أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - المثقف العربي في رواية -لحظات لا غير- فاتحة مرشيد















المزيد.....


المثقف العربي في رواية -لحظات لا غير- فاتحة مرشيد


رائد الحواري

الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 14:58
المحور: الادب والفن
    


المثقف العربي يعيش في مكان وظرف غريبا فيه، وفي مجتمع غريبا عليه، فهناك فجوة بين المثقف وبين واقعه، لهذا نجده يعاني على أكثر من صعيد، نفسيا، فكريا، اجتماعيا، سياسيا، اقتصاديا، رواية "لحظات لا غير" تتحدث عن واقع المثقف العربي، فكل أبطال الرواية هم من المثقفين أو المتعلمين: "أسماء" طبيبة نفسية، "إبراهيم" معلم وسياسي، قضى عشر سنوات في السجن نظير مواقفه الوطنية، "سوزان" زوجة "وحيد كامل" متعلمة ومثقفة، تقبل الانفصال عن زوجها (بطيب خاطر)، "عبد الرحيم الطويل" أستاذ جامعي، "أمينة" ممرضة، "ماري" فنانة ورغم شذوذها إلا أنها تعلم أنها مريضة، لهذا تتعامل مع الآخرين بصدق، "كريم الأشقر" طبيب، "عبد اللطيف" فنان وسياسي معارض تعرض للسجن والتعذيب، أما بطل الرواية "وحيد كامل" فشاعر، يقدم على الانتحار لأنه وجد نفسه غريبا عن المحيط الذي عاش فيه، تحاوره الطبيبة "سناء" فتكتشف الثقافة التي يتمتع بها:
"هل أنت متزوج؟
ـ حسب الضرورة، أكون متزوجا عندما تتطلب ضروريات الحياة الاجتماعية ذلك، وأكون أعزب لضرورة الشعر.
أنت إذن شاعر؟
ـ يمكن القول أني شاعر ناطق
ـ وهل هنا شاعر غير ناطق؟
ـ كل منا يحمل شاعرا بداخله، بعضنا ناطق والبعض الآخر صامت.
ـ أنت هنا لأنك حاولت الانتحار...أليس كذلك؟
ـ الانتحار ظاهرة كونية وكلنا ينتحر بطريقته الخاصة.
لماذا قررت أن تضع حدا لحياتك؟
ـ لنقل أن الحياة قررت أن تضع حدا لي" ص7-9، بهذه الروح يتحدث "وحيد كامل" الذي عاش واقعا بائسا، مما جعله يتأكد بتفاهة الحياة التي يعيشها، وإذا ما توقفنا عند الإجابات التي قدمها للطبيبة "سناء" سنجدها ردود فلسفية أكثر منها ردود عادية، فهو يرى الحياة والموت من منظور المثقف الذي تجاوز المجتمع والواقع:
"لم يسبق أن كتبتم رسالة عشق
أو فكرتم في الانتحار
فكيف تجرؤون على القول إنكم عشتم" ص 9، هذه الكلام ينم على وجود فكر أعمق بكثير مما يظهر على السطح، فهناك شاعر، مثقف، فيلسوف، يرى الحياة والواقع بغير ما نراه نحن، وعلينا التقدم منه لمعرفة البيئة التي كونته وجعله يمتلك هذا العمق في الطرح، كما علينا معرفة الأسباب/ الدوافع الحقيقية التي جعلته يتحدث بهذه الروح وهذا العمق.
قبل الدخول إلى تفصيل الرواية نتوقف عن نظرة "وحيد" للموت، فهو يراه وكأنه حياة أخرى، أو حالة جديدة يجهلها الأحياء، لهذا هو لا يهاب الموت، وينظر إليه كحدث عادي/ طبيعي، وليس ذلك الحدث الرهيب المخيف، من هنا سنجد يتقبل نهايته (بروح رياضية) غير آبه لرحيله السريع، وسيتحدث عنه برؤية الفيلسوف الذي سبر أغوار الحياة وعرفها حق المعرفة.
يقول الكاتب "خليل حمد" في كتابة "اليتم مشاريع العظماء:" إن الطفل الذي يفقد أمه أو أباه يتشكل داخله طاقة هائلة تعطيه القدرة على الإبداع وتجاوز واقعه" وهذا ما حصل مع بطل الرواية "وحيد كامل" الذي فقد أمه يتجه إلى: "شرنقة الكتب والكتابة، وسكبت كل طاقتي وثورتي في الدراسة والتحصيل" ص19، وبما أنه درس الفلسفة، وهذا أعطاه أفكارا جديدة، جعلته يتجاوز المجتمع، كما ساعده التحصيل والتفوق الأكاديمي على السفر إلى فرنسا، وهناك نهل مزيدا من المعرفة والعلوم والأفكار.
من هنا مارس حياة اجتماعية تختلف عن تلك السائدة مراكش، فهو يرى في الصداقة قيمة أكثر من القرابة: "عوضت روابط الدم بروابط الصداقة، إنها أمتن وأعمق... يكفي أننا نختارها بمحض إرادتنا" ص22، فبطل الرواية هنا يتناقض مع فكرة القبيلة/ العائلة/ الأسرة التي تتحكم في سلوك الفرد واتجاهاته الاجتماعية، فهو يبني علاقات بمحض اختياره، وليس حسب ما تميله العائلة، القبيلة، السلطة عليه.
يأخذه هذا الاختيار إلى التقدم أكثر في مواجهة الواقع: "إبراهيم يكبرني بثلاث سنوات نناقشه بجدية.. يصحح معلوماتنا، يفتح عيوننا وأفكارنا على العالم، يمدنا بكتب الفلسفة والاقتصاد والآداب، عرفنا بالماركسية، بالفكر الشيوعي، بنيتشه.. وبالقضية الفلسطينية، كان ينتمي إلى تنظيم يساري سري يدعي "إلى الأمام" استقطبنا واحدا واحدا ونحن فخورون بالدور العظيم الذي بدأنا نلعبه للدفع بعجلة التاريخ إلى الأمام، نلتقي في سرية تامة ونوزع المناشير في المؤسسات التعليمية، نتقدم صفوف الإضرابات الطلابية مثل الأبطال. كان لنا هدف وآمال وأحلام كبرى، أكبر من وعينا السياسي آنذاك... سأبقى ممتنا طوال حياتي لإبراهيم الذي صمد ولم يعط أي اسم من أسماء الرفاق الذين كان يؤطرهم رغم كل التعذيب الذي تعرض له" ص 23 و24، هذه حال المثقف العربي، فهو يدفع الضريبة مرتين، مرة عندما تجاوز فكره ومعرفته الواقع الذي يعيشه، وهذا جعله إما يعيش حالة من الاغتراب، وإما المواجهة وسعي نحو التغيير، وهنا تكون الضريبة قاسية، السجن والتعذيب، أو الهرب والخروج من الوطن والعيش في الغربة والصراع مع الذات التي آمنت بالتغيير وبالأفكار الثورية، وهنا تحصل الصدمة، صدمة المعرفة مع الواقع، صدمة الهوة بين الأفكار والتطبيق.
المرأة
في ظل هذه الأزمة يلجأ المثقف إلى من يخرجه من واقعه، يلجأ إلى المرأة، ذلك الكائن الذي يمنحه الهدوء والسكينة، ويجعله يستعيد شيئا من التوازن/ المصالحة مع الذات: "هزمتني الأنوثة في أول حب عرفته في باريس...أحببتها بكل ما يفرضه الحرمان من حدة" ص27، والمرأة عند "وحيد كامل" ليست مجرد تفريغ جسدي وعاطفي، بل أيضا وسيلة رفع مستوى/ سقف المعرفة، ووسيلة اكتشاف حقائق جديدة: "ارتبكت كثيرا يوم طلبت مني أن أكون "موديلا" لها.. كانت علاقتها بالجسد شفافة، تنظر إليه بعين فنانة كما تنظر للوحة أو مجسم بشيء من الحياد... صالحتي مع جسدي، شجعتني هذه الحميمية التي يخلقها العري على الإفصاح لها بما بقلبي " ص28، وأكثر من هذا أحدثت فيه احترام الآخرين حتى لو كانوا (شواذ): "وإنها لم تصادف أبدا صديقا مخلصا مثلي.. لكنها سحاقية... تحب صديقتها التي تقاسمها نفس الشقة... كانت هذه أول صفعة وجهتها إلي المرأة: ليست ضروريا لحياتنا الجنسية وكان أو درس لقنته لي "مدينة الجن والملائكة" الاختلاف" درس أفادني كثيرا أنا الطالب في شعبة الفلسفة بالسوربون، تعلمت كيف أناقش كل شيء بدءا من المسلمات دون أن أصدر أحكاما مسبقة وأن أتقبل الرأي الآخر ص28و29، وبهذا يكون بطل الرواية قد طرح فكرة (ثورية) فكرة أن (الشاذ) يمكن أن يكون خلفه ما هو جميل ومفيد، وعلينا أن نحكم على ما هو داخلي، وليس ما يظهر لنا، فالظاهر يبدو قبيحا، لكنه يخفي/ يحمل بين ثنايا هذا القبح ما هو جميل.
"وحيد كامل" متحرر من قيود المجتمع، فهو يرى في النساء (مشاع) وكل امرأة تمثل حالة خاصة في حياة الرجل: "هل لك علاقات من نساء أخريات؟
ـ وهل يمكن لامرأة واحدة أن تختزل كل النساء؟...أنا أومن بالوفاء في الصداقة، لا أومن بالوفاء في الحب" ص37، هذه النظرة (المتطرفة) تقودنا إلى نفسية "وحيد الكامل" الذي يحاول جاهدا الاحتفاظ بالثورية الفكرية والاجتماعية، وبين "وحيد كامل" الذي (خان) "إبراهيم" والمجتمع الذي ينتمي له، بعد أن هرب من الوطن، واستبدل النضال السياسي والحزبي بنضال فكري (منحرف): "واستأنفت أنا نضالي على نحو آخر بعيدا عن السياسة بمفهومها الحزبوي، أصبحت أناضل من أجل الحرية وحقوق الإنسان...حرية الرأي، حرية العقيدة، حرية الإبداع، الحق في الاختلاف وغيرها" ص24، من هنا وجدناه يقدم أفكارا تتناقض مع البدايات التي تربى عليها، البدايات التي غرسها "إبراهيم" فيه، إبراهيم الذي جسد بسلوكه وصمود تطبيقا حيا للثورة والفكر الثوري، فوحيد كامل يقوده العقل الباطن إلى (تقليد) ثورية "إبر اهيم" وبما أنه يحاول التقليد، وليس العمل بالثورة والفكر الثوري، فستكون ثورته بائسة، ليس فيها (صفاء ونقاء) الثائر الحقيقي الذي يجمع/ ينسجم بين القول والفعل، وما إقدامه على الانتحار إلا صورة عما يحمله في داخله من عجز/ انكسار أمام صورة وتضحية "إبراهيم"
تتوارد أفكار "وحيد كامل" بطريقة (غير سوية) حتى أننا نجد الانتهازية حاضرة فيها، فرغم ما تحمله من براءة شكلية/ خارجية، إلا أننا نجد الانحراف داخلها: "نحن نغتني بكل حب... وإن كان يحمل معه بعض المعاناة وبعض الألم.. الألم خلاق.. والشاعر لا يستطيع أن يبدع خارج الحب... خرج الألم... الأسوأ، ليس أن نفشل في علاقة حب، بل أن لا نعيشها خوفا من الفشل.. ليس المهم طول المدة التي نقضيها معا، المهم حدة اللحظات الممتعة التي نتقاسمها" ص38، فالانتهازية تكمن في الفردية التي يتحدث بها "وحيد" فهو يتحدث عن ذاته وعن وشهوته وعن رؤيته هو، ولم يعد يبال بتغيير الشعب/ السلطة/ المجتمع، لهذا ثورته وأفكاره تحتاج إلى التوقف عندها، وعدم أخذها على أنها وحيدة وكاملة، كما هو حال اسمه: "وحيد كامل" الذي أخذه (الغرور) المعرفي والفكري إلى حد خلط الأوراق أمام "سناء" محاولا إظهار قدراته الفكرية والتحليلية، وأخذ الأمور إلى أبعد مما تراها: "أنا أعتبر أن لي أبناء رمزيين... الإبداع ولادة يختص بها الجنس البشري، في حين أن الإنجاب ولادة تشمل كل أصناف الحيوانات. كلنا ينشد الخلود، المبدع عبر إبداعاته، وغير المبدع عبر ذريته.. كل منا أن يترك أثر خطواته فوق قشرة العالم" ص42، رغم ما في الفكرة من جمال (وإقناع)، إلا أن داخلها يكمن التشويه، أليس الكاتب بشري/ إنسان، وفيه حاجات ورغبات إنسانية؟، لماذا يتم فصل الإبداع عن الجنس؟ـ والمقصود بالجنس هنا الزواج وتكون أسرة ـ أليس مشاهدة الأطفال والتعامل معهم إبداع وتألق؟، من هنا يمكننا معرفة حقيقة أفكار "وحيد كامل" وما فيه من (انحراف) عن مسار الحياة، فأفكاره تبدو أفكارا وردية، لكن فيها تشويه وابتعاد عن الحقيقة، فيها ابتعاد عن المنطق وهذا ما يجعلها شاذة كشذوذ "ماري" التي وجدت المتعة مع صديقتها وليس في الرجل.
يعترف "وحيد كامل" باضطرابه وعدم قدرته على التحرر من أثم هروبه، ومن سلوكه ومن أفكاره (المنحرفة) من خلال هذا المقطع: "القصيدة بنت كلب، ماكرة، جشعة، عصية، لعوب كمومس تأخذ بثأر كل النساء اللواتي ضاجعتهن ذات اصطدام...حادثة تجعل منك شاعرا، وأخرى تقرر أن الوقت حان لكي تتقاعد" ص44، القصيدة بالنسبة للشاعر الوسيلة التي يظهر بها للآخرين كشاعر، فهو، دون القصيدة يكون عاديا كباقي الناس، كما أن القصيدة تعد أحد عناصر التخفيف/ الفرح التي يلجأ إليها الشاعر وقت الضيق/ الشدة، لكن "وحيد كامل" يتعامل معها بطريقة شاذة، فالألفاظ القاسية "بنت كلب، ماكرة، جشعة، عصية، كمومس، ثأر" تقودنا إلى العقل الباطن وما فيه من آثام/ من خطيئة تجاه ماضيه، مما جعله يستعيد الحقيقة، حقيقة كونه هارب من المواجهة، هارب من الميدان، فهو رجل مهزوم كحال "رجب إسماعيل" في شرق المتوسط، وكحال "زكي الندوي" في حين تركنا الجسر، من هنا رأيناه في الفقرة الأخيرة مستسلما "لكي تتقاعد" فهو بهذا يكشف حقيقة ألم المثقف وما يعانيه عندما يخلي الميدان للطغاة: "إن ندم الحياة نفسها هو الموت، وأعرف جيدا، حتى وإن كان الشعور بالذنب لا يمحو الأخطاء وإنما يشطب عليها فقد لا غير، أني تعبت من التشطيب على الأخطاء" ص49، هذه حقيقة "وحيد كامل" الشطب على الماضي وليس تغييره أو مواجهته، لهذا لجأ إلى تقديم أفكار ظاهرها ثوري، وباطنها انتهازي يعبر عن ماضيه الذي فر منه إلى عالم الراحة والمتعة الفكرية والجسدية: "إحساسه بالذنب جعله يعاقب نفسه، وأي عقاب أكبر وأقسى من الإقلاع عن الكتابة بالنسبة إلى شاعر، الانتحار وسيلة لوضع حد لعذاباته وإحساسه بالفراغ المهول وبعدم جدواه خارج الشعر" ص48، من خلال هذه المقولة تعتقد "سناء" أن "وحيد كامل" شاعر فقط، لكن ماضيه يشير إلى كونه مناضلا، وما حقيقة الصراع الذي هو فيه إلا نتيجة للماضي الذي تركه خلفه، نتيجة هروبه إلى فرنسا تاركا "إبراهيم" وفكره يواجه القمع والسجن والتعذيب والمنع.، من هنا تستحضر صورة "عبد اللطيف" وما آلت إله من بؤس: "أنت من بدد شبابه وراء قضبان الظلام من أجل الحرية.. تستبدل قضبانا بأخرى وحراسا بآخرين، جئت من بعيد لتستعيد صحتك وحيويتك فلم يجدوا أحسن من دار للعجزة لتعويضك عن العمر الضائع.. أيكون في هذا حكمة لمن لا يستوعب؟.. حقا في محاذاة الموت تكبر قيمة الحياة" ص77، إذا نجى السياسي/ المناضل من السجن وعذاباته، فإنه لن ينجو من الموت، وما إصابة "وحيد كامل" بالسرطان بعد زواجه من "سناء" مباشرة إلا تطبيقا لقاعدة: الموت قصاصا لكل الناس، الأخيار والأشرار، لأولئك الذي أعطوا وللذين أخذوا.
سناء ووحيد
أثناء جلسات العلاج تتنامى العلاقة بين الطبيبة "سناء" وبين "وحيد كامل" وكرجل عرف كيف يجذب النساء ويصطادهن، عرف كيف الطريق إلى "سناء" المثقفة والمحبة للشعر والشعراء وللأدب والأدباء: "ـ أحسست أنك منذ الوهلة الأولى أنك طبيبة مختلفة، بروح أقرب من جوهر الإنسان، وهذا ما ساعدني على الخروج من السوداوية التي كنت أتخبط فيها، لذا أردت أن أشكرك بشكل خاص وغير رسمي، أشكر الإنسانة فيك" ص95، "وحيد" وجد في سناء امرأة مختلفة، وبما أنه يعامل النساء على أنهن مختلفات، ولكل منهن ميزة/ رائحة/ لذة/ حاجة خاصة بها، فقد تحدث عن كونه شاعر، وعن عدم مقدرته على الكتابة، بسبب حالة الاغتراب التي يعيشها: "كنت أحسني وعاء فارغا لا قدرة لي حتى على الخزن.. الحزن امتلأ بالسواد وأنا كان يملؤني الفراغ.
ـ فراغك من الكتابة؟
ـ كنت قد استنفذت كل طاقتي من أجل غد هو حاضري.. وكل امتداد إضافي يتطلب تجديد النفس.. وكان قد ضاق بي نفسي" ص96، هذا التجاوز للماضي ولدور الاجتماعي السياسي الذي كان يفترض أن يحدث في مراكش، يمثل قفزة إلى الأمام، أو الهروب إلى الأمام، فالعقل الباطن فيه لا يريده التوقف عند الهزيمة التي أقدم عليها، لهذا هو يتحدث عن الشاعر فيه، وعن عجز الشاعر عن كتابة القصيدة.
وهنا يتقدم "وحيد" خطوة إلى الأمام بتجاه "سناء" التي وقعت في حبه: فكما وجد "وحيد" فيها ما هو مثير ومتميز، وجدت "سناء" فيه ما تحتاجه من حب وعاطفة فقدتها مع زوجها الطبيب السادي، وعندما تحدثه عن زوجته "سوزان" التي أحبها وأحبته وأنجب منها وكيف يمكن الخروج من هذا الأمر يرد عليها: "الحرية إحساس داخلي يا حبيبتي، إن تشبثنا بها في أعماقنا فلن تأسرنا سجون الدنيا.. ثم، منا من هو أسير جسده، ومنا من هو أسير فكره أو وهم، أنا حر معك، وبك، لأنني اخترتك.
وموقفك من مؤسسة الزواج التي ترفضها؟
ـ بإمكاننا أن نحررها من قيود فرضها الإنسان على نفسه خوفا من أن يضيع منه الآخر.. أو لربما خوفا من إغراءات الحرية.. صدقيني حبيبتي، الإنسان هو الذي يعطي المؤسسة محتواها" ص153و154، نلاحظ التلاعب القوانين، حتى تلك القوانين التي وضعها لنفسه يتحرر منها، مستخدما شكلا مبهرا ولغة أخاذة جعلت "سناء" تهيم فيها، (متجاهلة) أن هناك "سوزان" ستكون ضحية هذه العلاقة، فقدرة "وحيد " الفكرية على إقناع الآخرين بأفكاره تعد ميزة له، فهو صاحب منطق عقلاني/ عاطفي، يستطع الجمع بين المتناقضات بلغة أدبية فكرية أخاذة: "كان لي مع سوزان تواطؤ الروح ومع بعض الأصدقاء تواطؤ الفكر ومع عشيقاتي تواطؤ الجسد.. معك فقط أحس بامتلاء الروح والفكر والجسد... وهذه حالة لا نصادفها إلا نادرا، وقد نبحث عنها عمرا بأكمله دون أن نحظى بمصادفتها، يهيأ لي أنني كنت أبحث عنك في كل امرأة عرفتها. أتعلمين؟ أفضع إحساس بالوحدة هو الذي ينتابنا وسرينا يعج بالنساء... أتعبني الترحال، وحان الوقت لكي أحط الرحال... وإن كان لا بد من موت فليكن بين أحضانك" ص154، بهذا الفكر الذي يجمع بين منطق الحرية وبين تعدد الحاجات وميزات وخصائص النساء تم إقناع "سناء" بالزواج من "وحيد" فقد أتقن اللوج إلى عقلها وعاطفتها، فهي طبيبة وكمطلقة وكمثقفة تحتاج إلى هذه المسائل، الحاجة العقلية/ المنطقية، والحاجة العاطفية الروحية، والحاجة الجسدية، والحاجة الذهنية الفكرية التي تجعلها متميزة عن بقية نساء المجتمع، ففكرة الحرية وما تحمله من آفاق جذبتها وجعلتها تختار الزواج على الوظيفة، تاركة منصبا اجتماعيا مرموقا لتكون حرة، بعيدة عن قيود المجتمع وما فيه من أفكار وأعراف.
بعد زواجها من "وحيد" تكتشف أنه مصاب بالسرطان وفي مراحله الأخيرة، تطالبه بالتوقف عن تدخين السجائر، لكنه (كثوري متمرد) يقول ولا يفعل، وهنا يتطور "وحيد" أكثر فيأخذ في تقديم أقول وأفكار جديدة، متعلقة بالحب، حب المرأة والقصيدة: "هنا أضاجع فيك القصائد التي لم تكتب بعد، ولن تكتب، كنت أضحك قائلة: "كفاك، نحن في البدايات يا حبيبي" يؤكد: "ولا أريد غيرها، سأجعل كل لحظاتك بدايات. كان يأتيه الشعر كوحي ينشده في حينه.. يجه به أمام الملأـ أينما وجدنا.. ولا يدون شيئا، وعندما أهم بأخذ قلم لأكتب يمنعني قائلا: "خلق الشعر ليعاش، لا لدفن في الكتب" ص157، نلاحظ انطلاقة جديدة لوحيد، فهو يتحدث بروح الشاعر الفيلسوف، كما أنه يحول الأفكار إلى سلوك، يحول أفكاره عن الكتابة والشعر والحب إلى فعل يمارسه مع "سناء" وهنا يكون "وحيد" قد استعاد ذاته كشاعر وكإنسان، وتصالح مع ذاته التي آمنت ـ في الماضي ـ بفكرة ولم تستطع تطبيقها على أرض الواقع، لكنه الآن يطبقها وينفذها ويطورها فكريا وعمليا، إذن "وحيد" استعاض عن فشله كسياسي في الماضي، بنجاحه كشاعر ومفكر متألق في الحاضر، لهذا واجه الموت بقوة وصلابه: "لن أنتظر الموت في استسلام.. عليه أن يركض خلفي... وعندما يحس بتحسن يجلس إلى المكتب قائلا: "تريث قليلا أيها الموت... إني أكتب"" ص160، هكذا كانت (بداية) "وحيد" الذي أوصى أن يكتب على قبره: "حلمت بأن تكون شاعر المستقبل
بموتك حققت رؤياك
اليوم بإمكان الآتي أن يكلمك" ص165و 171 وهنا يصل "وحيد" إلى الذروة، ذروة الانسجام بين القول والقعل، بين النظرية والتطبيق.
الكتابة
في فاتحة الرواية نجد هذه الفقرة: "تريث قليلا أيها الموت... إني أكتب" والتي تكررت أثناء السرد في صفحة 160، فالساردة تعي أهمية ومكانة الكتابة لهذا ذ1كرتها في أكثر من موضع في الرواية: "أن الكتبة كانت بالنسبة ‘ليك أهم علاج نفسي وستظل كذلك" ص49، هذا القول يؤكد أن الكتابة تعد أحد أهم الوسائل التي يلجأ إليها الإنسان وقت الضيق، فهي تمنحه القدرة على تفريغ ما فيه من ألم، قسوة/ ضغط، ليشعر بعد ممارستها بالراحة والسكون.
وأكثر من هذا تقدم الساردة لتحدثنا بصوت "وحيد" عن كيفية الكتابة الإبداعية وخصائصها: "أسوأ رقابة هي التي نمارسها على أنفسنا، لا تفرضي على نفسك قيودا تنسبينها للآخر.. النصوص المشاكسة هي التي يتبناها الآخر ويسجلها التاريخ... ينتظر منك الأخرون البوح بما يكنون في الخفاء، حلقي فوق العادي، وحده القلم يمنحك أجنحة" ص111، أعتقد أن هذه الوصية تم تنفيذها والعمل بها في الرواية، وما وجود الإثارة العاطفية والجسدية والفكرية إلا تطبيقا للمشاكسة التي تحدث عنها وحيد.
وعن كتابة الرواية تتقدم الساردة على لسان "سناء" لتدلي بدلوها، مبينة كيف أن العمل الروائي يعد عملية (خلق) لأشخاص وأحداث لم ولن يكنوا (أحياء) دون الكتابة: "وسط رتابة اليومي، وحدها الكتابة تمنحك وهم التجديد.. تؤثث فراغاتك بحكايات، وشخوص لولاك لما عرفت الحياة.. وأنت من سرق منها الحياة، تخلق عاما تتحكم فيه على هواك، هروبا من عالم يتحكم فيك على هواه.. غير مبال بكونك تعيش فتات حيوات خارج الحياة" ص135، فالساردة بهذه الفقرة تشير إلى أن الرواية وشخصياتها وأحداثها هي من أوجدتهم وخلقتهم من خلال الكتابة، فالكتابة تمثل أو تتماثل مع عملية الخلق، خلق الكائنات، والأحداث والأقدار.
الرمزية
اللافت في الرواية وجود إشارات رمزية تخدم أحداث الرواية، وتبين طبيعة شخصياتها وما يعانون من بؤس، وما يحتاجون من رغبات: "ظهر فجأة ككل الصدف الجميلة.. ببرقه، برعده، بالمطر...وكان الجفاف يقتلني.. أهو الماء جذبني إليه؟ لا أعلم.. لا أعلم سوى ان الماء يولد الحياة من جديد" ص82، نلاحظ أن الماء هنا يتجاوز الماء العادي، إلى ماء الرجل وماء المرأة، وقد أشارت "سناء" إلى حاجتها الجسدية من خلال "وكان الجفاف يقتلني" وأكدت هذه الحاجة من خلال تكرارها للفظ الماء، فالماء يولد الحياة من جديد، وبهذا استعاضت "سناء" عن الحديث المباشر عن حاجتها الجسدية للجنس، بهذه الإشارات التي تحمل إيحاء جنسيا.
ونجدها تتحدث عن القلم وكأنه رجل يأتيها بما تريده وتحتاجه: "لكن القلم، هذا العنيد، المزاجي... يأتني متى أراد وأينما أراد. يغازلني، أغازله.. يدنو ويبتعد.. ألاحقه.. يلتفت .. وقد يعود، وقد لا يعود.. قد يسقيني من رحيقه، وقد يبخل علي" ص104، في هذا المشهد يجد المتلقي إيحاء جنسيا، فقد تحدثت "سناء" عن رجل بلفظ قلم، فالقلم هنا ليس اكثر من عملية تمويه تحاول من خلالها (كتمان/ التستر على حاجتها الجسدية للرجل.
تتقدم "سناء" أكثر فتتحدث عن شعورها بعد أن أمطرها "وحيد" بغزارة: "كان يعلم أن السعادة تؤلم حين تمطر بغزارة على روح تشققت قشرتها من طول جفاف" ص121، إذا ما عدنا إلى أحداث الرواية وإلى حالة "سناء" كمطلقة، عانت من الحرمان، نتأكد أن هذا المشهد يقودنا إلى اللقاء الجسدي وما فيه من إثارة ومتعة ورعبة.
وإذا ما توقفنا عند المشاهد السابقة سنجدها بمجملها جاءت على لسان "سناء" بمعنى أن المتحدثة امرأة خجولة، لهذا لم تتحدث بوضوح عن حاجتها الجنسية، فآثرت استخدام الرمز، وعدم المباشرة، فالمرأة بطبيعتها اشعر بالخجل، على النقيض من "وحيد" الذي كان صريحا وواضحا في حديثه عن الجنس.
الرواية من منشورات المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الثانية 2010.



#رائد_الحواري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المجتمع الجزائري في رواية -أغالب مجر النهر- سعيد خطيبي
- نعومة القسوة في رواية -الخروج من سجن صيدنايا- تيسير المشارقة
- رواية الأسئلة -ظل الطريق- يوسف أبو جيش
- الماضي والحاضر في رواية -كلما لاح برق- للروائي محمود منور بش ...
- درب الآلام في ديوان -ملكية اللاشيء- زاهر الأسعد
- أدب لفتيان، رواية -الطائر الذي سكن الغيمة- نموذجا، للروائية ...
- الحب والسياسة والتمرد في -نبضات، نثرات شعرية- أمل إسماعيل
- الصراع في رواية -العبوة النازفة- فهيم أبو ركن
- الأدب المحلي والعالمي في مجموعة -عقلي وقلبي- إحسان عبد القدو ...
- الجحيم الفلسطيني في رواية زغرودة الفنجان، حسام شاهين
- الجحيم الفلسطيني في رواية زغرودة الفنجان
- تحية إجلال للعيون البنية عيسى الرومي
- الأدب والأدباء في -أوراق من الذاكرة- لإبراهيم خليل
- الأدب والأدباء والسياسة في -أوراق من الذاكرة- لإبراهيم خليل
- مئة كتاب في كتاب أبو علاء منصور
- الشكل والمضمون في -في انتظار الحلم- ناهدة نزال
- منطقية الطرح في كتاب -تدجين الغرائز وبناء الأخلاق- سعادة أبو ...
- مجموعة -نبض لا يخطئ الطريق-[*] للكاتبين حامد حج محمد وزهرة إ ...
- ذاكرة الطفولة وتجليات البطل الشعبي في رواية -الصمت القديم- ل ...
- رواية -صندوق الرمل- الاستعمار الإيطالي في ليبيا لعائشة إبراه ...


المزيد.....




- مهرجان -فونتانكا ساب- يطلق فئة -أسرار الشرق- للأزياء التنكري ...
- فرع غاليري تريتياكوف في سامارا يفتتح معرض المسابقة الدولية - ...
- الأسبوع المقبل.. استئناف المحادثات الفنية بين واشنطن وطهران ...
- واشنطن تستعد لاستئناف المحادثات الفنية مع طهران وتحركات بشأن ...
- -المسرح يتنفس-... فرقة دمشق المسرحية تعلن انطلاق -بروفة... ي ...
- روبيو: مفاوضات الفرق الفنية حول إيران ستستمر الأسبوع المقبل ...
- بعد سنوات من التحضير.. خلاف ينهي مشروع فيلم السيرة الذاتية ل ...
- المخرجة رشا شربتجي والكاتب سامر رضوان معًا في رمضان 2027
- مدفيديف: عندما لا يفهمونك تحدث بالروسية.. وسنستخدم جميع الآل ...
- Iran Pushes Back Against Trump-s Claims About Frozen Assets ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - المثقف العربي في رواية -لحظات لا غير- فاتحة مرشيد