|
|
الحب والسياسة والتمرد في -نبضات، نثرات شعرية- أمل إسماعيل
رائد الحواري
الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 13 - 22:30
المحور:
الادب والفن
أفكار جديدة أحيانا نحتاج إلى من يقدم لنا أفكار/ مضمون بطريقة سريعة ومختصرة، بعيدا عن الشرح والخوض في التفاصيل، في هذا الكتاب نجد نموذج لهذا الأمر، فالشاعرة تقدم ما هو جديد في كتابها، تقول في فاتحة الكتاب "نبض فاتحة" لا تقرئي الفاتحة على روح ميت بل اقرئيها على روح حي... لا يعرف كيف يموت!" ص11. نلاحظ استفزاز المتلقية من خلال فعل الأمر الصارم "لا تقرئي" وثم الدهشة التي مهدت لها في خاتمة الومضة، واللافت في ما قدم لنا أنه يمكن إسقاطها على أكثر من أمر/ مسألة/ حالة، الحبيب/ السياسي/ رجل الدين/ أي شخص عاجز عن اتخاذ موقف. وعن الرؤية وجودتها ودقتها تقول في "نبض زووم": "اقترب أكثر بعدسة الكاميرا تفاجئك "بثور" الكلمات" ص12. فهنا نجد (الغبش/ الخلل/ العيوب) التي تبدو من بعيد غير موجودة، وحتى جميلة، لكنها في الحقيقة غير ذلك، ورغم علمية الفكرة، فمن يريد أن يشاهد لوحة/ صورة عليه الابتعاد عنها لكي يشاهدها كاملة وبتفاصيلها، إلا أن الشاعرة هنا أعطتها صورة/ فكرة مغايرة لما هو سائد وعلمي ومنطقي. عن عدم التعامل مع الكتاب تقول في "نبض مولود": "يولد في المطبعة ينقل إلى حضانة المكتبة يموت على الرف ... كان اسمه "الكتاب"!" ص22. هذا حال الكتاب، ذلك الكائن الذي يمكن أن ينمو ويكبر حتى يكون في عقول وقلوب العديد من البشر، إذا ما تم التعامل معه وقراءته، ويمكن ان يكون جثة إذا ما أهمل على رفوف المكتبة وعن الموت وعدم الجزع منه تقول في "نبض سباق": "في الموت لا احد يصل متأخرا" ص129. فهنا تتناول الشاعر الموت وكأنه فعل عادي/ بسيط، لهذا علينا عدم الجزع منه أو الخوف، لأننا جميعا سنمر به ونصل إليه دون تأخير (حتى لو استعجلنا قدومه والوصل إليه).
التمرد صوت المرأة عورة، ولا يحق/ لا يجوز لها الكلام، فما بالنا عندما تحدثنا عن حبيبها، عن حاجتها له، ورغبتها به، تقول في "نبض نزف": اشربني من نزف عشقي، حتى تتورد خداك" ص21. اللافت في هذه الومضة ألترابط بين لون النزيف/ نزف (الأحمر)، والأثر الذي سيتركه على الحبيب "تتورد" فرغم أن النزف بالتأكيد هو دامي، إلا أن أثره على الحبيب جاء ورديا/ مخففا، وهذه إشارة إلى أن الحبيب/ الرجل يمثل عنصر فرح/ تخفيف تلجأ إليه النساء وقت الضغط والقسوة. فهناك وعن حاجة المرأة للرجل تقول في "نبض ورد": " ألم تعرف بعد، أن الورود الذابلة تتمنى من يقطفها أيضا؟!" ص24. الجميل في هذا المقطع تأكيد إنسانية المرأة حتى لو أمست في خريف العمر، فهي تحتاج رجلها، كحبيب/ كعاطفة وكجسد، وبما أن هذا البوح جاء من خلال امرأة، وهذا يعد ثورة/ تمرد على المجتمع الذكوري الذي يريد كتم مشاعرها وصوتها. وعن فكرة الابتعاد والقرب من الحبيب تقول في "نبض شعر": سأعتزلك ل... تشعر بي" ص72. فالعزلة هنا سبب الإثارة/ التقدم من جديد نحو الحبيبة، فرغم أن الفعل قاسي/ سأعتزلك، إلا أن النتيجة إيجابية، وستكون في صالح الحب والحبيبين معا. وعن مكانة الحبيب في الشاعرة تقول في "نبض لقاء": "من العبث أن أبحث عنك وأنت. ساكن فيّ" ص156. من اجمل المقاطع التي تبين مكانة الحبيب في الحبيبة، أو الحبيبة في الحبيب، فالبعد الفلسفي الكامن في تناول المكان الخارجي، والمكان الداخلي/ القلب مثير ومدهش، حتى أن المتلقي يتوقف عند قوة الصورة التي قدمتها الشاعرة، كما يتوقف عند دقة الكلمات المستخدمة، فالفعل المتعلق بالشاعرة/أبحث مكون من أربعة حروف، وكذلك الفعل المتعلق بالحبيب/ ساكن. وتقول في "نبض فراق": "أحلم أن أتوسد يوما ذراعك وطنا!" ص162. نجد الجمالية كامنة في التناقض بين العنوان والمتن، فالعنون متعلقة بالفراق، لكن المتن جاء يحمل فكرة التشبث والسكن والتلذذ والتماهي "أتوسد ذراعك وطنا".
المثقف ومعاناته المثقف في المنطقة العربية يتألم أكثر من غيره، وذلك لأنه يمتلك مشاعر جياشة تتأثر بأي قول، فعل/ كلمة/ حدث، ولأنه يملك معرفة/ علم اكثر من غيره، حيث يمكنه معرفة ما ستؤول إليه الأحوال مستقبلا، وهذا ما يزيد ألماـ يرى شعبه/ امتهم وطنه ذاهب إلى المجهول دون أن يقدر رفعه، إنقاذه، تقول في "نبض بصيرة": "تبا لعيوننا ترى أبعد مما نريد!" ص92. حجم الضغط الواقع على الأديب/ الشاعر تجعله يتمنى ـ أحيانا ـ يكون مواطن عادي، (لا هم دنيا ولا آخرة) فالمعرفة هنا تكون عامل ثقل عليه، لأنه لا يجد من يأخذ بأفكاره/ بكلامه، بتحليلاته/ بمعلوماته، مما يجعل يعاني من ألم موت الأمة/ الشهب الذي ينتمي له، هو يراه يموت أمام ناظريه دون أن يقدر على تغيير أو منع الأذى/ الموت/ الانزلاق الذي يتعرض له الشعب/ الأمة. وعن حالة اليأس والقنوط التي تمر بها الشاعرة تقول في "نبض واحة": "لكن كل ما حولك... قاحل!" ص147. هذا حال المثقف/ الشاعر في المنطقة العربية، فهو وحده يموت حزنا على أمته/ شعبه الذي يعاني الأمرين على يد حكام يعملون لصالح الأعداء أو نيابة عنهم.
السياسة تتوقف الشاعرة عند السياسة في أكثر من "نبضة" فتحدثنا عن دور القائد في "نبض قذيفة": "سيرتفع سعر الطماطم حالما يصدرها الزعماء لدعم المقاومة" ص46. فرغم منطقية الطرح ، التصدير الذي يعني عدم توفر السلعة/ الطماطم بسبب تصديرها، إلا أن هناك بعد رمزي يكمن في أن الرخيص الموجودة بكثر، سيكون ذات قيمة إذا ما أراد السياسي/ القائد التعامل معه كما يجب. وعن هول الحرب وأثرها السلبي على الناس تقول في "نبض انتظار" "متى ينتهي الحرب ويبدأ فلم كرتون؟" ص47. رغم أن الكتاب صادر عام 2008، بمعنى انه كتب قبل طوفان الأقصى، إلا أن الومضة تصلح لحالنا الآن، فما نعيشه ويعيشه أهلنا في فلسطين ولبنان والسودان وسورية وليبيا يجعلنا نتمنى أن (نتحرر/ نتخلص) من ثقل الحروب وما فعلته بنا من ويلات. عن التمسك بالوطن رغم الهجرة والتشرد تقول في "بنض "أصل"": "حدثتني جدتي: للاجئين جذور مجنحة وسماء حدها الوطن" ص61. اللافت في هذه المقطع انقلاب الفكرة/ المفاهيم، فالجذور الثابتة نجدها: مجنحة تحلق في السماء، والسماء الشاسعة نراها محصورة/ محددة بحدود، حدود الوطن، فالدهشة التي تحدثها في القارئ كافية لتقوده إلى الفلسطيني تحديدا، وإلى مكانة الوطن الذي يسكنه ويعيش داخله. وعن فلسطين التي تخرج حية بعد كل حرب تخوضها تقول "نبض اقتتال داخلي": "لا تقلقوا فلسطين تجرب أسلحتها فقط!" ص110. الجميل في هذا المقطع توافقه مع أغنية "بحبك يا لبنان" لفيروز التي تتحدث عن الحرب الأهلية اللبنانية: "سألوني شو صاير في بلد العيد، مزروعة ع الداير نار وبوريد" فهنا تؤكد الشاعرة بقاء فلسطين وشعبها حيا، وما يجري فيها ـ الانقسام ـ ليس اكثر من اختبار، فحص/ تجريب للسلاح. وعن فلسطين وحالها تقول في "نبض سُكر": "في فلسطين وحدها زجاجة دم بنكهة احتلال معتلق" ص145. اللافت في هذا المقطع انقلاب التشبيه، فالنبيذ الأحمر يعد من ألذ المشروبات، والشاعرة حافظت على اللون الدم (الأحمر) وعلى الزجاجة التي تحتفظ بالنبيذ المعتق، وقلبت اللذة/ النكهة إلى ألم، احتلال، فبد المازوشية حاضرة في تشبيه الشاعر للواقع الفلسطيني، وهذا يستعدي معالجة ـ من ذوي الشأن والأمر والنهي ـ هذا (المرض/ الحالة) التي تمر بها فلسطين وشعبها. وعن الواقع العربي تقول في "نبض تسوق": "اشتروا من الجبن مؤونة تكفيكم مجاعة الهزائم القامة!" ص 157. اللافت هنا أن الشاعرة تتنبأ بحال الأمة العربية والإسلامية التي وقفت وتقف متفرجة على ما يجري في فلسطين ولبنان وسورية والسودان، فالعدو وأعوانه يقومون بكل الفظائع، ونحن نقف متفرجين على (الفلم/ المسلسل/ البرنامج) حتى نرى نهاية الحلقة!! وعن القمع العربي لكل من يرفع اسم/ علم/ معناة فلسطين تقول في "نبض آخر ليلة": "وأدرك فلسطين الاجتياح واعتقلت الديوك بتهمة الصياح" ص189. هذا النبض يمثل الحال الرسمي العربي، واقع الحكام العرب من المحيط إلى الخليج، دون استثناء.
وعن لبنان تقول في "نبض لبنان": " أسقطنا "لبن" الكرامة يا ست الدنيا!" ص 185. فهنا قدمت الشاعرة واقع لبنان المدافع عن كرامة العرب، وقارنته بحال مصر، أم الدنيا التي فقدت كرامتها وأمست تمارس دور الوكيل/ الوسيط المحايد في صراعنا مع العدو. وعن الفساد والفاسدين تقول في "نبض تجميل": "سنبيض القضية لكن بعض الأعضاء يلزمها البتر" ص70. اللافت في هذه المقطع أمكانية أخذه في اتجاهين متناقضين، يمكن أخذه إلى أن من يتحدث فاسد ويريد محو وشطب وإزالة وإبعاد الشهود الأوفياء، لكي يصفى له الجو يخرج من المحكمة ببراءة، ويمكن أخذه إلى أن من يتحدث قاضي عادل يطالب الجهاز التنفيذي بالقضاء على كل من هو فاسد حتى تكون البلاد نقية من الفاسدين والمجرمين، وبهذا تكون الشاعرة قد أوصلت فكرتها بأكثر من طريقة. وعن فساد الإدارة تقول في "نبض بيض" "ارتفعت أسعار البيض لأن الديوك أكثر من الدجاجات" ص160. واقع الإدارة في الدول العربية بائس، فنجد كم هائل من الموظفين الذين لا يفعلون شيئا سوى الحصول على الراتب آخر الشهر، مما يجعلهم عالة على القطاع الإنتاج، على العمال والفلاحين. الكتاب من منشورات فضاءات للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، الطبعة الأولى 2008.
#رائد_الحواري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الصراع في رواية -العبوة النازفة- فهيم أبو ركن
-
الأدب المحلي والعالمي في مجموعة -عقلي وقلبي- إحسان عبد القدو
...
-
الجحيم الفلسطيني في رواية زغرودة الفنجان، حسام شاهين
-
الجحيم الفلسطيني في رواية زغرودة الفنجان
-
تحية إجلال للعيون البنية عيسى الرومي
-
الأدب والأدباء في -أوراق من الذاكرة- لإبراهيم خليل
-
الأدب والأدباء والسياسة في -أوراق من الذاكرة- لإبراهيم خليل
-
مئة كتاب في كتاب أبو علاء منصور
-
الشكل والمضمون في -في انتظار الحلم- ناهدة نزال
-
منطقية الطرح في كتاب -تدجين الغرائز وبناء الأخلاق- سعادة أبو
...
-
مجموعة -نبض لا يخطئ الطريق-[*] للكاتبين حامد حج محمد وزهرة إ
...
-
ذاكرة الطفولة وتجليات البطل الشعبي في رواية -الصمت القديم- ل
...
-
رواية -صندوق الرمل- الاستعمار الإيطالي في ليبيا لعائشة إبراه
...
-
عناصر الفرح في ديوان -أكون لك سنونوة- للشاعرة ريتا عودة
-
أهمية النقد والنقض في كتاب نقض اليقين سعادة أبو عراق
-
جمالية الشكل والمضمون في رواية -كويت بغداد عمان- أسيد الحوت
...
-
الجغرافيا والاجتماع في قصيدة -أمنية- وجيه مسعود
-
الشكل والمضمون في قصيدة -الذباب ال- مأمون حسن
-
ثنائية الاكتشاف في قصيدة -أوريكا- سامي عوض الله البيتجالي
-
كتاب -مغامراتي في جبال فلسطيني- بقلم صحفي أجنبي معروف
المزيد.....
-
عبور مؤجل إلى ما خلف العدسة.. عبد الله مكسور يكتب يومه في ال
...
-
-أشعر وكأنني ماكولي كولكين في فيلم وحدي في المنزل-.. فانس ما
...
-
أزمة قلبية مفاجئة.. رحيل الفنان الجزائري كمال زرارة
-
مفارقات كوميدية بين -كزبرة- وأحمد غزي في فيلم -محمود التاني-
...
-
انطفأ السراج وبدأ عصر -الموديلز-
-
أكرم سيتي يختزل قرنًا من الاستبداد في دقيقتين
-
أبو الغيط يترأس اجتماع مجلس إدارة الصندوق العربي للمعونة الف
...
-
مهرجان كان السينمائي: لجنة التحكيم تبدأ عملها في مشاهدة أفلا
...
-
-عيبٌ أُحبّه-.. 7 أيام كافية لهزّ الوجدان في الرواية الأولى
...
-
دراسة نقدية لنص(نص غانية) من ديوان (قصائد تشاغب العشق) للشاع
...
المزيد.....
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا
...
/ السيد حافظ
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
المزيد.....
|