أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - رائد الحواري - أهمية النقد والنقض في كتاب نقض اليقين سعادة أبو عراق















المزيد.....



أهمية النقد والنقض في كتاب نقض اليقين سعادة أبو عراق


رائد الحواري

الحوار المتمدن-العدد: 8670 - 2026 / 4 / 7 - 00:33
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


التعقل العربي أنشأ على ما هو كامل/ مطلق، بحيث يرى في كل ما هو مغاير/ مخالف له كفرا/ زنديقا/ جهلا/ خبلا، فنرى هذه الفكرة راسخة حتى في الأحزاب التقدمية التي ترى الحقيقة فيما تتبناه، في رؤيتها، حتى أصبح كل حزب/ تنظيم/ جماعة مالكة للحقيقة وحدها، وما دونها هم على خطأ أو كفرة/ خون/ منحرفين ويجب إيقافهم ومنعهم وحبسهم، وحتى محوهم وإزالتهم، لأنهم شر محق في الأمة/ الشعب!
من هنا رأينا كيف تعاملت الأحزاب التقدمية التي وصلت للحكم مع الآخرين، مما جعل الأنظمة (الرجعية) تتفاخر (برحمتها) في معاملتها مع المعارضين، وهذا ما أسهم في إبقاء الرؤية أُحادية القطب تهيمن وتسيطر، دون أخذ الرؤى الأخرى في الحسبان، فوقعنا في متاهة الأفكار/ الأحزاب/ الأنظمة المطلقة الكاملة، وعقلية الفئة الناجية التي لا يأتيها الباطل من خلفها ولا من أمامها، وما نحن فيه الآن من بؤس يعود لهذا الأمر.
قبل الدخول إلى الكتاب أشير إلى بعض الكتب والكتاب الذين كتبوا في مسألة نقض ما هو سائد: "عبد الرحمن الكواكبي: طبائع الاستبداد، مهدي عامل: مدخل إلى نقض الفكر الطائفي، هشام شرابي: مقدمة لدراسة المجتمع العربي" وأدبيا كتب "فراس حج محمد: الانقاص البلاغي" مشيرا إلى أهمية النقص وعدم وضع الأفكار/ الصور الأدبية كاملة في الأدب، ويأتي كتاب "نقض اليقين لسعادة أبو عراق" ضمن الكتب الفكرية الدينية التي تبين عقم التفكير العربي الإسلامي السائد.
الأصل والفرع
يبين الباحث في كتابه الفرق بين الأصل/ الدين وبين أفكار الآخرين التي وصلت إلينا: "من هنا ابتدأ الفكر الديني، حيث انتهى التنزيل بموت الأنبياء، فالأتباع أو الحواريون أو الصحابة أخذوا الفكرة الدينية، وهي كما سمعوها من الأنبياء، وحينما نقلوها إلى الآخرين، نقلوا فهمهم للدين الذي سمعوه، إذن هم نقلوا فهمهم الذي عبروا عنه بفكرهم، أي أنهم قالوا فكرا دينيا، وهو فهمهم للدين، وليس هو الدين، ولو كان ما قالوه دينا، لكانوا ورثة للنبي، وكان قولهم مكملا للدين" ص11، هذه الرؤية مهمة وضرورية لتبيان أهمية الفصل بين الأصل، بين الدين وبين الفروع، الفصل بين الدين وبين من كتبوا عن الدين، فلا يمكن أن نعتبر أقولهم مقدسة، لأنهم فروع، والتقديس يجب أن يكون للأصل وليس للفرع: "أما ما تلا ذلك من فكر ديني فإنه لا يأخذ صفة التقديس من أقول السحابة والأئمة والفقهاء" ص12، من هنا تكمن أهمية كتاب "نقض اليقين" وما جاء فيه، فهو يفتح المجال أمامنا نحن المتلقين لنفكر، نتوقف، نستنتج فيما بين أيدينا من (كتب مقدسة) وأشخاص، ونضعهم أمام المجهر، أمام العقل والمنطق لنرى صواب أو خطأ ما قالوه وما وأصلوه إلينا عن الدين.
طريقة مخاطبة عقل القارئ/ المتلقي
وبما أن العقل العربي مرتبط بالنصوص المقدسة/ بالتراث/ بالماضي، فقد استخدم الباحث لغة وشواهد تتناسب وطبيعية العقل العربي، فهو يقدم ما هو مختلف/ ما يناقض السائد والمتداول، يبين أهمية الاختلاف من خلال: "حينما انتهي التنزيل القرآني...بدأ الفكر الديني، فالصحابة شرعوا باستعمال عقولهم حسب فهمهم للنصوص، فاختلفوا واتفقوا وفق فهمهم لحروب الردة وانتخاب خليفة وكتابة القرآن الكريم...ولم يكن اختلافهم إلا نابعا عن فهم كل واحد للآيات القرآنية، لذلك ما قاله الصحابة وما فعلوه لا يجب أن يكون موضع تقديس غير قابل للمناقشة، ولا مكملا للقرآن كي لا يضاف إلى الدين، بحيث يحسب على الدين سوء فهم بعضهم أو خطأه" ص12و13، اللافت في هذه الاستنتاج تقديم القارئ من التفكير العقلي الذي حث عليه القرآن الكريم في أكثر من موضع وأكثر من طريقة، الخطاب المباشر: "لعلهم يتفكرون" ومن خلال أسئلة تدعو إلى البحث التفكير: "أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت" ومن خلال الخطاب غير المباشر المتمثل بفكرة ومضمون قصص القرآن الكريم التي حذرت من التبعية والانسياق وراء تقليد الآباء والأجداد، فالباحث هنا أصاب في فتح أبواب المعرفة أمام القارئ، كما أصاب في الطريقة التي استخدمها للدخول إلى ثقافة ولغة القارئ المنساق وراء التراث وما هو قديم.

التجديد
يقدمنا الباحث أكثر من حقائق متعلقة بالفقه الديني من خلال تناوله لطبيعة الزمان والمكان، فما يصلح لأهل بغداد لا يصلح لأهل القاهرة، لأن لكل مجتمع/ بيئة اجتماع خاص بها: "إن فتاوي الإمام الشافعي في بغداد اختلفت عنها في مصر، ذلك أن الظروف والمشكلات في مصر تختلف عنها في بغداد، وهذا يدلنا لا فكر يكون صائبا في كل زمان ومكان، لأن الفكر أصلا نابع من البيئة ويصب فيها، فإذا ما اختلفت البيئة ستختلف القضايا والمشكلات، وبالتالي ستختلف الأفكار في أسلوب المعالجة" ص14، أهمية هذا الطرح تكمن في أنه يمثل ردا واضحا وصريحا على من يرفع: "الإسلام هو الحل، لا تصلح الأمة إلا بما صالح سلفها" فأخذ أفكار قديمة مر الدهر عليها وشرب، لا يمكن أن تكون صالحة في عصرنا الحاضر.
ولكي لا يقال عنا زنادقة وكفار نأخذ مثلا الرؤية القديمة للزواج من الفتيات القاصرات، وفكرة وجود العبيد، فالآن كل من يدعوا إلى الجواري والسبايا والعبيد هو مجرم ومتخلف عن العصر، ولا يمكن قبوله في المجتمع.
وعن سبب تخلفنا وما نحن فيه من بؤس وتقهقر يقول الباحث: "أننا لم نفرق بين الدين الثابت، والفكر الديني الذي يجب أن لا يكون ثابتا، بل متحركا وناميا ومتغيرا، لذلك أصبحنا بالدين نحارب الدين، وبالدين نحارب الحضارة، وبالدين نحارب بعضنا" ص15، أجزم أن هذه الحقيقة هي إحدى أسباب ما نحن فيه من قهر/ جهل/ تخلف/ ذل/ تبعية/ ضياع، وإلا ما تقدمت علينا فيتنام، تلك الدولة التي لا تملك لا ثروات مادية ولا روحانية والتي استقلت بعدنا بعشرات السنوات.
تخلف الأنا الكاملة والوحيدة
ومن مظاهر تخلفنا وجود جماعة/ جماعات تدعي أنها حامية الحمى وهي وحدها صاحبة الحقيقة دون سواها: "إن الحاملين لواء الدفاع عن الإسلام يحملون نزرا يسيرا من حضارتنا، ومن الواضح أنهم لا يدافعون عن الدين إنما يدافعون عن معلومات بسيطة يمتلكونها، يخشون ضياعها، ويضنون أن الحرص عليها هو الحرص على الدين ذاته" ص17، نلاحظ أن الباحث ينتهج نهجا عقليا/ منطقيا في تبيان مواضع الخلل في الجماعات/ الجهات التي يفترض أن تكون طليعة الأمة نحو التغيير الإيجابي، لكنها تستخدم تفكيرا بائسا وعقلية متخلفة، مما يجعل سلوكها مضرا بالأمة/ بالشعب، يؤخر ولا يقدم.
وكما يتوقف عن فكرة (العمومية/ الشاملة/ الكاملة) التي تحجم العقل وتجعله أسيرا/ عاجزا/ خاضعا لما هو مطروح: "إن قولنا (اجمع علماء الأمة...) قول غوغائي لأن ذلك يدل على صحة الرأي الذي يستشهد به وصوابه ولذلك (يقول فلان...) ففلان ليس معصوما عن الخطأ، أو (ورد في صحيح البخاري..) فصحيح البخاري ليس قرآنا مقدسا، فالبخاري إنسان وهو ابن عصره، ككل الأئمة والمجتهدين، وكتابه لا يمكن أن يكون مبرأً" ص18، اللافت ففي هذا الطرح أنه يمس المقدس، فصحيح البخاري ومسلم يعدان من المقدسات التي لا يجوز المس بهما، لكن الباحث يتجرأ ويقول أنهما كتب بشرية، فيها الصحيح وفيها الخطأ، وهذه أول الخطوات نحو التغيير العقلي الإيجابي، التشكيك فيما قدم على أنه مقدس وكامل وشامل.
ويختم الباحث استنتاجاته العقلية بقوله: "إن الدين يجب أن يكون ثابتا، أما الفكر الديني فيجب أن يكون ناميا" ص19، وتأكيدا على هذه الرؤية المتقدمة، نأخذ طريقة تعامل عمر بن الخطاب بعد الفتوحات الإسلامية مع المؤلفة قلوبهم، فقد قام بإلغاء العطاء لهم، لأن الإسلام أصبح قويا ولم يعد بحاجة إلى هؤلاء (الضعفاء دينيا).
أهمية القراءة
نحن أمة لا تقرأ وتعتمد على ما تسمع، وهذا ما جعل العديد من الناس يعتقدون أنهم عباقرة عصرهم، لأنهم سمعوا لهذا أو لذاك، يدعونا الباحث إلى القراءة والتقدم منها، من خلال ما جاء في القرآن الكريم ـ ذلك الكتاب لا ريب فيه، ذلك الكتاب الذي نعتبره دستورا لنا: "فالأمر الإلهي (أقرأ) ما كان للرسول فقط، فما نعرفه وأكده المؤرخين أن الرسول لم يكن يقرأ أو يكتب فلماذا ابتدأه الله بقول أقرأ، والمفسرون الذي مروا على هذه الآية مرورا سريعا فسروها على أنها أمر للرسول، بأن يقرأ القرآن، وهذا تفسير بعيد عن الصواب وجهل باللغة، أن هناك فرق بين معنى الفعل أتل وبين فعل أقرأ، فالقراءة تكون من كتاب، والتلاوة تكون من الذاكرة" ص28، أجزم أن هذه القراءة الجديدة لآية "أقرا" تقدمنا من أنفسنا، وتخلصنا من ثقل الماضي الذي يعيقنا ويربطنا في أماكن وزمن لا يتناسب وطبيعة العصر الذي نحن فيه، ويجعلنا أحرارا لعقولنا ولتفكيرنا، وليس لما نُقل لنا عن فلان وعلان.
نقض البخاري
يعد "صحيح البخاري ومسلم" من الكتب المقدسة التي لا يجوز المس بها، فهي تأتي بعد القرآن الكريم لأخذ الأحكام والتشريع، لكن الباحث يبين عقم اعتبار البخاري وصحيحه مقدسا، فهو يفند ما جاء في صحيح البخاري من خلال توقفه عند مجموعة مسائل، منها: "لقد كان هذا الفضاء المفتوح مجالا لأصحاب الأغراض المريبة، فقد دخلت الإسرائيليات إلى الفقه الإسلامي من خلال أحاديث نسبت للرسول الله (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) فقد ذهب (وهب بن منبه) وكان أبوه حاخاما ولديه معرفة بالتوراة والتلمود، يورد قصص الأنبياء على أنها من حديث رسول الله" ص38، وهذا ما جعل القارئ العادي يتيه بين القرآن وبين تفسير القرآن، فأصبح التفسير مقدسا، علما بأن التفسير هو رأي بشري وليس كلام الله المنزل والمحفوظ، فما بالنا عندما يكون هذا التفسير صادر عن عدو يعمل على تخريب وتشويه حقيقة كلام الله، حقيقة المحافظة على صواب وسلامة القرآن الكريم من التحريف والتشويه والزيادة أو النقصان!!؟؟
كما يطرح هذا السؤال: "هل صحيح البخاري من المصادر أم من المراجع؟ فالمصدر هو أول من وضع كتابا في الحديث النبوي أو أي كتاب في أي موضوع ككتاب العين للفراهيدي، أما كتاب لسان العرب لابن منظور فهو مرجع، فالمصدر لا نملك أن نسأـل مؤلفة عن مصدر معلوماته لأنه هو المصدر، أما المرجع فإننا نسأله عن المصدر لأننا يجب أن شك بصدق كلامه وأفكاره المطروحة ومصادره، ولأن البخاري ومسلم وغيريهم ممن كتبوا بالحديث فهم جميعا مراجع ولا مصدر في علم الحديث إطلاقا، إذ لا يوجد أحد منهم قد سمع الحديث من رسول الله، بل سمعه من أناس سمعوه من أناس سمعوه، من هنا يصبح من الواجب علينا أن نسأله عن صحة ما نقله من أحاديث" ص40، نلاحظ استخدام الباحث لغة العقل والمنطق، وليس إصدار الأحكام الجائرة والمطلقة، فهو يخاطب عقل القارئ، ليصل إلى حقيقة عدم قدسية صحيح البخاري ومسلم، فالبخاري بشري كباقي البشر، ولا يمكن أن يأتي الله بكتاب، بعد القرآن الكريم، أو بشخص بعد الرسول ليكون مقدسا.
بعدها يدخلنا إلى ما جاء من أحاديث نسبت للرسول مستندا على هذا الحقيقة: "نعتبر الأحاديث غير صحيحة إذا مانت كما يلي:
أ ـ إذا كان الحديث يعطي ثوابا مبالغا به لعمل بسيط أو عقابا عظيما على ذنب بسيط.
ت ـ إذا كان الحديث طويلا جدا كحديث المعراج.
ث ـ إذا كان من الإسرائيليات وخاصة قصص الأنبياء" ص43، الباحث هنا يضع أسس عقلية ومنطقية لحكم على صحية الحديث من عدمه، وهو بهذا لا ينفي كل الأحاديث، بل تلك التي تخالف العقل وتتعارض مع المنطق، وهذا ما يجعل كتابه "نقض اليقين" كتاب محايد/ موضوعي، بعيد عن الأحكام المطلقة والشاملة.
أما فيما يخص متن الأحاديث، فيحلل/ يفكك الحديث الذي يتحدث عن صوم يوم عاشوراء الذي أخذه الرسول عن اليهود، فيفند صحة هذه الحديث من خلال هذه الحقيقة: "لا يوجد صوم عند اليهود بمناسبة نجاة موسى من فرعون" ص49، مما يجعل الحديث مدسوس، وأريد به إظهار أن رسول الله (جاهل) بالأحداث المتعلقة بسيدنا موسى عليه السلام، كما يظهر (نقص) المعلومات في القرآن الكريم الذي لم يتوقف عند هذا اليوم العظيم!!!
ومن مظاهر الخلل في الأحاديث التي نسبت للرسول هذا الحديث: "في سنن ابن ماجة الجزء الثاني (حديث أبو سلمة عن عن عن عائشة قالت: (لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير، ولقد كان في صحيفة تحت سريري، فلما مات رسول الله وتشاغلنا بموته دخل داجن فأكلها) هل يعقل أن آية رضاعة الكبير وآية الرجم من القرآن لوحدهما دون القرآن في صحيفة تحت سريرها؟ وهل كان القرآن مكتوبا أم كان محفوظا في الذاكرة؟ وهل يكرم القرآن بوضع السيدة عائشة للصحيفة تحت السرير، والصحابة وكتاب الوحي هل نسوا هاتين الآيتين؟" ص154، إذا ما توقفنا عند أسئلة الباحث بالتأكيد سنشكك في الحديث، فهو خارج المنطق، وبعين عن السياق العقلي/ المنطقي، كما أنه يشكك في حفظ القرآن الكريم.
كما يتوقف الباحث عند حديث عذاب القبر، وكيف أن عائشة نقتله للرسول من خلال عجوز يهودية، ويبن الخلل في الرواية التي تظهر أن الرسول لا يعلم/ لا يدري عن هذا العذاب إلا بعد أن سمع ما قالته العجوز اليهودية، وهنا يقودنا الباحث إلى كتاب الموتى الذي كتبه الكهنة المصريين وتحدثوا فيه عن الحياة الأخرى، وكيف كانوا يضعون أدوات تساعد الميت في (الحياة) الأخرى.
كما بتوقف عند (الشجاع الأقرع) الذي نقله الكهنة اليهود عن المصريين، ثم أصبح وسيلة لتعذيب الميت في الإسلام، مبينا الخلل في الرواية، والمصدر الرئيس الذي يؤكد أنه منقول من تراث ديني مصري، ولا علاقة للدين الإسلامي به.
نقض حادثة المعراج
عروج سيدنا محمد إلى السماء السابعة ومشاهدته لجحيم وكيف يعذب الكفار، ومشاهدته الجنة وما فيها من نعيم، ثم فرض الصلاة عليه وعلى أمته (خمسون صلاة) تقليصها إلى خمس صلوات بعد تدخل سيدنا موسى عليه السلام، بحاجة إلى وقفة عقلية، يتوقف الباحث عند بعض القضايا منها: "اـ ورد في كل النصوص كلمة بيت المقدس، وهو خطأ فاضح لأن المسجد الأقصى كان في مدينة إيلياء، وهو ما ورد في العهدة العمرية بهذا الاسم وليس ببيت المقدس (هذا ما أعطى عمر بن الخطاب إلى أهل إيلياء من الأمان) أما اسم بيت المقدس فقد سمى في العهود اللاحقة بما يدل أن هذه الأحاديث وضعت في هذه الأزمنة.
ب ـ في رواية ابن عباس (أن الرسول دخل الجنة فسمع وخشا فقال يا جبريل ما هذا قال هذا بلال المؤذن فقال النبي حينما جاء إلى الناس قد أفلح بلال) في هذا الكلام عدم مراعاة للزمن، فالأذان تم استحداثه مع بناء المسجد في المدينة المنورة، وبلال كان مؤذنا في المدينة، وليس في مكة، أي بعد حادثة الإسراء فكيف وصفه جبريل بلالا بالمؤذن؟" ص189، هذه رؤية عامة لبعض الأحداث، أما فيما يخص الصلاة التي قلصت من خمسين إلى خمس، بعد تدخل موسى عليه السلام مُوقفا وسائلا النبي عما جرى بينه وبين الله: "أظهرت هذه الرواية رب العزة على أنه لا يعلم قدرات البشر الممكنة، فأمر بهذه الكمية من الصلوات التي تجعل المسلم دائم الصلاة تاركا لشؤنه الحياتية.
أظهرت سيدنا محمد (ص) شخصية تائهة، غير قادر على فهم هذا الأمر، وتقيمها، ولا يعرف عواقب تطبيق هذا القرار الذي سيكلف أمته به.
أظهرت شخصية سيدنا موسى كشخصية قوية ذات رأي واضح وتجربة عميقة، وجرأة فعلية، وأن أفكاره التي أبداها أقنعت الرب، وأنه بالتالي له الفضل على المسلمين بأن ملاحظته جعلت صلواتهم خمسا بدل خمسين" ص192و193، علينا كقراء التوقف عند هذا التحليل، لنصل إلى حقيقة (قدسية) ما جاء في صحيح البخاري ومسلم وبقية الرواة الذي تحدثوا بقصص أقرب إلى ألف ليلية وليلة منها إلى أحداث دينية.

نقد التاريخ/ معركة مؤتة
يتوقف الباحث عن معركة مؤتة مبينا حجم الخيال الذي جاء فيها: "لم يذهب أحد إلى قرية مؤتة من مدينة الكرك، ويرى المنطقة والمساحة المفترضة للمعركة، فهل المكان يتسع لمئتي ألف مقاتل وثلاثة آلاف من المسلمين بخيولهم وجمالهم وغذائهم وخيامهم وأسلحتهم" ص56، ما يحسب لهذا التوقف أنه يكشف حجم المغلاة التي جاءت عن معركة مؤتة، فالمكان لا يتسع للروم/ للغساسنة وكان يكفي المؤرخ أن يتحدث عن أعداد حقيقية لجيش المعادي، ولا يغالي في العدد.
كما أن المنطق لا يستوعب المقاتلة والمواجهة بين ثلاثة آلاف مقاتل مع مائتي ألف، وهذا ما يؤكد أن هناك زيادة ومغالاة تم إضافتها إلى الحدث التاريخي، فأصبح أقرب إلى بطولات "سيف بن ذي يزن" الذي كان يجندل أربعمائة فارس بضربة واحدة.
أما عن استشهاد "جعفر بن أبي طالب" (جفر الطيار) وكيف أدخلت الأسطورة إلى حدث تاريخي جعلت منه بطلا أسطوريا، وليس بطلا بشريا من خلال هذا السؤال: "أن جعفر رضي الله عنه كان قائد المعركة ويرفع الراية عاليا، فهل كانت مهمة القائد أن يدير المعركة ويتحرك في كل اتجاه؟ أم كان واجبه رفع الراية فقط؟ فهذه مهمة يمكن لأي شخص أن يفعلها" ص57، السؤال الأخير يكفي لنصل إلى أسطورة (جعفر الطيار) التي تعلمناها في المدارس، وما زال يرددها حماية القدسية والبطولات القديمة.
نقد فتح بيت المقدس ورحلة عمر بن الخطاب وخادمه
كما يتوقف الباحث عن فتح بيت المقدس ورحلة عمر بن الخطاب والهيئة التي وصل إليها في القدس طارحا مجموعة أسئلة، منها: "فهل يا ترى دولة جهزت جيوشا جرارة لفتح العراق وسوريا وأخضعت المرتدين في تهامة، هل تعجز عن تخصيص ناقتين واحدة للخليفة والثانية للخادم، بمعنى أنهما جاءا مشيا على الأقدام، وهذا يستلزم شهرا، وهو ليس في مصلحة الجيوش المرابطة في انتظار قدوم الخليفة، والمؤرخون لم يذكروا لنا من أنابه على المدينة على المسلمين طوال مدة غيابه، علما أن الرسول كان يستخلف أحدا على المدينة حينما يخرج غازيا، ولماذا لم يكن معه حاشية خوفا من اغتياله وموته، وقد حدث اغتيال سعد بن معاذ في الأردن في زمن عمر، ثم ألم يفكر عمر بن الخطاب بهيبة الدولة التي يمثلها، وهو يلبس المرقع، بأن يظن الروم بأن دولة المسلمين ليس عندها ركوبة أخرى" ص58و59، أعتقد أن إعادة النظر في أسطرة التاريخ وتقديمة بصورة وردية، زاهية، تخالف المنطلق والعقل، ويجب إعادة النظر فيما قدم لنا من أحداث تاريخية، بعيدا عن المغلاة والزهد الوردي والتجميل الأسطوري الذي يخرج عن المألوف والعقل.
المعتزلة
أذا ما توقفنا عند صورة تقديم المعتزلة من قبل السلطات العربية الرسمية ومن لف لفيفها من علماء السلاطين، سنجدها صورة سلبية، فهم قالوا بخلق القرآن الكريم!
لكن إذا ما توقفنا عند فكرهم ورجالهم، سنجد أن بعضهم فسر القرآن الكريم، مثل الزمخشري، وهذا يجعلنا نشكك في التهم التي نسبت إليهم، وجعل العامة تحاربهم وتحارب أفكراهم، فأفكارهم تتعارض مع السلطة الحاكمة: "يرى المعتزلة أن خلع الإمام حق من حقوق الأمة كما لها الحق أيضا في تنصيبه، وأن الخروج على أئمة الضلال واجبة، ووضعوا الشروط التي يتوجب فيها على الأمة الخروج على الإمام" ص68، إذن المعتزلة أكبر من القول بخلق القرآن الكريم، وإذا ما قالوا بذلك علينا فهم منطقهم لمعرفة واستيعاب المنطق الذي يستندون إليه، فإن توافق مع عقلنا قبلنا به، وإذا لم يوافق عقلنا ردناه إليهم، لكن لا يجوز تكفيرهم وإخراجهم من الملة، فقط لأننا سمعنا من فلان أو علان قولا فيهم.
وما فضلهم على الثقافة العربية الإسلامية التي ازدهرت في زمن المأمون إلا صورة عن هؤلاء المفكرين، فهم الذين فتحوا الثقافة العربية على الثقافة اليونانية، وكان العلم والفلسفة أهم سمة في عصر المعتزلة.

مظاهر شكلية خالية المضمون وخاوية على عروش أصحابها
يتوقف الباحث عند بعض مظاهر الانحطاط الديني والفكري في المجتمع العربي والإسلامي من خلال توقفه عند بعض المشاهد: "صار بمقدور أي شخص ذو ذكاء متواضع وقدرات تعليمة بسيطة أن يعلن نفسه رجل دين، يلبس الرداء الأفغاني أو الدشداشة السعودية القصيرة ويطلق ذقنه ويمارس كل المظهريات المطلوبة، وينطق بما سمعه دون أدنى تفكير بما يقول" ص71، هذه صورة تبين أن العربي/ المسلم لا يهتم إلا بالشكل/ بالمظهر، أم الجوهر فهم غير مهم، لهذا تجدنا ننذهل عندما نسمع: (قال الشيخ، قال الرجل الصالح) بحيث لا نتوقف عند قوله، فكلمة )(شيخ/ الرجل الصالح) تذهل السامع/ المتلقي وتجعله يتخطى منطقية الكلام الذي يسمعه، مما يجعله منساقا وراء ما سمع، حتى لو كان خطأ وفيه خطيئة: "صار الخروج عما قاله السلف الصالح يعتبر خروجا عن الإسلام، وأصبح صحيح البخاري بديلا عن القرآن...بما أن النقل لا يكلف جهدا في التمحيص والاستبصار، فقد أصبح يتولى أمر الدين كل شخص غير قادر أن يتعلم ما يكد به ذهنه، ويحتاج إلى البحث، في مجالات العلم والتكنولوجيا والمعارف الأخرى، وغذا كل خص يشعر بوضاعة مكانته الاجتماعية، أن يصبح رجل دين بشيء يسير من الدين، بل اضطر كثير من المعاقين حركيا وبصريا إلى امتهان العمل الديني" ص72، هذا فيما يتعلق بالأفراد، ويمكن أن (نبرر) لهم هذه النزوات المنحرفة، فهم أشخاص يعيشون أزمة، ويشعرون بالنقص والعجز أمام الآخرين، فأردوا من خلال لبس الدين وثوبه أن تكون لهم مكانة في المجتمع.
لكن الطامة الكبرى عندما يصل لبس ثوب الدين إلى جماعات سياسية، التي تطرح نفسها بديلا للأنظمة الحاكمة، لكنها تحمل في داخلها تخلفا وجهلا أكثر من الأنظمة نفسها: "الجماعات الإسلامية التي تطلعت إلى الحكم وهي بالطبع في سياق منهج النقل، ذهبت تستنسخ أنظمة حكم بدائية لشعوب بدائية كما لو أن الزمن متوقف في تلك المرحلة، يريدون دولة راشدة يحكمها عمر بن الخطاب، وها هي داعش تستنسخ الحكم الذي تتصوره، وحزب التحرير أيضا يضع شروطا لم يجب عليه أن يترشح للخلافة، أن يكون ذكرا مسلما بالغا عاقلا حرا، فكلمة حر هنا دليل على عدم التفكير بمعنى حر، فهل يوجد الآن من هو عبد يطمع للخلافة كما كان عهد المماليك" ص74، أجزم أن جماعات الدين السياسي بمجملها لعبت دورا تخريبا في الأمة، وما الجهل والتبعية والانجرار وراء أمجاد الماضي ما هو إلا أفيون استخدم لإبقاء الأمة/ الشعب/ الأفراد أسرى للوهم، فهم يعيشون الماضي ولا يعرفون شيئا عن الحاضر، ولا ينظرون إلى المستقبل، فكيف سيكون حال مثل هذه الأمة!!؟؟
ومن المظاهر الشكلية التي تعصف بالأمة وبالأفراد: "حصر الذهن في علوم تقليدية مثل علوم القرآن والحديث والسير والتاريخ والمغازي والفقه، وتم استبعاد علماء الطبيعة والفكر على أنهم زنادقة، مما جعل الأجيال اللاحقة لا تعلم شيئا غير العبادات كخيار وحيد يتنفس منه المعدمون أريج الجنة.
مع هذا الخيار الوحيد من مجالات التفكير في الأمور الدنيوية لم يبق أمام الناس لقضاء حاجاتهم سوى الدعاء إلى الله" ص83، إذن جزء من عجز المواطن في المنطقة العربية عن الفعل/ عن الإنتاج/ عن العمل/ الإبداع يعدون إلى تجاه تفكيره في أمور (الدين) فهو يفكر بالآخرة التي ستعوضه عن الحرمان الدنيوي، فالدنيا (متاع الغرور) والحياة الأخرى/ الأبدية هي مبتغاه!!
الدين والحياة
هناك مجموعة أسئلة، منها، هل وجدنا لخدمة الدين أم الدين وجد لخدمتنا؟ وهل الدين مسهل/ ميسر للأعمال الإنسانية أم معيق؟ وهل الدين وسيلة أم هدف، وهل الدين رافع/ حامل للأخلاق أم مجرد منها؟ يجب الباحث على هذه الأسئلة بقوله: "الدين هدفه إقامة القيم الخلقية في النفوس، بمعنى أن الدين وسيلة لهدف وليس هو هدفا لذاته، وأن الديانة أية ديانة إذا ما فشلت في إقامة هذه القيم وبنت إلزاما خلفيا في النفوس فإن هذه الديانة قد انحرفت عن مسارها...الدين الإسلامي هو وسيلة لإسعاد المجتمعات والأفراد" ص81، أعتقد أن هذا الرؤية هي ما تهم المواطن، فهو لن يتوقف عند صواب ما يقدم له من أفكار وعقيدة إذا لم يعيش ويلمس هذه الأفكار على أرض الواقع، فالأفكار المجردة ـ رغم أهميتها ـ لا تكفي لوحدها لجذب المتلقي، بل عليه رؤيتها ولمسها في الحياة، وما هروب شبابنا إلى الغرب (الكافر) إلا صورة عن الخلل بين ما يطح ويسمح من أفكار، وبين ما يطبق ويعاش.
حقائق عن علماء العرب والمسلمين
كثيرا ما يتفاخر بالعلماء العرب والمسلمين وما قدموه للبشرية من علم، فقد اسهموا في رقي العلم والفكر العالمي، وما وجود الحضارة الغربية التي بنيت على ما قدمه علماء والفلاسفة العرب إلا شاهدا على عظمة علمائنا.
لكن كيف عاش هؤلاء العلماء، وهل تم أنصافهم في عصورهم ومدنهم التي عاشوا فيها؟، يجيبنا الباحث بقوله: "رجال الدين قد شنوا حربا لا هوادة فيها على العقلانيين من علماء الطبيعة والمنطق والفلسفة، أو جماعات المعتزلة وإخوان الصفا، أو أشخاص مثل ابن سيناء والخوارزمي وجابر بن حيان والكندي والفارابي وابن رشد وغيرهم متهمين إياهم بالزندقة والخروج على تعاليم الدين" ص84و85، حقيقة يجب التوقف عندها، إذا كان هؤلاء بهذه الأهمية والمكانة، فلماذا تم اضطهادهم ومحاربتهم حتى في رزقهم؟ وهل حالهم يختلف عن حال المفكرين اليوم: مهدي عامل، هشام شرابي، حسين مروة، ادوارد سعيد، أنطون سعادة، مشيل عفلق، ساطع الحصري وغيرهم الكثير!؟
إذن نحن أمة معطوبة/ أمة عقيمة/ أمة متناقضة، تفتخر بعلماء وتذلهم، تجلهم وتذمهم، ترفعهم وتنكرهم، حالة عجيبة غريبة تشير حجم الضياع الذي نحن فيه.
كما يتوقف الباحث عند الخطاب الديني مبينا حجم العقم الذي فيه من خلال: "فبدلا من أن يقوم الفقهاء بالحض على الإصلاح الزراعي استصلاح الأرض وتعميرها، والرفع من شأن الأيادي المهنية والمهارات الصناعية وتعميق الاتجاه الدنيوي للعمل على رقي المجتمع ونمو الحضارة، راحوا يستخدمون الدين للقبول بما هو واقع ويروجون لشعار (ركعتين لله أفضل من الدنيا وما فيها)" ص125، من ينكر منا هذا الواقع، هذه الحقيقة، فرجال الدين جل همهم المحافظة على ما يصدر لهم من تعليمات من السلطات العليا، أما رفع مكانة المواطن والاهتمام بشأنه وشأن الأمة، فهذا ليس من شأن رجال الدين، فقد نسوا وتجاهلوا وتخلوا عن دورهم كقادة للأمة، وقبلوا أن يكون أذنابا وتبعا لمن يصدر لهم التعليمات، فكان حالهم كحال أسيادهم، تبع ومجرورين للآخرين.
خطورة رجال الدين على المجتمع تكمن في الأفكار التي يقدمونها، فهم يعدون الشر الأكبر في المجتمع والأمة، حيث يرجون لفكرة إلغاء الآخر، والحكم عليه بالكفر والخروج من الملة، فقط لأنه يختلف معهم في أمور سطحية، هامشية، فهم يتعاملون من المجتمع على أساس (من ليس معنا فهو ضدنا/ كافر، المسلم الحقيقي هو الذي ينتمي للجماعة، تنقسم أمتي إلى ثلاثة وسبعين شعبة، كلها في النار، إلا واحدة ـ نحن ـ الفئة الناجية) وقد تجاوز التكفير حده، فكل من لا يماثلهم في اللباس والشكل فهو كافر: "امتداد سلطة سدنة الدين وتغلغلها في المجتمع، على الناس وعلى مجريات الحياة، فكل خروج عما تم ترسيخه بالدين فهو خروج على الدين ذاته، أي الكفر، كاللباس الذي يجب أن يبقى كما هو" ص143و144، من هنا وجدناهم يقتلون الناس في الساحل السوري بحجة أنهم من العلويين، ويقومون بإهانة الشيوخ في السويداء ويقصون شواربهم لأنه يخالف للسنة!؟
تهذيب المؤمن
إذا ما تقدمنا من الإنجيل وما جاء فيه، سنجد أن السيد المسيح جاء ليحرر أتباع الشرع والعقيدة من المظاهر الشكلية، ورفعهم إلى روح العقيدة/ الشرع، من هنا عندما جاءوا له بالزانية خاطب الكهنة بقوله: "من لم يكن منكم به خطيئة فليرجمها بحجر" عندها تفرقوا عنها وتركوها، فقد كان دور السيد المسيح هدم الشكل والتقدم من الجوهر، لهذا وجدنا (الشكلانيين) الكهنة/ الفرنسيين يعادونه لأنه كشف زيفهم، فهم أرادوا الإبقاء والمحافظة على طقوس/ شعائر، والسيد المسيح أراد التقدم من الروح، من الجوهر الدين، فتضارب مصالح الكهنة مع نهج المسيح، فتفقوا على إزالته من أمامهم، وتم إبعاده كجسد، لكن فكرته بقيت وانتشرت وتوسعت وأصبحت عالمية، تجاوزت أصحاب النظرة القبلية الضيقة.
أجزم نحن المسلمون اليوم نعيش حالة الكهنة اليهود زمن السيد المسيح، نهتم بالشكل على حساب الجوهر، فكل ما يهمنا الدشداشة القصيرة، السواك، طاقية لغطاء الرأس، أطلاق اللحية وقص الشارب، وعدد العمرات، وكلمة الحاج التي تسبق أسم المسلم، أما في معاملاتنا، في مكانتنا أمام الأمم فنحن أحط أمة، نكذب، نغش، نخدع، ننافق، لا نجرؤ على قول الحق، نذم المبدعين وننتقص من مكانتهم، نعاديهم ونضع أمامهم كل السدود لكي يبقوا معنا ومثلنا في الحضيض، نكفر الآخرين لمجرد اختلافنا معهم في هوامش جانبية، نطلق الأحكام المطلقة، لا نعرف من الدين إلا ما نسمعه من فلان أو علان، لا نقرأ، لا نعمل ولا نبدع، فمشاكلنا/ خطيئتنا/ مثالبنا/ جرائرنا نواقصنا عديدة وكثيرة لا تعد ولا تحصى.
يتوقف الباحث عند بعض هذه المظاهر، ويقدم الحلول ـ لعل وعسى يجد من يتقدم من الحقيقة ويترك ما به من تجديف ـ فيتحدث عن أهمية التحكم/ السيطرة على الغريزة، الشهوة، الغضب والانفعال: "أن فعل الخير لا يكون بهجاء الشر أو تحريمه، إنما يكون بالقدرة على تدجين الغرائز، حيث ى تترك لها سطوة طاغية أو مطلقة على الفعل، وبذلك يبدأ مشوار تدجينها" ص105، اللافت في هذه الخطاب كشف حقيقة نفسية المواطن في المنطقة العربية، فنحن (نشتعل/ ننفعل) بسرعة، و(ونبادر) إلى أفعال عصبية غير محمودة العواقب، من هنا تجد جرائم القتل تتفاقم يوميا، لأننا فقط لا نعرف كيف نسيطر على انفعالنا.
ومن مظاهر تهذيب المؤمن تطويره عقليا، وفتح آفاق جديدة له، تبعده عن الشكل وتقدمه من الفعل/ العمل: "الإفراط في العبادات من صوم وصلاة كتعويض عن عدم القدرة على الكسب، فاكتساب الحسنات عند الله هو نوع من التعويض عن الكسب المادي، وهذا حرم المجتمع من الأفراد الموهوبين الذين يمتلكون القدرة على الإبداع لهم ولغيرهم في المجتمع" ص126و127، نلاحظ أن الباحث يهتم بالناحية النفسية، فهو يكشف كيف تتم عملية الاستبدال/ التعويض التي يمارسها المسلم، فبدلا التقدم والاهتمام بالعمل الذي يخدمه ويخدم مجتمعه، ويتقدم من العبادات التي (تفيده شخصيا) لكنها تعيق إنتاجه لنفسه ولعائلته ولمجتمعه.

جوهر القرآن الكريم
يتوقف الباحث عند القرآن الكريم مبينا حقائق مثيرة منها: "الآيات التي تتكلم عن الفقه والتوحيد ليست إلا 150 آية، بينما الآيات التي تتحدث عن الكون 750 آية، أي أن الآيات الكونية خمسة أضعاف الآيات الفقهية والتشريعية، وبذلك تكون مهمته شرح الآيات القرآنية التي تتحدث عن الكون، لكي يقدم العلوم الحديثة للمسلمين" ص182، هذه الرؤية مهمة لحياتنا، فنحن وجدنا للعمل والإبداع، وليس فقط لأداء الشعائر الدينة، من هنا نجد القرآن الكريم ـ بطريقة غير مباشرة، عدد الآيات الكونية ـ يحثنا على التفكير بالكون واستخلاص الأفكار التي تفيدنا في الحياة.
فالكون العميق هو ما أرادنا الله سبر أغواره ومعرته، أما الشعائر الدينية فهي واضحة وبسيطة، ولا تحتاج إلى هذا كل هذه الكتب والتفسيرات، لأن الله يريدنا أن نكون عمالا مبدعين، مفكرين وليس خاملين، فالحياة أمامنا، وما علينا إلى التقدم منها، والصعود فيها، لنكون مثلا للآخرين وقدوة لهم، لا تبعا ولاحقين لهم، هذا ما يدعون إليه القرآن الكريم.
الكتاب من منشورات أمواج للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، الطبعة الأولى 2025.



#رائد_الحواري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
-  جمالية الشكل والمضمون في رواية -كويت بغداد عمان- أسيد الحوت ...
- الجغرافيا والاجتماع في قصيدة -أمنية- وجيه مسعود
- الشكل والمضمون في قصيدة -الذباب ال- مأمون حسن
- ثنائية الاكتشاف في قصيدة -أوريكا- سامي عوض الله البيتجالي
- كتاب -مغامراتي في جبال فلسطيني-  بقلم صحفي أجنبي معروف
- أهمية كتاب -في عالمية الفكر الخلدوني- مهدي عامل
- التجديد في -شجار في السابعة صباحا- وليد الشيخ
- كتاب -خطوات صغيرة في بلاد كبيرة- مهند طلال الأخرس
- كتاب -بقايا زنزانة- بين الالتزام والنقد الذاتي- للأسير قتيبة ...
- فاكهة -الليالي- محمد حافظ
- الرمزية في رواية -رحلة المينا الهندي- عامر أنور سلطان
- الجديد والتجّديد في -شيءٌ يذكّرني بي- لعبد السلام العطاري
- العطاء في كتاب -أم سليمان، تجربة ملهمة- أبو علاء منصور
- دورة الحياة في رواية -جنين في جنين- نسيم قبها
- التراث والرمز والتمرد في رواية -سعد سعود- محمد حسين السماعنة
- الجديد والقديم في رواية -فتنة الزوان- إبراهيم الكوني
- كتاب -تحت ظل القلم- مهند طلال الأخرس
- أهمية كتاب منزلقات التفكير سعادة أبو عراق
- المرأة والصحراء، السارد والبطل في رواية -التبر- إبراهيم الكو ...
- رواية -نبوءة الصحراء- عامر أنور سلطان


المزيد.....




- خبير يعلق على رسالة مجتبى خامنئي إلى -جيران إيران الجنوبيين- ...
- يتعين على ترامب أن يقول -لا- لنتنياهو - الإندبندنت
- إجراءات أمنية مشددة في باكستان قبيل انطلاق جولة مفصلية من ا ...
- ضغوط دولية لوقف غارات إسرائيل على بيروت.. وتحذيرات أممية من ...
- ستارمر يناقش مع ترامب -الخيارات العسكرية- بشأن مضيق هرمز
- مصر.. تفاعل مع فرحة مهندس باكتشاف حقل غاز جديد
- ما خفي أعظم يعرض مشاهد وتفاصيل حصرية توثق آثار أكبر هجوم جوي ...
- بعد 41 يوما من الحرب.. ما حصيلة الهجمات الإيرانية على 7 دول ...
- هل ينجح تحالف ديمقراطيي الساحل في مواجهة حكم العسكر؟
- تحقيق خاص للجزيرة: استهداف منشآت الغاز في قطر يهدد غذاء العا ...


المزيد.....

- قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير ... / رياض الشرايطي
- نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و ... / زهير الخويلدي
- -فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2 / نايف سلوم
- فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا ... / زهير الخويلدي
- الكونية والعدالة وسياسة الهوية / زهير الخويلدي
- فصل من كتاب حرية التعبير... / عبدالرزاق دحنون
- الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية ... / محمود الصباغ
- تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد / غازي الصوراني
- قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل / كاظم حبيب
- قراءة في كتاب أزمة المناخ لنعوم چومسكي وروبرت پَولِن / محمد الأزرقي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - رائد الحواري - أهمية النقد والنقض في كتاب نقض اليقين سعادة أبو عراق