أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - ذاكرة الطفولة وتجليات البطل الشعبي في رواية -الصمت القديم- للروائي محمود منور بشتاوي














المزيد.....

ذاكرة الطفولة وتجليات البطل الشعبي في رواية -الصمت القديم- للروائي محمود منور بشتاوي


رائد الحواري

الحوار المتمدن-العدد: 8680 - 2026 / 4 / 17 - 14:19
المحور: الادب والفن
    


ذاكرة الطفولة وتجليات البطل الشعبي في رواية "الصمت القديم"
للروائي محمود منور بشتاوي


تختزن ذاكرة الطفولة أفكاراً، وحكاياتٍ، وطرائق سردٍ، وأحداثاً تبقى عالقةً برغم تقدم العمر، وعصيةً على النسيان برغم تدفق المستجدات في حياة الإنسان. وأزعم أن ذلك يعود إلى "المتعة البكر" التي يحصل عليها المرء في تلك المرحلة؛ فما إن يتجاوزها حتى تصبح الحياة مثقلةً بالشقاء والغم والبؤس والقهر.
اللافت في هذه الرواية هو ذاك التماس مع حكايات الطفولة التي استقيناها من صدور الأمهات والجدات؛ حيث يبرز "صادق البهلول" بوصفه بطلاً يبدو في ظاهره ضعيفاً (على غرار شخصية "نص نصيص" التراثية)، لكنه في جوهره يمتلك قدرات وكرامات استثنائية، وينطوي على مرجعية أخلاقية تجعله يسلك الطريق القويم، مهما كان طويلاً وشاقاً. وهنا يقربنا السارد من نموذج "البطل الشعبي"؛ ذاك البطل البسيط/ الضعيف، بعيداً عن هالة القياصرة والأباطرة، فهو شخصية "منا وفينا"، وهذا التماهي هو ما يدفعنا لمحبة شخصية "صادق البهلول"، ومحبة "بهية" التي شاركته السلوك القويم والحب العفيف، وكذا "الشيخ علي" الذي استبصر بقلبه الخير في الجمع بين "بهية" (أرملة ابنه الراحل عادل) و"صادق". إن الشخصيات الرئيسية الثلاث تتقاطع في ميزة "البصيرة"، مما يجعل خطابها يقودنا إلى ما هو أبعد وأعمق من الراهن المعيش.
صادق البهلول.. بين النبل والغموض
يقدم لنا السارد بطلاً شعبياً، يبدو في ظاهره واهناً، لكنه يحمل في أعماقه قوةً وسراً ونبلاً، ما يذكرنا بشخصية "نص نصيص" الذي أنقذ إخوته من الغولة رغم ضآلة حجمه:
"في قلب هنا وهنا، وعلى تخوم الزمن المتشقق، يلوح وجه صادق البهلول كظل قديم نبت بين الحجارة، لم يكن رجلاً عادياً، ولا شيخاً حكيماً، كان أقرب إلى لغز يمشي، يحمل عصاه كأنها امتداد لروحه، أو كأنها مفتاح لبوابة لا يعرفها سواه..." (ص8).
بهذه الصورة "القدسية" قُدّم صادق البهلول؛ حيث تحيط به الرهبة والغموض، ما يشد القارئ لمتابعة حكايته كشخصية جاذبة تنتمي لعالم الطفولة المدهش. لقد نجح السارد في إثارة المتلقي عبر عرض شخصية تجمع بين عتمة الماضي وبصيرة المستقبل.
التحول الإنساني: أسطورة أنكيدو تتكرر
إن التغييرات التي طرأت على "صادق البهلول" بعد حادثة الصخرة، تتمثل في استعادة وعيه برجولته واحتياجه للمرأة؛ فبعد رؤيته لـ "هنية" تفجرت فيه العاطفة، تماماً كحال "أنكيدو" الذي تخلص من وحشيته بعد لقائه بالمرأة، فحوّلته من وحش بري إلى كائن اجتماعي:
"لو طلبت منك أن تتركني... هل تتركني؟ أجابها دون تفكير: أترك روحي، ولا أتركك" (ص24).
هنا يتحول "صادق" من كائن معزول غامض إلى إنسان ينشد الحياة ويمارس دوراً اجتماعياً. ولم تقتصر التحولات عليه، بل طالت الأرملة "هنية" التي استعادت أنوثتها المسلوبة:
"قالت لنفسها وهي تمسح على خصلات شعرها المتسللة من تحت طرحتها: لم أعد أرملة فقط... صرت أنثى من جديد، حين ناداني بصوت لا يسمعه غيري" (ص26).
في هذا المشهد، يتجاور الفعل الحركي (مسح الشعر) مع التصريح النفسي (صرت أنثى) ليعلن السارد ميلاد امرأة عاشقة، لا أرملة حزينة تقتات على الندب.
فلسفة الحذف والمكان
تميل الحكاية الشعبية عادةً نحو النهايات السعيدة، وهو ما انتهجه السارد في "الصمت القديم" عبر عقد قران صادق وبهية. واللافت هنا هو "فلسفة الحذف"؛ حيث بدأ السارد باستخدام اسم "صادق" مجرداً، متخلياً عن لقب "البهلول"، وكأنه يعلن نضجه واكتماله الإنساني، تماماً كما تحول "رجل البرية" إلى "أنكيدو".
أما المكان (قرية هلالة)، فقيمته تنبع من علاقة الإنسان به؛ إذ يضفي السارد عليه مسحة من القدسية عبر "الصخرة" و"العصا":
"ثم انشق الحجر؛ لا كانفجار، ولا كزلزال، بل كولادة، شق بطيء، حذر، يشبه الفتح الخجول لباب في عالم آخر" (ص13).
هذه الرهبة المكانية تتماثل مع جلال الأمكنة في الحكايات الشعبية، حيث يحتاج المكان الغامض إلى بطل "مكاشف" يمتلك الكرامة لسبر أغواره، وقد كان صادق هو ذلك البطل. لقد أحدثت حادثة الصخرة "تجانساً" بين قدسية المكان ونبل الشخصيات (صادق، بهية، الشيخ علي)، فكلهم استجابوا لنداء التغيير الإيجابي بعد ذلك الحدث المفصلي.
بهية: بين وجع الأمومة وسطوة الأنثى
يرصد السارد ببراعة صراع "هنية" الداخلي؛ فهي أم تخشى على مكانة ابنهما: "هذا الرجل لا يسرق مكان أبيك، بل يسند مكاناً كاد أن ينهار" (ص112)، لكنها في المقابل امرأة ترفض الوجاهة الاجتماعية (الأستاذ حامد) لتختار "الرجل اللغز" الذي فجّر عاطفتها:
"أنا أم قبل كل شيء... لكني امرأة أيضاً، وقد صمتُ طويلاً حتى بدأ جسدي يحكي ما لم أقله" (ص120).
هذا الصراع هو ما منح الرواية بُعدها الواقعي، وحرّرها من نمطية الحكاية الشعبية لتصبح عملاً روائياً حديثاً بامتياز، يتحدث لغة القلب و(التجاذب الصامت).
حكمة الشيخ علي
يبرز "الشيخ علي" كصمام أمان وحامل لراية البصيرة؛ فهو برغم فقده لولده، لم ينغلق على حزنه، بل أدرك بحدسه تلك الرابطة بين هنية وصادق. فكان استدعاؤه لحفيده "علي" لينام في غرفته حركة ذكية تهدف لإخلاء مساحة نفسية لـ "بهية" كي تلتفت لأنوثتها:
"هذا الشيخ... هل كان يقول لي: قد آن الأوان أن تفرغي هذه الغرفة من الطفل، لترى المرأة فيك؟" (ص129).
ختاماً، نحن أمام ثلاثي (صادق، بهية، الشيخ علي) يتشابه في امتلاك الحكمة، والحياء، والقدرة على الانبعاث من جديد في وجه الموت والشقاء.



#رائد_الحواري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رواية -صندوق الرمل- الاستعمار الإيطالي في ليبيا لعائشة إبراه ...
- عناصر الفرح في ديوان -أكون لك سنونوة- للشاعرة ريتا عودة
- أهمية النقد والنقض في كتاب نقض اليقين سعادة أبو عراق
-  جمالية الشكل والمضمون في رواية -كويت بغداد عمان- أسيد الحوت ...
- الجغرافيا والاجتماع في قصيدة -أمنية- وجيه مسعود
- الشكل والمضمون في قصيدة -الذباب ال- مأمون حسن
- ثنائية الاكتشاف في قصيدة -أوريكا- سامي عوض الله البيتجالي
- كتاب -مغامراتي في جبال فلسطيني-  بقلم صحفي أجنبي معروف
- أهمية كتاب -في عالمية الفكر الخلدوني- مهدي عامل
- التجديد في -شجار في السابعة صباحا- وليد الشيخ
- كتاب -خطوات صغيرة في بلاد كبيرة- مهند طلال الأخرس
- كتاب -بقايا زنزانة- بين الالتزام والنقد الذاتي- للأسير قتيبة ...
- فاكهة -الليالي- محمد حافظ
- الرمزية في رواية -رحلة المينا الهندي- عامر أنور سلطان
- الجديد والتجّديد في -شيءٌ يذكّرني بي- لعبد السلام العطاري
- العطاء في كتاب -أم سليمان، تجربة ملهمة- أبو علاء منصور
- دورة الحياة في رواية -جنين في جنين- نسيم قبها
- التراث والرمز والتمرد في رواية -سعد سعود- محمد حسين السماعنة
- الجديد والقديم في رواية -فتنة الزوان- إبراهيم الكوني
- كتاب -تحت ظل القلم- مهند طلال الأخرس


المزيد.....




- الاحتلال يفرض سيادة بصرية.. 300 علم ورمز ديني تعيد تشكيل هوي ...
- أموت فارسا ولا أعيش -بندقية-.. كيف أنهى البارود دولة الممالي ...
- تحت ظل الشيخوخة
- قراءة مبسطة لديوان(النُوتِيلَا الْحمرَاء)للكاتب أسامة فرج:بق ...
- هل توقف قلبه؟ ومتى؟.. توضيح حول الحالة الصحية للفنان هاني شا ...
- الضيق في الرؤيا السؤال!
- الأرجنتين: بوينس آيرس تمزج الإيمان بموسيقى التكنو تكريما للب ...
- العائلة الملكية البريطانية تختار مؤرخة لكتابة سيرة الملكة ال ...
- ضمن فعاليات مهرجان زهرة المدائن التاسع عشر... ملتقى المثقفين ...
- قراءة في رواية(غريب ولكن..)للكاتب: أسامة فرج .بقلم: عادل الت ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - ذاكرة الطفولة وتجليات البطل الشعبي في رواية -الصمت القديم- للروائي محمود منور بشتاوي