصر على عبور النهر ثانية، عبور النهر يعني خوض اشتباك جديد مع العدو. ونلاحظ كيف يفرح الفدائي وهو يشاهد أرضه المحتلة، الأرض التي حرم من العودة إليها، وهذا يشير إلى الحميمية التي تجمع الفلسطيني بأرضه، فهي بالنسبة له الحلم، الفردوس المفقود، وما أن يدخلها حتى ينتشى ويتجاهل/ ينسى أنه مطارد ومطلوب من للعدو. العمل الفدائي لم يقتصر على فصيل بعينه، بل هو مشاع/ مفتوح لكل من يريد العمل لتحرير فلسطين: "ـ نت أين الأخ؟ ـ شعبية يا رفيق ـ ماذا تقرأ يا رفيق؟ ـ ثورة على ثورة يا أخ، وأنت؟ ـ رأس المال ـ إلى أين الأخ؟ ـ إلى القاعدة يا رفيق. ـ شعبية؟ ـ ديمقراطية، وأنت؟" ص73، اللافت في هذا الحوار تأكيده أهمية التعد والتنوع الفكري في الثورة الفلسطينية، فهي لم تكن بلون واحد، بل بكل الألوان، وهذا الانفتاح يحسب للثورة التي تعدد الرؤى فيها، وهذا ما جعلها تستوعب ثوار من جنسيات عديدة، فكانت بمثابة جامعة الدول العربية، والجمعية العامة للأمم المتحدة: "توقف على قبر صخر الأردني، كان صخر يعرف كل مسلك، وكل ينبوع ماء، وكل مغارة في جبال الخليل، وكان مصدر السلاح الأول لهم، كيف كان يأتي بالسلاح، لا احد يعرف، ولكنه حين استشهد وهو يقطع النهر بجملين محملين بالسلاح إلى الثوار في جبال الخليل، جاء والده يقطر جملين آخرين، قال "لم يمت صخر" عرفوا أنه كان يجمعه من أبناء عشيرته في الصحراء" ص91، إذن هناك تعدد في جنسيات الفدائيين كما هناك تعدد في الأفكار/ الأيديولوجيا، وهذا التعدد والتنوع ساهم في تطوير العمل الفدائي وانتشاره في اكثر من دولة ومكان. رغم أن العديد من الفدائيين لم يشاهدوا فلسطين، إلا أنها كانت الحلم/ الجنة التي يحلم بها كل حر، إن كان فلسطينيا أم غير فلسطيني، بمعنى أن العمل من اجل فلسطين تجاوز الجيل الذي ولد فيها ويعرفها، إلى جيل آخر، وإلى مجتمعات أخرى، عرفتها من خلال القراءة والحوار والاستماع للندوات: "ـ يحيرني كيف تخوضون ثورة تحرير أرض برجال لا يعرفونها بغالبيتهم، ليس ثمة ما يربطهم بها؟ ـ الجواب ماثل أمامك، أكثر الذين يستشهدون ويدفعون دماءهم ثمنا من أجلها، لا يعرفونها، ومنهم من يلقاها ويفارقها في عناقه الأول لها وإلى الأبد، وثمة من يفارقها وهو يمد إليها ذراعيه يعانقها وقبل أن يقطع النهر، بلادي يا صديقتي الطيبة والمضللة، ليس كرم زيتون ولا بياردة برتقال، أنها قضية، وقضية عادلة، وحين تفقدين كل شيء حتى موطئ القدم، تموتين من أجل موطئ القدم الذي كان" ص116و117، هذه فلسطين التي حلم بها الفدائي، فأصبحت حلما لكل أحرار العالم الذين اتو إليها ليقدموا لها الحرية التي نشدها. الثورة الثورة كانت وسيلة تحرير وتحقيق الحلم، فقد كانت بهية/ جميلة/ معطاءة، جاذبة لكل الناس، بصرف النظر عن الجنسية، العقيدة/ الفكر، العمر، الجنس، فقد استوعبت الكل، فكل من أتى ليعطي فلسطين رحبت به الثورة: "التحق الشباب من كل مكان بقوات التحرير الشعبية، وفي كل الفصائل، انتشروا في مدن الأردن، عمروا القرى والمخيمات، تقاطروا على الأغوار، والفلاحون الطيبون إلى الأرض عادوا، وبنوا من جديد، حرثوا، زرعوا، صنعوا الشاي والأحلام للثوار، سامروهم، ساندوهم، حموا ظهورهم، دبت الحياة في الكرامة" ص66، جمالية المشهد تكمن في الأمل الذي فيه، الذي يحمله، فهناك فضاء وأفق واسع جذب الناس إلى الثورة، نجده في زخم الأعداد القادمة والملتحقة بالثورة، ونجد تنوع مشاربهم، فالثورة أزالت الفروق الطبقية بين الناس، وجعلتهم ينصهرون لتحقيق حلم تحرير الأرض المحتلة. وعن الدول الاشتراكية ودورها في أمداد الثورة بالسلاح، ودور المرأة المقاتلة: "قال مسؤول الإقليم لدهرية ـ أننا لا نملك قطعة سلاح واحدة، هذا سلاحي خذيه. دخلت عائشة ومعها بعض النساء، هب واقفا. هذه عائشة، اسأليها، لقد أخبرتها بذلك حين طلبت إلي، وحولت كل الطلبات إلى القائد بنفسي، أن مخازننا فارغة ولا نملك سلاحا نوزعه على المقاتلين، كانت الكمية التي أرسلها لنا الفيتناميون غير كافية، قد يأتينا في القريب من البلدان العربية والاشتراكية الصديقة" ص82، من خلال هذا المشهد يمكننا القول إن الثورة استطاعت أن تكون حاضنة للكل، رجال ونساء، كما استطاعت أن تكسب مؤازرة ودعم العديد من الدولة، العربية وغير العربية، وهذا يؤكد عدالة القضية التي تحملها الثورة، كما يؤكد نقاء وعطاء الثورة وإنجازاتها في الميدان. وعن الذين اتو ليبلوا نداء الثورة من الشعوب الأخرى، يقول السارد: "أما أنطون سافريان، "الورشة" كما كانوا يسمونه، يظل منكبا على قطعة سلاح يصلحها، أو منشغلا في التخطيط لاختراع جديد من اختراعاته الصغيرة، يحلم بفلسطين وأرمينا" ص86، اتساع وتنوع وتعدد المشاركين في الثورة يشير إلى مكانتها وأهميتها، ليس للفلسطينيين فحسب، بل للشعوب الأخرى التي تسعى لحرياته وتحقيق حلمها، فكل مظلوم في العالم وجد في الثورة حلمه، غايته، لهذا نجدها الزهرة التي تأتيها الفراشات والنحل من كل حدب وصوب، لتأخذ من رحيقها الطيب. وعن العلاقة الروحية، الاجتماعية التي واكبت الثورة، نجدها في "أم محمد" التي تمثل أم الثوار: "كانت بيت أم محمد، قد تحول إلى قيادة غير رسمية، فما من مسؤول في الثورة مر بالكرامة، إلا ومر بيتها، أحنى الجبين لقبلتها، شرب الشاي، وسلطانها المطلق هيمن على كل الثوار في المنطقة...الكل لديها "الثوار" وكل التنظيمات "الثورة" لا مقاتل ولا ميليشيا، ولا من يقول فتح ولا شعبية أو ديمقراطية، تحفظ أسماءهم جميعا، تميز القادم منهم في الظلمة من صوته أو كحته، من همس خطاه، هذا سليم، وذاك الملا، وذلك سرحان وعامر، والقادم من بعيد عقاب، مسلة للشهداء كانت ذاكرتها" ص103، هذا المشهد يقودنا إلى ما جاء في رواية "الجهة السابعة" للأسر "كميل أبو حنيش" فقد تناول "أم عسكر وأم مهند" بعين الروح التي تحدث بها "توفيق فياض" عن "أم محمد": "أم عسكر لا تقل عطاءا عن أم مهند، وهي المرأة التي احتضنت غالبية المطاردين في بيتها وأوتهم وعاملتهم كأبنائها، حتى أنها آخت بين بنتها الوحيدة وبين "نادر السامري"، الذي أوصت بإعطائه نصف ثروتها بعد وفاتها، فهي تجاوز مفهوم الدين والعرف والمفاهيم السطحية، وتعاملت بوطنية مع كل من قاوم المحتل، بصرف النظر عن دينه أو ملته." رغم يقيني بأن "كميل" لم يطلع على "حبيبتي ميليشيا" ولم يقرأها، إلا أن تماثل الصورة يؤكد روح الشعب تجاه الثورة والثوار، ففي كل مرحلة من مراحل النضال الفلسطيني كانت هناك "أم محمد وأم مهند وأم عسكر" والعطاء للثورة لم يقتصر على المشاركة العسكرية فحسب، ولا على الرجل دون النساء، فطال أيضا المساهمة المادية: "نزعت صبية قراطها الذهبي، القته، تقدمت منه عجوز محنية الظهر، ارتجفت يدها على صدرها، أخرجت منديلا عتيقا مهذب الأطراف، معقودا، أراحته في الصندوق، التفتت تعود، واجهتها دهرية، شملتها بسمة بعينيها الكليليين، سقطت عبنا دهرية على خنصرها، ابتسم خاتم العرس حوله، امتدت أناملها إليه التقت بأنامل أحمد، كان رنينه في قاع الصندوق، فرحا وحزنا معتقين" ص32و33، نلاحظ دور المرأة ومساهمتها المادية في الثورة، فهي تتبرع بأعلى ما تملك، صيغتها، خاتم الزواج، وهذا الموقف يقودنا إلى ثورة ال36 وكيف ساهمت فيها النساء اللواتي بعن ذهبهن لشراء السلاح للمقاومين، فالسارد أراد بهذا المشهد الإشارة إلى أن الثورة المعاصرة تتماثل بطموحها وأهدافها ونقاءها ثورة ال36، من هنا كان إجهاض الثورة وتصفيتها يعد أكبر خيانة لفلسطين وللعرب ولأحرار العالم. حكم الثوار الثورة لم تكن حمل سلاح فحسب، بل فكرة نبيلة، فكرة جاذبة لكل من يفكر بعقله ويسعى لنيل حريته: "لمعركة الخاسرة هي التي لا نخوضها يا سرحان" هذا ما قاله الحاج إبراهيم عن الانسحاب من الكرامة، وعن أهمية وحدة الثورة، يقول سرحان: "تموت الثورة، حين ينقسم رصاص الثوار" ص 77. الجفر سجن الجفر الصحراوي سيء الصيت كان الجحيم بالنسبة لكل معتقل، فقد تناوله السارد في اكثر من موضع، منها ما قاله صقر: "ـ الموت ولا الجفر" ص168، وهناك وصف لكيفية الاعتقال، وكيف كان يؤتى بالمعتقل إلى الجفر: "كبر، داهم الفرسان شتاتها، قطروا الشيخ سلمان إلى ذيول الخيل، صد بالصدر سرحان السنابك، داسته، تهاوت عليه السياط، مزقته، سحلته الخيل، كانت الشمس بشعة، صلته، كانت طريق الجفر محرقة، وكان "مهاوش" يحس عد السياط على الظهر، ويهوى لعبة النار...يا ليالي الجفر والصحراء أقسمت لن تعودي" ص177، فهذا المكان تجاوز كونه سجنا ليكون مكان تعذيب، للموت والفناء، لهذا كان مكروها ومرهوبا من جميع الشعب، وما توجه الفدائيين إلى فلسطين إلا إحدى الطرق التي تنجيهم من الجفر وما فيه: تراصت السواعد السمر على الباب الحديدي في "الجفر" حطمته، هلع السجان، سقط، خرج سرحان، صاح: ـ يا ليالي الجفر والصحراء أقسم لن تعودي قطع الصحراء، غاب في الغور، يمم وجه صوب الكرامة" ص7، هذا ما جاء في فاتحة الرواية، وكأن السارد يقول أن الجفر كان أحد أسباب انطلاقة الثورة والعمل الفدائي، فالمناضلون سعوا إلى الخلاص من هذا المكان من خلال توجههم إلى فلسطين، ورغم أن الموت كان ينتظرهم فيه، إلا أنهم فضلوا الموت وهم يواجهون عدوهم، على الموت وهم يعذبون من جيشهم وحكومتهم. وإذا ما توقفنا عند هذا السجن سنجد أن السارد تعمد ذكره في أكثر من موضع لأنه طال كل المناضلين، السياسيين والعسكريين، فالجفر وما فيه من تعذيب كان بمثابة محفز للمعارضين على مواجهة النظام الذي يستخدم معركة الكرامة هدف العدو من هذه المعركة كان سحق المقاومة والثوار تماما، والتخلص من المناوشات التي أتعبته وأرهقته، لكن حساباته لم تكن في محلها، فقد ظهر ـ الجيش الأردني ـ ظهر فينيق آخر أشد بأسا وقوة من سابقه، وما أن اجتمع الفينيقيان معا حتى تم تغيير المعادلة، وأصبح الجيش الذي لا يقهر، يقهر ويذل وينهزم وينكسر. ما يحسب لهذه المعركة أنها تعد أول تحالف بين الفدائيين والجيش، فرغم أنها وقعت في رض (ساقطة عسكريا) إلا أن استبسال الفدائيين وتدخل الجيش من خلال ضرب العدو بالمدفعية، أدى إلى تثبيت معادلة جديدة، المقاومة إذا ما تحالفت مع الجيش ـ رغم ضعف الإمكانيات من عتاد وتسليح ورجل ـ لا يمكن أن تهزم، فالجيش عندما تكون قيادته حكيمة، تعمل لحماية الوطن، يمكنه أن يحقق معجزة، الانتصار على الجيش الذي لا يقهر، وأقوى جيش في المنطقة، يحدثنا السارد عن مجريات تلك المعركة من خلال هذا المشهد: "ـ ولكنه لواء مدرع، ولا نملك حتى قذيفة واحدة مضادة، مدفع هاون واحد لا نملك! ـ أنها مذبحة الرجال.. لننسحب. ـ مئة وخمسون مقاتل مع الأشبال والأهالي، مقابل لواء بأكمله.. هذا مستحيل، ننسحب. ـ أنها مؤامرة مع الملك، والجيش الأردني لن يتدخل، بل وسيضربنا من الخلف، ننسحب. ـ لن يبقى لدينا مقاتل واحد ـ نهاية الثورة، ننسحب ...فرك الحاج إبراهيم عينيه، جبال من الحديد والنار تزحف.. أنها القيامة، استغفر ربه، كانت الكرامة طفلة على السفح تغفو. ...وقعت دبابة في الفخ المشروك لها، ارتجفت، تخبطت، دار البرج على نفسه، اشتعلت، أحجم سرب خلفها، استدار، جأر، هاج، واندفع، من كل الجهات اندفع، صلته قنابل الثوار، والرصاص انصب من كل الجهات عليه، أنهمر ...التفت إلى قائد المدفعة، ـ أقسمت لن يمروا، مروا لن يعودوا وأنت رجل، شد القائد على كتفه. ـ أقسم لن يمروا ... قاطعته نيران المدفعية الثقيلة تنصب من جبال السلط، ومن كل الجبال حول الكرامة، وتهلل وجهه، توقفت أنامله على الزناد، تسلقت عيناه جبال السلط، ارتفعت يداه نحو السماء بالبندقية ـ الله ينصركم يا بوي... الله ينص... أطلق العدو أسراب طائراته، اندفعت تغير على مواقع الثوار والجيش الأردني، جنت، كان الشرك حول الغزاة المتقهقرين محكما، والموت في يد الثوار والرجال في أعلي الجبال منجلا يحصد...ولت فلول الدبابات أدبارها، شرعت مدافعها إلى الخلف، قذفت نفسها في النهر، والمدفعية من أعلي الجبال تسوقها" ص50 -57، هذا المشهد يعطي صورة وافية عن مجريات معركة الكرامة، فنجد كيف ضن الفدائيون ضن السوء بالجيش، لكن قيادة الجيش الوطنية كانت السبب الرئيس والحيوي في دحر العدو وإيقاع الخسائر المادية والبشرية في صفوفه. وإذا ما توقفنا عند المعادلة "الذهبية" التي قالها الشهيد "حسن نصرالله" الجيش، الشعب، المقاومة نجدها قد طبقت في الكرامة فالأهلي والمقاومين والجيش في تحالفهم استطاعوا أن يردوا العدو خائبا منهزما منكسرا. من هنا كان يمكن لهذا المعادلة أن تستمر وتتقدم إلى الأمام، لكن هناك من عمل على إعادة الأمور إلى نصابها، وجعل كلمة الفصل للجيش والحكومة فقط، أما الشعب والمقاومة فليس لهم أي مكان أو وجود في الوطن، من هنا تم تصفية المقاومة، ومطاردة واعتقال كل من يؤيدها من الشعب، وحتى من يستمع لصوتها.
الشعب والفدائي العمل الفدائي كان يمثل أمل الشعب في استعادة الوطن السليب، والأمل في لقاء الأهل والأحبة، والأمل في الخلاص من حياة التشرد والمخيمات، من هنا وجدنا تأييد ودعم وتشجيع للفدائي وللعمل الفدائي: " أنطلق سرحان في تلك الليلة إلى الأرض المحتلة مع باقي الرجال، هاجموا كمين العدو غرب النهر، أبادوه، طوقتهم طائرات الهليوكابتر، اشتبكوا مع قوات النجدة، كانت المعركة دامية، دق قلب القائد في الجبل...انسحب الرفاق، سقط الطبيب، كللته الشمس، دقت الأجراس في القدس والمآذن كبرا" ص27، هذا المشهد يعطينا صورة عن موقف الجماهير/ الشعب من العمل الفدائي، وهذا يجعلنا نسأل، إذا كان الشعب مع العمل الفدائي، فلماذا كان الجيش يعاديه ويقف ضده!؟ علما، يفترض على الجيش الوطني تسهيل أي عمل يستعيد به الوطن الأرض التي خسرها في حرب 67، لا أن يكون حارسا للعدو الذي اغتصب الأرض وشرد أهلها. إيجابية الجيش الأردني السارد يقدم صورتين للجيش الأردني، صورة إيجابية وأخرى سلبية، الإيجابية نجدها قبيل وأثناء معركة الكرامة: " التفت إلى قائد المدفعة، ـ أقسمت لن يمروا، مروا لن يعودوا وأنت رجل، شد القائد على كتفه. ـ أقسم لن يمروا" ص55، فالقائد هنا يتخذ موقفا حاسما من العدو، مؤكدا أنه سيتصدى له ولن يجعله يمر، وهذا ما كان فعليا: "قاطعته نيران المدفعية الثقيلة تنصب من جبال السلط، ومن كل الجبال حول الكرامة، وتهلل وجهه، توقفت أنامله على الزناد، تسلقت عيناه جبال السلط، ارتفعت يداه نحو السماء بالبندقية ـ الله ينصركم يا بوي... الله ينص... أطلق العدو أسراب طائراته، اندفعت تغير على مواقع الثوار والجيش الأردني، جنت، كان الشرك حول الغزاة المتقهقرين محكما، والموت في يد الثوار والرجال في أعلي الجبال منجلا يحصد...ولت فلول الدبابات أدبارها، شرعت مدافعها إلى الخلف، قذفت نفسها في النهر، والمدفعية من أعلي الجبال تسوقها" ص56، فلولا وجود الجيش الأردني وتصديه البطولي للغزاة لانتهت الثورة في الكرامة، وانتهى معها الحلم، فالجيش الأردني كان احد العوامل التي ساهمت في انتعاش الثورة وتوسعها، وكان يمكنه الاستمرار في هذا الدور، لكن... أثناء قيام مجموعة فدائية بمحاولة عبور النهر توقفها دورة للجيش، يحدث حوار مطول بين قائد المجموعة وقائد المواقع، في النهاية نرى هذا الموقف لقائد الموقع: "ولهذا أسمح لكم بالمرور مخالفا الأوامر، لكي تعرفوا أننا نفرق بين الفدائي الشريف، والفدائي الغير شريف الذي يطلق النار على جنودنا" ص140، بهذه الروح تعامل قائد الموقع مع الفدائيين، فعندما علم وتأكد أنهم في مهمة لمقارعة العدو، سمح لهم بالمرور، رغم مخافة ذلك للأوامر الصادرة له، وهذا التجاوز يشير إلى أن الجندي يستطيع الفعل وخدمة الثورة إذا ما تعامل بعقلية الجندي المقاتل. الصراع بين الثورة والجيش قبل تقديم الصورة السلبية للجيش نتوقف عند الحوار الذي تم بين "دهرية" قائدة المجموعة الفدائية وبين قائد الموقع، ففيه العديد من المسالة المتعلقة بالصراع بين الطرفين: "ـ رفقاء سلاح، ليتك كنت معنا، كانت معركة دامية أحرجه جرأتها، أحس وكأنها تعرض به، ثأر. ـ كيف أكون معكم، وأنتم تطلقون النار على جنودنا في أول فرصة تنفردون بهم، كيف...تقولون معركتنا واحدة، ولا تنفكون تنادون وتعملون على قلب نظام سيدنا ـ الملك ـ وتسليم السلطة,,, أجيبيني، كيف؟ ـ لا بد وأنهم عناصر مدسوسة أيها الأخ، هدفها خلق الفتنة بين الجيش والثوار، أنكم سندنا في معركتنا مع العدو الصهيوني، والعدو يعرف ذلك... أننا لا نطمع بسلطة أيها الأخ، أننا نطمع بشيء واحد فقط، أن نحرر أرضنا ووطننا من الاحتلال ـ السلطة، كل السلطة للثورة ـ هذا ما تريدونه... ـ لكنك تراها تعود من المعركة مع العدو، وليس مع أخواننا الجنود. أنعشت الكلمات على شفتيه ـ لهذا أسمح لكم بالمرور مخالفا الأوامر، لكي تعرفوا أننا نفرق بين الفدائي الشريف، والفدائي غير الشريف الذي يطلق النار على جنودنا" ص138-140، أعتقد أن هذا الحوار الموضوعي يكشف جوانب مفصلية عن الصراع الذي تم بين الطرفين، الثورة والسلطة الأردنية، فكل طرف أبدى وجهة نظره بحيادية وحرية مطلقة، وهما وجهتا صائبتان، وهنا يأتي السؤال: إذن، لماذا تم الصراع وأخرجت الثورة من أهم معاقلها، الأردن؟، ومن المستفيد من هذا الخروج؟ الأردن؟ العدو؟ الثورة؟، أما كان يمكن حصر السلاح في أمكان معينة، كما تم الاتفاق عليه في القاهرة، وتجنب حرب ما زال أثرها حاضرا بين الشعب الواحد؟ الصورة السلبية للجيش الأردني هناك العديد من الصور السلبية للجيش الأردني، وهذا يشير إلى أن السارد منحازا للثورة على حساب الجيش والملك، فكثيرا ما استخدم عبارة "جيش وحرس الملك" وكأنه بها ينفي بها وطنية الجيش، وحصر دوره في تنفيذ أوامر الملك حتى لو كانت على حساب الوطن والشعب الأردني، من هذه الصورة: "ـ أجل، هكذا قال الجنود حين سألوني عنكم، وطلبوا ألي أن أدلهم على مكانكم في الجبال، فقلت أنني لا أعرفكم ولم أراكم، فانهالوا عليّ ضربا بالسياط وهم يصرخون: "أنت منهم.. وسنقتلك مثلهم لأنهم يريدون قتل سيدنا الملك"...ثم اخذوا خروفا وذبحوه وقبل أن يتركوني قالوا أنهم سيذبحون كل يوم خروفا، حتى أدلهم عليكم" ص20و21، نلاحظ أكثر من سلبية في هذا المشهد، القسوة في التعامل مع الأهالي ـ الضرب بالسوط ـ أخذ ما ليس لهم، العنف في محاولة أخذ معلومات دون وجود أية سياسة، أي لين، وهذا يشير إلى حجم التعبئة التي عبئوا بها. وبما أن قرية الكرامة كانت معقل الثوار، منها ينطلقون وإليها يعودون، وهذا ما جعلها مزارا دائما لجيش البادية: "مولت رياح تشرين في الفجر، للرجال العائدين من خلف النهر، وما صحا الناس في الكرامة بعد، داهمتهم مجنزرات جيش البادية تطوق القرية، هبوا من نومهم، انطلقت مكبرات الصوت تطلب إلى الثوار تسليم انفسهم، أنذروا الأهالي، خرج الرجال والنساء والأطفال أليهم، تصدوا بصدورهم والحجارة لهم" ص29، إذا ما توقفنا عند هذا المشهد، نستنتج أننا أمام جيش احتلال وليس جيش وطني، فلا يمكن لجيش وطني اقتحام قرية بالمجنزرات، ولا يمكن أن يطالب ثوار بتسليم أنفيسم وهم يعملون على استعادة ما فقده الجيش ـ الضفة الغربية ـ وهي ارض أردنية تم احتلالها من العدو، فما الذي يجري إذن؟ وكيف وصلت الأمور إلى هذا الحد، جيش وطني يقتحم قرية، قرية صغيرة بالمجنزرات!؟ ملاحقة العمل الفدائي وكل من يسانده، كان يعكر العلاقة بين الطرفين، ولم يقتصر الأمر على ملاحقة الفدائيين في المواقع التي ينطلقوا منها للاشتباك مع العدو، بل تعداه إلى ملاحقتهم في المدن، أثناء عودتهم للقاء أهاليهم: "اشتبكت مع القوات الخاصة للملك، كادوا يقتلونها" ص81، كما طلت الملاحقة المراكز والمؤسسات المدينة والاجتماعية والنسوية: "البارحة فقط داهم مركز العمل شلة من حرس الملك، لم يكن معنا سوى إبر الخياط" ص68، وهنا نصل إلى الذروة، فهناك اشتباكات مع حرس الملك، وهناك اقتحامات من البادية، وتدخلات من الأجهزة الأمنية، كل هذا كان يزيد في إشعال النار بين الطرفين. نشأت علاقة ما بين الفدائيين وبين قادة المواقع الأردنية، حيث كانوا يتساهلوا في مرور وعودة المقاتلين، لكن قبل أيلول حدث هذا الأمر: "أنهم معبؤون ضدنا جيدا، هؤلاء، فعلا لا يتورعون، وقد فعلوا ذلك عدة مرات في الأسابيع الأخيرة، لا أدري من أين أتوا بهم فقد غيروا جميع الوحدات هنا، حتى أن بعض الأهالي يقومون بعمليات قنص ضدنا" ص151و152، نلاحظ أن السارد يركز على تناول التفاصيل قبل أحداث أيلول، فهو يرصد بدقة كل التجاوزات التي أقدمت عليها السلطة الأردنية، فكان أيلول الأسود، الأسود على الثورة وعلى الأردن وعلى العرب وعلى أحرار العالم: "الجيش يهاجم مواقع الثوار في الشونة الشمالية بالدبابات والمدفعية الثقيلة، بعد أن حاول منعهم من عبور النهر، وقد امتدت الاشتباكات إلى معظم مواقعنا في الأغوار، وثمة أخبار عن تحركات كبيرة للجيش المرابط على الخطوط الأمامية مع العدو نحو عمان" ص160، هذا فيما يتعلق بالأغوار، مناطق دخول وعودة الفدائيين، أما عمان نفسها، فكان الحال أشد وبالا: "فتحت قوات الملك نيران مدفعيتها الثقيلة والرشاشات من فوق مبنى المخابرات، وقيادة الجيش والعبدلي، كانت الرماية عمياء، تصالبت النيران، خرج المقاتلون والميليشيا إليها، أسكتوها، تحركت مدرعات الملك في جبال عمان، نحو المدينة ومخيمات اللاجئين ، قذفها باللهب، اشتعلت عمان، حزيران اكتوى، والموت بالنار اغتسل" ص162، هذا الأمر جعل المواطنين في أسوء حال: " لا أحد في عمان يعرف متى سيدك بيته، أنهم يفتشون بدون تميز، وكل يوم" ص173، وهكذا تم إخراج الثورة والثوار من الأردن، وفقدت الثورة أهم مواقعها، وفقد الأردن الثورة، الوسيلة التي كان يمكنها استعادة ما فقده في عام 67، كما فقد اللحمة الاجتماعية/ الوطنية التي كانت نموذجا للوحدة العربية، كما فقد العرب نقاء وصفاء وعطاء الثورة، وأخذت التشويهات والانتقادات تطال كل ما تقوم به الثورة والثوار، حتى أن بعضهم جعلها هي والشيطان في خانة واحدة. نقد الثورة ما يحسب للسارد توقفه عند أخطاء وسلبيات الفدائيين وطريقة تعاملهم مع الأهالي: "الحقيقة يا سرحان أنني لم أعد أحتمل كل ما يجري، العمل في بناء الكرامة توقف، والأهالي الذين عادوا، لا يجدون لغة مشتركة مع عناصر الفصائل المختلفة التي تعج بهم الكرامة، ولا يكاد الواحد يكلمهم حتى يتهموه بالرجعية والبرجوازية والمهادنة، ولا ادري ماذا يعد، لم ادخل الجامعة، هذا صحيح، ولكنني أحس أن ثمة حلقة مفرغة بين ما نقوله وما نفعله، لقد أصبحنا نتكلم كثيرا، وأكثر مما نفعل، لا أقول إن الثورة طلقة فقط، ولكنها ليست كلمة فقط، فمتى نوفق بين ما نقوله وبين ما نفعله" ص78، عدم الانسجام بين القول والفعل، أكثر ظاهرة عملت على خراب وفساد الثورة والثوار، فهي من جعلت الشعارات أكبر من العمل، والأفراد أكبر من الثورة، وصبح المزاود يتقدم المفكر، والانتهازي يتحكم في الفدائي، بمعنى أن هناك فوضى ولخبطة أدت إلى تشويه ما كان يفترض أن يكون نقيا/ طاهرا/ معطاء، وأصبح السيء يطهر ويسيطر ويتحكم ويفعل ويقول. هذه حقيقة كان يجب معالجتها منذ البدايات، لكنها للأسف استمرت وكبرت وسيطرت وتحكمت وأسست وكونت أخرين على شاكلتها، فكان الخراب أكبر من العطاء/ أكبر من البناء. التطرف يتوقف السارد عند التطرف، وكيف أن هناك مواقف/ أفكار تؤذي الأخرين وتهدم النسيج الاجتماعي: "ـ هل كرهت البدو كلهم؟ ـ كل ما هو بدوي. ـ ودون تمييز؟ ـ دون تمييز ـ ولو التقيتني؟ ـ ربما لا، لو عرفتك فلسطينيا، ولكنني سأبغض لهجتك. ـ يا جاكي الهول.. حتى اللهجة !!ّ؟ ـ ولو كان ثمة سلاح يقتل الحروف لفعلت" ص152و153، هذا الموقف يتعارض ويتناقض مع الصورة الثورة والثوار، فوجدناهم آنفا بتشكيلتهم المتنوعة والمتعددة، الأفكار/ الانتماءات/ الجنسيات/ الأجناس، لكن ما عاشته "دهرية" وعرفته جعلها تأخذ هذا الموقف المتطرف، فالسارد هنا يشير إلى أن السلوك السلبي/ القاس لا يمكن أن يمحى من الذاكرة، ويبقى عالقا فيها. طريقة تقديم الرواية الرواية قاسية وصعبة على المتلقي لما فيها من مشاهد حرب الأخوة/ حرب الأهل الذين عندما تحالفوا انتصروا، وبعد أن تقتالوا وتشتتوا ضعفوا وأصبحوا أكثر ضعفا وهوانا وانكسارا وتبعية واستسلاما وخرابا اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، من هنا كان لا بد من إيجاد طريق/ وسائل يخفف بها السارد من هذه القسوة، فكانت الصور الأدبية، إحدى الوسائل التي استخدمها كوسيلة تخفيف ومتعة للقارئ: "توجعت في الكرم أغصان الدوالي، تأوهت تقصفت، هوى البرتقال، تشرخ الموز، اكتوى الحنون، شوكة في القلب غزته" ص52، هذا المشهد جاء ملازما لدخول دبابات العدو للكرامة، فالسارد تعمد وصف مشاعر "الحاج إبراهيم" وهو يشاهد تلك الجحافل الحديدية وهي آتيه لقتل الثوار والثورة، فحاول من خلال هذا المشهد تخفيف شيئا من حدة الموقف وقسوته. ونلاحظ أن السارد لا يتحدث عن الشهداء إلا من خلال صورة أدبية، فهو لم يقدم أي شهيد ألا من خلال صورة: "عريسا كان القمر فوق جبال كنعان...كانت الريح في الليل صهيل "سر.. حا.. ن" قدت الثوب جدتي، هرعت، كفت الخيل عن صهوتها... حناء عريس كان دمها السائح على كعبيها، وشعرها، خيمة ممزقة الجوانب، اطل من شقوق الشعر نهداها، ذليلين كانا، وعريها دام، سفحت عليها الدمع، عضت الأنامل" ص156. العنوان السارد يذكر العنوان "حبيبتي ميليشيا" على دفعات، على مراحل، فعندما يحاور "سرحان الحج إبراهيم" يستخدم كلمة مليشيا: "ـ لن تكف عن حكاية الميليشيا هذه، حتى يسوقني الجنود إلى الجفر. ـ باطل، يا حج ميليشيا.. قاطعة ـ هه.. عدنا" ص46، وهناك ذكر للعنوان بعد أن تزور "دهرية" معسكر الأشبال ويجري حوار بينها وبين احدهم: " ـ أرني رشاشك يا حبيبي" ـ فدائية؟ ـ ميليشيا ـ ميليشيا!؟ ـ أجل .. ميليشيا ـ هل تحبها؟ كتم الأشبال ضحكتم، ضحك ـ أنها حبيبتي دجنتها جرأته ـ وأنت حبيبي" ص 60و61، نلاحظ التمهيد والتتابع في تعريف القارئ بالعلاقة بين العنوان وبين المتن، لنصل في الصفة 111 إلى العنوان كاملا" حبيبتي ميليشيا": "دخلت معسكر الأشبال، والشوق للقائد الصغير عقاب عازم، كان هو الآخر غائبا، سألت عنه أحد الأشبال، أشار إلى الجبل، امتطت نظراتها القمم، امتدت يد الفارس القوية إليها.. كانت الصهوة مقلادية. "حبيبتي ميليشيا" ابتسمت كان للقسام فرس بلون الشمس" وهنا يكتمل اللقاء بين العنوان والمتن. الرواية من منشورات المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية1979.
#رائد_الحواري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
بيان الشاعر في -المناشير- عيسى الرومي
-
عقد الخوف في قصة -عقدة العصفور- كميل أبو حنيش
-
طبيعة الصراع في مسرحية -البيت المسكون- سعادة أبو عراق
-
اللغة وأصحابها في كتاب -ماء الكلام- وليد حسين الخطيب
-
حرب غزة في رواية -بنت الأجيال- عامر أنور سلطان
-
عالم الكتابة في -قراءات نقدية في نصوص وروايات فلسطينية، إطلا
...
-
جودة المضمون وتواضع الشكل في -حالم بفلسطين- رندا غازي، ترجمة
...
-
خيانة الثورة والشعب في كتاب -أدب الرفض السوفياتي- سعيد الغان
...
-
المجتمع الذكوري في رواية ختان الزهور علي محمود
-
المرأة والمجتمع في مجموعة -امرأة قادمة من البعيد- هدى الأحمد
-
الشكل والمضمون في مسرحية -رحلة البداية- سعادة أبو عراق
-
التجديد في قصيدة -المرأة العجوز والزيتونة- علي البتيري
-
عناصر الفرح في -قصير فستان صبري- ميادة مهنا سليمان
-
أهمية كتاب -قراءات نقدية في نصوص وروايات فلسطينية، أدب النكب
...
-
واقع المرأة وتمردها في -احكي يا شهرزاد- لزين العمر
-
الثورة والفدائي في رواية -نشيد الحياة- يحيى يخلف
-
المثقف العربي في رواية -لحظات لا غير- فاتحة مرشيد
-
المجتمع الجزائري في رواية -أغالب مجر النهر- سعيد خطيبي
-
نعومة القسوة في رواية -الخروج من سجن صيدنايا- تيسير المشارقة
-
رواية الأسئلة -ظل الطريق- يوسف أبو جيش
المزيد.....
-
متحف الدفاع عن سيفاستوبول يتلقى نحو 200 قطعة أثرية جديدة
-
بعد ترميم دام عامين ونصف.. إعادة افتتاح كنيسة الصعود التاريخ
...
-
-بوكر- 2026: القائمة الطويلة تضم فائزين سابقين وثلاثة روائيي
...
-
قصر كاترين يفتتح أبوابه مجانا لحاملات اسمي -كاترين- و-إليزاب
...
-
الألعاب النارية تلتهم موقع تصوير فيلم في منطقة تفير الروسية
...
-
لجنة الفنون الجميلة الأمريكية تخطط لحفلات مشتركة تضم موسيقيي
...
-
-من أجل فراشة-.. فيلم كرتوني صامت عن -خط الموت الأصفر- ومعان
...
-
سوريا تودع شيخ النحاة وأستاذ الأجيال.. من هو الأديب مازن الم
...
-
أسطورة -الحشاشين- الإيرانية.. قصة قلعة -ألموت- التي ضمتها ال
...
-
-دايبين في صوت الست-.. عرض يحتفي بإرث أم كلثوم في مهرجان جرش
...
المزيد.....
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
المزيد.....
|