|
|
الجغرافيا والاجتماع في قصيدة -أمنية- وجيه مسعود
رائد الحواري
الحوار المتمدن-العدد: 8656 - 2026 / 3 / 24 - 03:41
المحور:
الادب والفن
"كم أود لو أقضي في (كفر آرام) شرقي النهر أو غربه لا مجهولا غريبا في جنوب الجنوب شرقي آسيا بلا أحد ابنة عتبة طالت أحشاء حمزة لاكتها وأخذتها حمى الظلالة إلى (فدك) كانت تحت ديمة دار جده الحسين واحة بستان زيتون، نخيل، خوخ وعنب لكنها الفاجرة (حمالة الحطب) خذوا عني فجر (هند ابنة عتبة) دعوني أقضي هناك قرب مهد الحسين والحسن ولا أريد الكثير كانون حطب إبريق شاي حكايات حنا مينة أشعار الفرزدق، راشد حسين، بدوي الجبل
دمع ناي القصب حصير بعض أغاني فيروز، فكتور يارا قوالي الشام ابن الملوح قليلا من ندى ضهور الشوير حيث ابنه أودع أشور أسرار الأمة والبلد بيادر خوابي معاصر مراعي حوانيت باسم الله تزن القمح والبن والعدس لا أريد الكثير نبيذ دير النطرون عرق الكرخ وشاي فاطمة نبيذ دير النطرون عرق الكرخ وشاي فاطمة قرآن فجرها لما تصلي وتقرأ الفاتحة مرآي ابنتي ترفع في وجه الفاشي أسماء ضحايا المحرقة لون عيونهم حقائب كتبهم حلواهم ودماهم المفضلة لا أريد أن أموت مجهولا يعاني الغياب وترصد جثتي الضواري الجارحة كم أتوق إلى جارنا الجبان العجوز دون أهلي يعود فاطمة تأتيه بالقهوة والخبز، زيت الزيتون والأذن الصاغية أتوق إلى رفقاء مدرستي كلما أتوا وجدوا في بيت أمي ملاذا، خبزا، شايا حلوا وعينا ساهرة. أتوق إلى طلباتها أن أهجر نزواتي والأشباق العابرة أن لا أعود إلى بغداد لما احتلها المغول آه يا زهراء كم دارت بابنك الضواري الكاسرة والنوائب الساقطات السرابات عواصف الرمل عارمة غبراء عائرة نافذة أواه ما أقدس بيت فاطمة وما أرق الموت على حصيرة بيت فاطمة"
كأن هناك (لعنة) كتبت على الفلسطيني/ السوري تجعله محروما/ بعيدا عن وطنه، عن المكان/ عن الجغرافيا التي ألفها وعاش فيها وأحبها، من هنا نجد أكثر شعوب الأرض تهجيرا هم السوريون، لكن حال الفلسطيني استثنائي، فهو السوري الوحيد الذي لا يستطيع العودة إلى بلاده، لخضوعها لدولة الاحتلال الاستيطاني الذي يعمل على محو الشعب وتهجيره وقتله، وسلب الأرض وتهويدها، وهذا ما يجعل مأساته تتجاوز بقية السوريين. "وجيه مسعود" عاش أكثر من ثلاثين سنة في المغترب، مما جعله يعاني الحرمان الجغرافي/ المكاني، والحرمان الاجتماعي/ التلاقي مع أهله وأحبته، يعبر عن معاناته كفلسطيني وكسوري في قصيدة "أمنية" حيث يختزل فيها أحلامه/ طموحه، مأساته/ ألمه، من هنا نجد يمزج/ يجمع بين الألم الإنساني/ الاجتماعي، وبين ألم الحرمان الجغرافي/ المكاني معا: "كم أود لو أقضي في (كفر آرام) شرقي النهر أو غربه لا مجهولا غريبا في جنوب الجنوب شرقي آسيا بلا أحد" نلاحظ حجم المعاناة في مضمون المقطع، حيث يصل المتلقي إلى المعنى من خلال الأمنية: "كم أود لو أقضي" ومن خلال (طول) الأمنية التي استخدم فيها الشاعر أربع ألفاظ، وهذا يشير إلى حجم المعاناة التي يمر بها، كما أن استخدم ضفتي النهر الشرقية وغربية يقودنا إلى بعد المكان الذي يعيش فيه "جنوب الجنوب لشرقي آسيا" فمن خلال تكراره ل"الجنوب" التي تحمل معنى أقصى الجنوب، (القاع) أوصل مأساته الجغرافية/ المكانية، ومأساته الاجتماعية "لا مجهورا/ بلا أحد" إذن الشاعر يمر بحالة بؤس مزدوجة، وهذا ما جعله ينظر إلى الواقع برؤية سوداء: "ابنة عتبة طالت أحشاء حمزة لاكتها وأخذتها حمى الظلالة إلى (فدك)" أخذ مشهد امرأة "هند بنت عتبة" وتقديمها بهذه الوحشية، يشير إلى حجم السود الذي يمر به الشاعر، ولم يقتصر السواد على المضمون، بل طال الألفاظ التي نجدها بمجملها سوداء وقاسية. بعد عن عبر الشاعر عما فيه من ألم، (وتنفس الصعداء، استراح) وأخذت نفسه تهدأ قليلا: "كانت تحت ديمة دار جده الحسين واحة بستان زيتون، نخيل، خوخ وعنب لكنها الفاجرة (حمالة الحطب) خذو عني فجر (هند ابنة عتبة)" نلاحظ انخفاض غضب الشاعر من خلال استخدامه: "دار جده، واحة، بستان زيتون، نخيل، خوخ، وعنب" حيث نجد الأرض/ المكان/ الجغرافيا يطغى حضورها على الاجتماعي، بمعنى أن الشاعر يلجأ إلى الأرض كعامر تخفيف، فالأرض قدمها بصورة بهية، وكأنها الفردوس، من هنا جعلها مخضرة ومثمرة. ونلاحظ يزيل الشاعر ألمه (تماما) من خلال: "خذو عني فجر (هند ابنة عتبة)" فبدا وكأنه قد (تجاوز/ تحرر) من ألم الغربة الجغرافية والغربة الاجتماعية، وهذا ما جعله يتقدم أكثر نحو رغباته/ أمنياته: "دعوني أقضي هناك قرب مهد الحسين والحسن ولا أريد الكثير كانون حطب إبريق شاي حكايات حنا مينة أشعار الفرزدق، راشد حسين، بدوي الجبل
دمع ناي القصب حصير بعض أغاني فيروز، فكتور يارا قوالي الشام ابن الملوح فقليلا نت ندى ضهور الشوير حيث ابنه ؟أودع أشور أسرار الأمة والبلد بيادر خوابي معاصر مراعي حوانيت باسم الله تزن القمح والبن والعدس لا أريد الكثير نبيذ دير النطرون عرق الكرخ وشاي فاطمة" نلاحظ الحضور القوي للأدب والفن: "حنا مينة، الفرزدق، راشد حسين، بدوي الجبل، ابن الملوح، فكتور يارا، ناي، فيروز" كما نجد حضور لسعادة وفكره: "ضهور الشوير، الأمة والبلد" وهذا يقودنا إلى أن الشاعر يهتم بالحضور الراقي للمجتمع، الأدب والفنون والفكر، وليست الجوانب الهامشية، أما حضور الطبيعة فنجدها في: "ضهور الشوير، بيادر، معاصر، مراعي، قمح، لبن، العدس" وإذا ما توقفنا عند هذه المسميات سنجدها تأتي بفضل الإنسان وعمله، فهو من يعمل البيادر والخوابي والمعاصر، وهو من ينتج القمح والعدس، ويعمل اللبن والنبيذ والعرق والشاي. وهذا يقودنا إلى عناصر الفرح/ التخفيف التي يلجأ إليها الشعراء وقت الضيق، الطبيعة، المرأة، الكتابة/ الفنون، التمرد، ف"وجيه مسعود" استخدم عنصرين من عناصر الفرح: الطبيعة والأدب/ الفن، وتجاهل المرأة، وهذا التجاهل يعود إلى أنه يرى في "بنت عتبة" الشر والسواد، أما التمرد فنجده حاضرا في الجمع بين: "نبيذ دير النطرون عرق الكرخ وشاي فاطمة قرآن فجرها لما تصلي وتقرأ الفاتحة" فهذا المزج/ الجمع بين متناقضات نبيذ وعرق، وقرآن الفجر، الفاتحة يمثل تمرد الشاعر، ورؤيته التي تتجاوز ما هو سائد. يكمل الشاعر تقديم أمنياتة، بقوله: "مرآي ابنتي ترفع في وجه الفاشي أسماء ضحايا المحرقة لون عيونهم حقائب كتبهم حلواهم ودماهم المفضلة" إذا كان الجمع بين النبيذ والقرآن يحمل التمرد الاجتماعي، فأن الشاعر هنا يقدم (ثورة) على المحتل من خلال مواجهته بجرائمه وضحاياه، بمعنى أنه يخوض ثورة مزدوجة، ثورة اجتماعية/ فكرية، وثورة تحرر من الاحتلال. وهذا التمرد الثنائي له علاقة بألم الشاعر الذي افتتح به القصيدة: "جنوب الجنوب" فمن خلال تمرده يتجاوز الألم الجغرافي (البعيد)، والألم الاجتماعي، بعده عن أحبته وأهله. يعود الشاعر إلى واقعه كمغترب/ كغريب في مكان لا ينتمي له: "لا أريد أن أموت مجهولا يعاني الغياب وترصد جثتي الضواري الجارحة" اللافت في هذا المقطع الجمع بين ضواري الأرض، وبين جوارح السماء، وهذا يقودنا إلى فاتحة القصيدة السواد، جنوب الجنوب، فألم الشاعر له بعيدين، وما حديثه عن أمنيته: "أقضي في شرقي الأردن أم غربه" إلا انعكاسيا لحالة الألم المزدوج/ الثاني/ الجغرافي/ المكاني، والاجتماعي. يستعيد شيئا من ذكرياته الجميلة في مكانه، في بيت فاطمة وإلى أحبته: "كم أتوق إلى جارنا الجبان العجوز دون أهلي يعود فاطمة تأتيه بالقهوة والخبز، زيت الزيتون والأذن الصاغية أتوق إلى رفقاء مدرستي كلما أتوا وجدوا في بيت أمي ملاذا، خبزا، شايا حلوا وعينا ساهرة. أتوق إلى طلباتها أن أهجر نزواتي والأشباق العابرة أن لا أعود إلى بغداد لما احتلها المغول" اللافت في هذه الذكريات أنها تجمع بين ما هو مادي وما هو روحي/ أخلاقي، ففاطمة تقدم الطعام والشراب لضيوفها/ زوارها، كما أنها تمنحهم سمعها، واهتمامها بهم، بحيث يشعرون أنها حريصة عليهم، وإذا ما توقفنا عند الطعام والشراب الذي يحمل بعدين: مادي/ طعام، وأخلاقي/ كرم، يكون الشاعر قد قدم البعد الروحي/ الأخلاقي على المادي عند فاطمة التي أيضا كانت تصغي وتهتم بمن يزورها أو يزور أبنها الشاعر. يختم الشاعر القصيدة بما زال عالقا فيه من ألم/ وجع/ قهر بقوله: "آه يا زهراء كم دارت بابنك الضواري الكاسرة والنوائب الساقطات السرابات عواصف الرمل عارمة غبراء عائرة نافذة أواه ما أقدس بيت فاطمة وما أرق الموت على حصيرة بيت فاطمة" نلاحظ ألم الشاعر في: "آه، أواه" ففي الألم الأول استعان بفاطمة، وفي الألم الثاني استعان بالمكان، ببيت فاطمة، وهذا له علاقة بالألم الجغرافي للشاعر، وبالألم الاجتماعي، فأراد التخلص منهما من خلال فاطمة وبيتها، وما وصفه الموت ب"وما أرق الموت على حصير بيت فاطمة" إلا تأكيدا لحنينه للمكان الذي أبتعد عنه، وحنينه لأهله الذين هجرهم . القصيدة منشورة على صفحة الشاعر على الحوار المتمدن.
#رائد_الحواري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الشكل والمضمون في قصيدة -الذباب ال- مأمون حسن
-
ثنائية الاكتشاف في قصيدة -أوريكا- سامي عوض الله البيتجالي
-
كتاب -مغامراتي في جبال فلسطيني- بقلم صحفي أجنبي معروف
-
أهمية كتاب -في عالمية الفكر الخلدوني- مهدي عامل
-
التجديد في -شجار في السابعة صباحا- وليد الشيخ
-
كتاب -خطوات صغيرة في بلاد كبيرة- مهند طلال الأخرس
-
كتاب -بقايا زنزانة- بين الالتزام والنقد الذاتي- للأسير قتيبة
...
-
فاكهة -الليالي- محمد حافظ
-
الرمزية في رواية -رحلة المينا الهندي- عامر أنور سلطان
-
الجديد والتجّديد في -شيءٌ يذكّرني بي- لعبد السلام العطاري
-
العطاء في كتاب -أم سليمان، تجربة ملهمة- أبو علاء منصور
-
دورة الحياة في رواية -جنين في جنين- نسيم قبها
-
التراث والرمز والتمرد في رواية -سعد سعود- محمد حسين السماعنة
-
الجديد والقديم في رواية -فتنة الزوان- إبراهيم الكوني
-
كتاب -تحت ظل القلم- مهند طلال الأخرس
-
أهمية كتاب منزلقات التفكير سعادة أبو عراق
-
المرأة والصحراء، السارد والبطل في رواية -التبر- إبراهيم الكو
...
-
رواية -نبوءة الصحراء- عامر أنور سلطان
-
الحاضر والماضي في رواية -ظلال عاشقة عامر أنور سلطان
-
الناقد، ما له وما عليه في كتاب -روايات وسير تحت الضوء- إبراه
...
المزيد.....
-
حمار على ظهره بردعة
-
أصيلة بين جمال الذاكرة وفوضى الرسم على الجدران
-
فيلم -السلم والثعبان 2- تحت النار.. لماذا أثار كل هذا الجدل؟
...
-
-زمن مغربي-.. شهادة من داخل دوائر القرار تكشف تحولات نصف قرن
...
-
هل أهان ترمب ستارمر؟.. المنصات تتفاعل مع المقطع الكوميدي الس
...
-
-نعم، أعرف اسمه-... من سيخلف المدرب ديشان على رأس الإدارة ال
...
-
يحاكي ضربات فرشاة كبار الفنانين.. روبوت يعيد تصوّر لوحات الح
...
-
نص سيريالى (يَقظَة تَحلُم بِنَا) الشاعرمحمد أبو الحسن.مصر.
-
الأعياد: نافذة الروح على ضوء الذاكرة
-
في مديح السؤال: حين تتوارى الحقيقة خلف ضجيج الإجابات
المزيد.....
-
رحلتي في ذاكرة الأدب
/ عائد ماجد
-
فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال
...
/ أقبال المؤمن
-
الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير
/ أقبال المؤمن
-
إمام العشاق
/ كمال التاغوتي
-
كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
المزيد.....
|