|
|
الماضي والحاضر في رواية -كلما لاح برق- للروائي محمود منور بشتاوي
رائد الحواري
الحوار المتمدن-العدد: 8715 - 2026 / 5 / 24 - 07:43
المحور:
الادب والفن
من الضروري تقديم أعمال روائية تتجاوز ما هو سائد، حتى لا يشعر القارئ برتابة ما يقرأ. وأعتقد أن رواية "كلما لاح برق" فيها ما هو جديد؛ فقد استطاع السارد تقديم حدثين في آن واحد: الأول معاصر، والثاني تاريخي. ولإقناع المتلقي بتداخل الحدثين، أوجد "الخاتم" الذي ابتاعته "ليلى" من البتراء، وجعلها تعود من خلاله إلى الماضي وتعيش تجربة "عاتكة"؛ تلك المرأة التي قررت الذهاب للبحث عن خطيبها "مالك" الذي أسره الروم وذهبوا به إلى "فيلادلفيا"، ليكون عبداً يشارك العبيد الآخرين في بناء المدرج. تنجح "عاتكة" في الوصول إلى مكان "مالك"، وتنجح في تحريره من الأسر بمساعدة "الشيخ جابر" الذي أرسل معها "زهير" كدليل ورفيق سفر، لكنها بعد أن تعود به إلى "البتراء" تكتشف أنه يتواصل ويتعاون مع الرومان كجاسوس، ورغم أنها حاولت ثنيه عن الاستمرار في هذه العلاقة المشينة، إلا أنها تفشل، فتقوم بقتله حفاظاً على البتراء وأهلها من الرومان. هذا مختصر الحدث التاريخي، أما الحدث المعاصر فقد توقف السارد فيه عند العديد من المحطات، منها: احتلال العراق، تدمير سورية، دور تركيا في إضعاف المنطقة العربية، إضافة إلى مشاكل المرأة العربية، والمشاكل الاجتماعية التي تعاني منها الشعوب العربية. ورغم فارق الزمن بين الحدثين، إلا أن السارد حافظ على وحدة المكان؛ فنجده يذكر: البتراء، الشونة الشمالية، حسبان، ناعور، اليادودية، المنشية، جبل نبو، ماعين، الكرك، وادي موسى، فيلادلفيا، العقبة، أم الثعالب، إربد، والعديد من الأماكن الأخرى، مما يجعل المكان/ الوطن هو الحاضن للأحداث وللشخصيات، والموحد بين الماضي والحاضر. الخيال لتمرير الأحداث التاريخية وعرضها بطريقة منطقية، لجأ السارد إلى الخيال الذي جاء كهمزة وصل بين الحاضر والماضي: "تقدما نحو الخزنة أكثر، وكلما اقتربا ازداد شعور ليلى بأن المكان ليس غريباً عنها، وأنه يخبئ لها سراً لا تعرفه إلا من كانت هنا منذ آلاف السنين، أغمضت عينيها ثم فتحتهما وقالت: "كأنني كنت أنتظرك هنا يا سامي طويلاً، ولكنك لم تأت"... شعرت ليلى وهي داخل الخزنة بموجة من التأمل العميق كما لو أن كل شيء حولها قد اندمج في صورة الصمت المشبع بالمعاني والأسرار" ص20. نلاحظ هنا كيف يؤثر سحر المكان على "ليلى" بحيث جعلها تعود إلى الحرب التي خاضتها المنطقة ضد الأعداء الرومان؛ فالبتراء ومن فيها هي الغاية التي يريدها العدو، وهي مصدر القلق له، لهذا يريد السيطرة والهيمنة عليها وإخضاعها. إذن، حصلت "ليلى" على طاقة روحية من المكان جعلتها ترى ما حدث في البتراء منذ آلاف السنين، لكن لا بدّ من وسيلة أخرى تقنع القارئ بمنطقية العودة إلى التاريخ، من هنا كان "الخاتم" الذي اشترته من أحد البائعين في البتراء بمثابة الوسيلة التي تنقلها وتنقلنا من الحاضر إلى الماضي: "وفي المنزل، وبعد أن أخذت قسطاً من الراحة، وضعت ليلى فنجان القهوة على الطاولة أمامها وراحت تتأمل الخاتم، كان الخاتم بسيطاً لكن فيه شيء غريب وكأنه يحمل ظلاً من زمن آخر، أغمضت عينيها للحظة واعتراها النعاس، وجدت نفسها تنظر إلى امرأة تجلس بجوار حوض حجري صغير في أحد الكهوف تغسل ملابس على صخرة ملساء بينما تنساب المياه العذبة من فتحة في الجدار الصخري... المرأة كانت ترتدي ثوباً نبطياً بسيطاً وعيناها تلمعان بغموض غريب تحملان الكثير من الأسرار، اقتربت ليلى من المرأة التي بدت وكأنها انعكاس ضبابي لشيء مألوف وسألتها عن اسمها" ص23-24. بهذه الطريقة تم نقل الأحداث من المعاصرة إلى الماضية، مما جعل القارئ يتماشى معها مقتنعاً بمنطقية ما يجري من أحداث روائية، سواء أكانت من الحاضر أم من الماضي. لم يقتصر السارد على ربط الحدث الحاضر بالماضي فحسب، بل تعداه إلى ربط المستقبل بالماضي: "مررت أصابعها بخفة على البطن الذي بدأ يستدير قليلاً، كأنها تبحث عن نبض آخر يشاركها غربتها... هل سيحمل هذا الطفل شيئاً من ذلك الحلم الغريب؟" ص167. يبدو السارد في هذا المقطع وكأنه يريد تأكيد التواصل بين الماضي وما سيكون عليه المستقبل، من خلال ابن "ليلى وسامي" الذي سيرث (حلم) أمه ورؤية الماضي وما فيه من أعداء يريدون النيل من الشعب ومن الأرض، وعليه حمل الوديعة؛ الأمانة ذاتها التي حملتها "عاتكة" التي طهّرت البتراء من الجواسين لتكون قوية أمام المخاطر المحدقة بها. عاتكة "عاتكة" امرأة أثبتت جدارتها وقوتها وإرادتها للوصول إلى هدفها المتمثل في تحرير "مالك" خطيبها من الأسر؛ فرغم طول الطريق، ومشقة السفر، والمخاطر المحدقة بها كونها فتاة مطموعاً بها من الرجال، إلا أنها استطاعت تجاوز كل ذلك والوصول إلى خطيبها وتحريره. لكن مهمتها وغايتها لم تقتصر على تحرير "مالك"، بل تعدتها إلى منع الأذى عن البتراء وأهلها، فهي تحمل هماً اجتماعياً، وطنياً وقومياً؛ لهذا عندما علمت وتأكدت أن "مالك" يعمل لصالح الرومان، وبعد محاولات عديدة لثنيه عن الاستمرار في دربه القذر دون جدوى، تقوم بقتله. وبهذا تكون "عاتكة" قد اختارت الوطن على حساب خطيبها وحلمها الشخصي، فأنكرت ذاتها في سبيل وطنها وشعبها، فكانت مثالاً للعطاء والتضحية. وهنا نسأل: هل توجد اليوم نساء مثل "عاتكة"؟ أعتقد أن الرواية تتجاوز الماضي لتثير حاضرنا الذي نعيش؛ فنحن اليوم في واقع أصبحت فيه الخيانة (وجهة نظر)، وأصبح الخائن يُكنى بأبي فلان وبالحاج علان، وأمست المرأة تابعاً مجروراً لرجلها/ لزوجها وللمجتمع الذكوري الذي جعلها حرمة/ متاعاً، ووسمها بنقص العقل والدين، وأكثر من هذا، حُرّم عليها إخراج صوتها، وحُظر عملها، فليست في نظرهم أكثر من أمة عليها إمتاع سيدها وطاعته في كل ما يقول ويريد ويرغب. فالمفارقة بين واقع المرأة الآن وواقع "عاتكة" يقودنا إلى بدايات حركات التحرر العربية في الجزائر وفلسطين وسورية والعراق ومصر، حيث كانت النساء يقمن بدورهن الوطني في مقاومة الاستعمار، في أيام لم تكن القيود تطوق عنق المرأة وقدميها ويديها وعقلها، فانطلقت وفعلت وأبدعت. هذا ما أراد السارد إيصاله لنا كخط ممتد من "عاتكة، والزباء، إلى جميلة بوحيرد، وليلى خالد، وتيريزا هلسة". "ليلى" المعاصرة المنحى الآخر للرواية هو الواقع المعاصر، فرغم أن الرواية بدأت من الواقع إلا أن فكرتها الأساسية كانت تاريخية؛ فـ"عاتكة" تبدو أقوى من "ليلى" لأنها تجاوزت واقعها وذاتها ومصالحها، بينما "ليلى" وجدت "سامي" زوجها يقف معها ويمدها بما تريد من مساعدات مادية ومعنوية، من هنا كانت حياتها أيسر وأسهل بكثير من حياة عاتكة. وكأن السارد -من خلال تقديم العلاقة المثالية بين "سامي وليلى"- أراد بطريقة غير مباشرة تقديم فكرة كرامة المرأة وحريتها، ومن هنا وجدنا "ليلى" تبدع في عملها كمشرفة نفسية، وتتجاوز المعيقات، وتحل مشكلات الطالبات. الواقع يتوقف السارد عند محطات مهمة في واقعنا المعاصر، منها ما هو سياسي، ومنها ما هو اجتماعي؛ ومن هذه المحطات العدوان على غزة والإبادة الجماعية التي اقترفها جيش الاحتلال، ومحاولة بعضهم تحويل الأنظار إلى عدو وهمي: "كانت المشاهد القادمة من غزة تزداد مأساوية؛ أطفال ينتشلون من تحت الأنقاض، عائلات بكاملها أبيدت، وأحياء كاملة سويت بالأرض. أبو عصام (مستأنفاً): يحاول الغرب جعل إيران بديلاً للكيان الصهيوني كعدو للأمة العربية. أبو عماد (مؤيداً): نعم، الإعلام الممول غربياً وعربياً يسوق لهذه الفكرة منذ سنوات، يصور إيران على أنها الخطر الأكبر، بينما العدو الحقيقي يواصل احتلاله وجرائمه دون رادع" ص42. وموضوعية هذه الرؤية أنها تنسجم مع الواقع، فدولة الاحتلال هي من تقتل وتدمر، وهي العدو الحقيقي للعرب، من هنا وجدناها تحتل أراضي جديدة في سوريا ولبنان، وتسلب ما تبقى من أراضي الضفة الغربية وغزة، وتفلت قطعان المستوطنين ليعيثوا فساداً وإرهاباً. وتأكيداً على أهمية المقاومة والوحدة العربية لردع الاحتلال، يتوقف السارد عند الصواريخ اليمنية: "فجأة قطع التقرير ليعلن المذيع بصوت مشحون: عاجل: إطلاق دفعة جديدة من الصواريخ من اليمن باتجاه منطقة يافا المحتلة، نصرة لغزة" ص287. وإذا ما ربطنا وحدة ساحات المقاومة بأحداث الرواية التاريخية (علاقة الكرك بالبتراء)، نصل إلى أن الرواية كانت تحوم حول فكرة الوحدة ودورها في مواجهة العدو وتحقيق الانتصار عليه، من هنا كان هذا المشهد الجامع للمقاومتين: المقاومة في الماضي، والمقاومة اليوم. أما على صعيد المشكلات الاجتماعية، فيتوقف السارد عند الهواتف الذكية وأثرها السلبي على العلاقات الاجتماعية: "هذه الهواتف غيرت حياتنا، أتذكر عندما كنا نجلس مع العائلة، والحديث كان يملأ المكان، الآن، ترى كل شخص منشغلاً بهاتفه الذكي" ص127. كما يتوقف عند مشكلة الشباب وخريجي الجامعات: "المشكلة أن عدد الخريجين أصبح أكبر من عدد الوظائف المتاحة... وهذا ما يجعل الوضع صعباً على الشباب، يتخرج الشاب أو الفتاة بمعدل ممتاز، ثم يجلس في البيت بلا عمل" ص150. وعن مشاكل المرأة وما تتعرض له: "المشكلة أن الكثير من القوانين في مجتمعنا ما زالت لا تدعم عمل المرأة بشكل كافٍ" ص91. فرغم أن هذه المشكلات تبدو (عادية)، إلا أنها ذات أهمية بالغة؛ فالحياة المنفردة لا تبني مجتمعاً، إذ إن المجتمع يتشكل بإقامة علاقات بين الأفراد أنفسهم، وبين الجماعات. هذا ما أراد السارد تقديمه؛ وما وصول "عاتكة" إلى هدفها، ونجاح "ليلى" في عملها إلا صورة عن "الاجتماعية" الحقيقية، تلك التي تحرر الأفراد والجماعات؛ تحررهم من الآخرين سواء أكانوا أعداءً أم متخلفين، وتحررهم من ذواتهم ليكونوا جزءاً فاعلاً من مجتمعهم.
#رائد_الحواري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
درب الآلام في ديوان -ملكية اللاشيء- زاهر الأسعد
-
أدب لفتيان، رواية -الطائر الذي سكن الغيمة- نموذجا، للروائية
...
-
الحب والسياسة والتمرد في -نبضات، نثرات شعرية- أمل إسماعيل
-
الصراع في رواية -العبوة النازفة- فهيم أبو ركن
-
الأدب المحلي والعالمي في مجموعة -عقلي وقلبي- إحسان عبد القدو
...
-
الجحيم الفلسطيني في رواية زغرودة الفنجان، حسام شاهين
-
الجحيم الفلسطيني في رواية زغرودة الفنجان
-
تحية إجلال للعيون البنية عيسى الرومي
-
الأدب والأدباء في -أوراق من الذاكرة- لإبراهيم خليل
-
الأدب والأدباء والسياسة في -أوراق من الذاكرة- لإبراهيم خليل
-
مئة كتاب في كتاب أبو علاء منصور
-
الشكل والمضمون في -في انتظار الحلم- ناهدة نزال
-
منطقية الطرح في كتاب -تدجين الغرائز وبناء الأخلاق- سعادة أبو
...
-
مجموعة -نبض لا يخطئ الطريق-[*] للكاتبين حامد حج محمد وزهرة إ
...
-
ذاكرة الطفولة وتجليات البطل الشعبي في رواية -الصمت القديم- ل
...
-
رواية -صندوق الرمل- الاستعمار الإيطالي في ليبيا لعائشة إبراه
...
-
عناصر الفرح في ديوان -أكون لك سنونوة- للشاعرة ريتا عودة
-
أهمية النقد والنقض في كتاب نقض اليقين سعادة أبو عراق
-
جمالية الشكل والمضمون في رواية -كويت بغداد عمان- أسيد الحوت
...
-
الجغرافيا والاجتماع في قصيدة -أمنية- وجيه مسعود
المزيد.....
-
فيلم -FJORD- يفوز بالسعفة الذهبية.. إليكم جوائز مهرجان كان ا
...
-
بيت المدى يستذكر صاحب - المنعطف -..جعفر علي عراب السينما الع
...
-
فيلم -فيورد- يفوز بجائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان عام 20
...
-
مهرجان كان السينمائي: السعفة الذهبية لفيلم -فيورد-
-
باحثون يفككون أزمة قراءة التراث بمعرض الدوحة للكتاب
-
هل يقرأ الذكاء الاصطناعي ما عجز عنه القراء؟ المخطوط العربي ف
...
-
الشغف وحده لا يكفي.. جلسة في معرض الدوحة تراهن على التخطيط
-
معرض الدوحة للكتاب.. شاعران يدافعان عن القصيدة في وجه -الاست
...
-
في معرض الدوحة.. صحيفة المدينة تُستدعى للرد على عالم بلا موا
...
-
مخرج فيلم -أطباء تحت القصف-.. يوم في مستشفى بغزة يكفي لصناعة
...
المزيد.....
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا
...
/ السيد حافظ
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
المزيد.....
|